كأنها الضاحية الجنوبية.. دمشق تلتحف بالمقامات والمزارات واللطميات الشيعية

رؤية سورية – ساسة بوست

«ضاحية دمشق الجنوبية» اسم تحلم إيران أن يُطلق على المنطقة القديمة في العاصمة السورية (دمشق)، بعد أن تمكنت واقعيًا من جعل المنطقة أشبه بمعقل «حزب الله اللبناني» ببيروت، الضاحية الجنوبية، فقد أضحت محاطة بالمقامات والمزارات والحسينيات، والمشاهد والطقوس والوجوه والشعارات الشيعية.

هذه المقامات التي أعلنت إيران دخولها الحرب السورية من أجل حمايتها، نسجت حولها المزيد من الحسينيات والمزارات، بعد أن تملكت الجديد ورممت القديم، ففيما وضعت إيران على قائمة اهتماماتها مقامي «السيدة زينب» و«السيدة رقية»، أوجدت عبر طرق متعددة مزارات شيعية أخرى، ثم حولت محيط تلك المزارات لمناطق شيعية، يؤمها «الحجاج» الشيعة القادمون من إيران ولبنان والبحرين والعراق.

إيران توسع المقامات وتذهّب قبابها حد الإسراف

لم تكن علاقة إيران بالمزارات والمراقد الشيعية في سوريا وليدة التدخل الإيراني في سوريا بعد ثورة عام 2011، فقد تزامنت هذه العلاقة بشكل واضح مع وصول «بشار الأسد» إلى السلطة، حينها عجلت طهران إلى دعم هذه المقامات والمشاهد في كافة المدن السورية، لتنسج حول المزارات الشيعية -التي لم تكن موجودة قبل العام 1980- خطة للتمدد، فيما كان على طهران العمل أيضًا على خلق وتحويل بعض الأماكن المقدسة إلى مزارات جديدة.

الاهتمام الأكبر كان بمقامي«السيدة زينب» الواقع جنوب شرق العاصمة (دمشق) و«السيدة رقية» الواقع قرب المسجد الأموي بدمشق، وهي المقامات التي استغلتها إيران للترويج لـ«ضرورة حماية المراقد والمزارات» باعتبارها وسيلة لتجنيد عناصر المليشيات التي تقاتل في سوريا، فقد اعتيد أن يصف الإعلام الإيراني القتلى بـ«الشهداء المدافعين عن الحرم».

وبالرغم من أن هذه المقامات معروفة منذ القدم إلا أن الإيرانيين لم يتركوا المقام على حاله، فسبق وأن قاموا بترميم «قبة المرقد» والمآذن وترميم الواجهات والأبواب وغيروا حجارة الجدران وطلاءها، ويهتم الإيرانيون بتذهيب قباب المقامات بتكلفة مرتفعة للغاية، ووصل الأمر إلى تذهيب الحيطان والأبواب والمداخل لحد الإسراف، لكن فيما تم زخرفة وتزين قبورزوجات الرسول كقبر أم سلمة وأم حبيبة، ترك قبر «حفصة بنت عمر بن الخطاب» دون أي اهتمام إيراني.

لم يكتف الإيرانيون بما سبق، ففي السابع عشر من الشهر الجاري أعلنت طهران أن مشروع توسعة لمقام «السيدة زينب» قد تم الانتهاء من إعداده، وهو مشروع سيشمل توسعة مرقد «السيدة رقية» أيضًا، وقد قال ما يسمى بـ«رئيس لجنةإعادة اعمار العتبات المقدسة في سوريا»، علي رضا أكبري أن: «مشروع تطوير وتوسعة حرم السيدة زينب يقع ضمن برامجنا لإعادة إعمار الأماكن المقدسة»، وتؤكد المصادر السورية أن إيران تسعى لدمج مناطق يلدا وببيلا وحجيرة والحجر الأسود، مع مدينة السيدة زينب وبلدة سيدي مقداد، وأجزاء الغوطة الشرقية لتكون بمثابة «درتها» في دمشق.

دمشق كأنها «الضاحية الجنوبية» بلبنان

إذا ما أردت الدخول من أبواب دمشق القديمة كباب توما، وباب شرقي، ستشعر أنك تتواجد أمام مداخل الضاحية الجنوبية ببيروت، حيث معقل «حزب الله اللبناني» في لبنان، فعلى هذه الأبواب تنتشر صور قتلى النظام السوري وتحتها شعار «لبيك يا حسين».

هذه الصورة لم تأتِ من فراغ، فقد نجحت إيران بشراء عقارات المنطقة بمبالغ كبيرة، وأصبحت في ملكيتها الآن المناطق المحيطة بالمسجد الأموي، والقيمرية، ومقابل مقام السيدة رقية، وفي حيي باب توما وباب شرقي، و تملك أيضًا السفارة الإيرانية فنادق ساحة المرجة وسط دمشق، كالدة والإيوان وآسيا ودمشق الدولي وفينيسيا والبتراء، وهي الآن بصدد تنفيذ مخطط للاستيلاء على سوق العصرونية الواقع في قلب دمشق، وذلك بعد إغراء التجار بالعروض الضخمة لبيع محلاتهم، وتذكر المصادر السورية اسم «محمد حمشو» بوصفه رجل أعمال يتوالى مسئولة تسهيل شراء الإيرانيين للعقارات في دمشق.

كما أسلفنا، اتبعت إيران سياسة استحداث عشرات المزارات والمقامات الأخرى بعد تحويل المساجد والمزارات الصغيرة إلى مراكز دعوية ضخمة، حيث عكف الإيرانيون على التنقيب في المقابر والأماكن القديمة عن قبور تخص الطائفة الشيعية، وفي حال وجد هذا الضريح يتم تبنيه من قبل طهران وقم، وترصد له ميزانية خاصة لإعماره كي يصبح مزارًا دينيًا.

ولا يتوقف الأمر هنا، إذ من المهم متابعة شراء الأراضي المحيطة بالمزار حتى يتم إنشاء «حسينية» كبيرة على القبر، كما حدث في مقبرة «باب الصغير» التي تعد أشهر مقابر مدينة دمشق وأكبرها، حيث تم إنشاء مقام جديد أطلق عليه مقام «شهداء كربلاء»، وكذلك أنشأت إيران «مقام سكينة» -في داريا بريف دمشق- الذي يعد حديثًا نسبيًا – بدأ إنشاؤه في العام 2003-، فقد قام  المتعهد الإيراني «رضا الواحدي» في أكتوبر (تشرين الثاني) 2017 بترميم هذا المقام الذي يؤكد أهله أنه لم يحظ بأي أهمية تاريخيًا، ولا يعود لأي رمز ديني سُنّي أو شيعي.

أما عن أبرز الحسينيات الجديدة ، فقد أنشأت إيران حسينية في ريف دير الزور الشرقي في بادية (القورية)، مستغلة وجود نبع ماء يسمى «عين علي» لتصوير المكان على أنه أثر شيعي مقدس، وخلال في هذا الشهر أبريل (نيسان) 2018، افتتح مدير أوقاف النظام السوري في مدينة حمص «عصام المصري» حسينية لأتباع المذهب الشيعي في حي البياضة، أشهر الأحياء الثورة السورية.

وتؤكد المصادر الإيرانية على أن ما يسمى بـ«مشاهد آل البيت» في سوريا يناهز الخمسين، نصفها في دمشق، تليها-من حيث العدد- حلب ، ثم اللاذقية وحماة وحمص، ومنها 12 مشهدًا لـ«علي بن أبي طالب»، وسبعة منها لـ«الحسين بن علي»، وأربعة لـ«الإمام زين العابدين بن الحسين»، وهناك مقامات أخرى لأبناء وأحفاد «الحسين بن علي».

في أزقة دمشق القديمة.. «اللطميات» حاضرة والعناصر الأمنية أيضًا

في السادس من أبريل الحالي، نشر مقطع فيديو لحفل راقص داخل مطعم قصر  النرجس بدمشق، وفيه تمايل الحضور على نغمات موسيقية وكلمات «لطمية شيعية» تحمل عنوان «يا زينب لبيك» بصوت المغني «بهاء يوسف» الذي أدى اللطمية على شكل أغنية راقصة لرواد المطعم.

هذا الحفل الذي أظهر مدى انتشار«اللطميات» في دمشق حتى وصل الملاهي الليلية، هو أخف وطأة على قلوب بعض الدمشقيين من اللطميات التي تحدث في الأماكن المقدسة، ومنها ما يحدث في ساحة «الجامع الأموي»، فهناك يرى هؤلاء مواكب اللطم التي تضم رجالًا نصف عراة، يتمايلون وهم يسيرون نحو «مقام رأس الحسين بن علي».

وثمة لطميات ضخمة يقوم بها شيعة إيرانيون وعراقيون وغيرهم بالقرب من سوق الحميدية (أحد أشهر أسواق العاصمة السورية)، والقريب من مقام السيدة رقية في دمشق القديمة، يرددون عبارات تمس عقيدة  غالب سكان دمشق من السنة، كما تمس شيعة سوريا الذين يشكلون ما بين 4 و4.5% من السكان، إذ لم تكن «الشعائر الحسينية» تحظى لديهم باهتمام هؤلاء قبل 2011، حيث اعتبر الشيعة الدمشقيون «التطبير» و«اللطم» محرمًّا لأنه يوهن صورة أتباع المذهب.

وبالتزامن مع هذه اللطميات الشيعية، انتشرت «شركات أمنية سياحية» لحماية زوار المقامات المتواجدة في دمشق، ويرتدي عناصر هذه الشركة المدعومة من إيران الزي العسكري ويحملون أسلحة، إلى جانب سيارات صغيرة تمكنهم من التنقل بين حارات دمشق القديمة، كما تشرف قوى أمنية تابعة للنظام على هذه الشركات بالتعاون مع عناصر مسلحة من أبناء المناطق الرئيسية للشيعة الدمشقيين.

وفيما تنتشر عناصر تابعة لشركة أمنية مدعومة من إيران في محيط «مقام السيدة رقية» في مدينة دمشق القديمة، تنتشر عناصر من «حزب الله اللبناني» في منطقة «مقام السيدة زينب»، حيث اشترت طهران أعدادًا كبيرة من المنازل القريبة من مسجد زينب، وحولت مساحة من الأرض لحاجز أمني.

أما المسجد الأموي، أكبر المساجد السنية في دمشق، فقد تحول هو الآخر إلى منطقة أمنية تحاول إيران السيطرة عليها، وقد أثير قبل فترة سخط سكان دمشق لقيام المصمم «إلياس عيسى» بتنسيق إضاءة المسجد، إذ إن «عيسى» هو المنسق المعتمد لإضاءة أغلب النوادي الليلية وحفلات المطربين أمثال علي الديك.

المؤسسات التعليمية الإيرانية تلتف حول دمشق

أطفال في أعمار مختلفة، يتجولون في قلب العاصمة دمشق، يرتدون الزي الأسود، ويضعون على رؤوسهم عصبة تحمل شعار «لبيك يا زينب»، هؤلاء هم تلاميذ سوريون من مدارس دمشق، لكن من يتولى مسئولية تدربيهم على الكشافة هي جمعية إيرانية.

فوفقًا لبعض التحليلات، يدخل ضمن الخطط الإيرانية لبسط السيطرة سياسيًا أو ثقافيًا على سوريا،عملية تأسيس معاهد للغات وافتتاح فروع للجامعات، تنشط في دمشق العاصمة جمعية «كشافة الإمام المهدي» الحكومية، وتتولى مهام عدة في مدارس أطفال بدمشق، كتعليم الأطفال الذين تتراوح أعمار هم بين السادسة والثامنة عشر من العمر مبادئ وطقوس المذهب الشيعي.

وكان أبرز الخطوات الإيرانية في مجال إغراق دمشق بالمؤسسات التعليمية الإيرانية هو إقدام طهران على إنشاء «مكتب تنسيق» خاص بـ«المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» في دمشق، وذلك بهدف تحديد مسار الخطاب الديني في سوريا، أما «معهد الشام العالي للدراسات الدينية» أكبر مؤسسة إسلامية دينية في سوريا، فقد مولته إيران في العام 2011 أي بعد انطلاق الثورة السورية، وارتبط المعهد بوزير الأوقاف السوري «محمد عبد الستار السيد»، الذي يعتبره البعض من أهم منفذي سياسة التشيّع في سوريا، كما يصنف البعض «مجمع الست رقية» بوصفه أكبر مؤسسة دينية لنشر الفكر الشيعي في دمشق.

أما في يناير (كانون الأول) 2018، فقد أعلن عن تأسيس «جامعة آزاد الإسلامية» أو ما يطلق عليها في إيران اسم «الجامعة الحرة الإسلامية» في جميع المدن السورية، وبذلك تنضم هذه الجامعة إلى جامعتي «المصطفى» و«الفارابي» اللواتي يتبعن المؤسسة التعليمية في إيران بشكل مباشر، وفي إطار تكريس النفوذ الإيراني، تم تأسيس (كلية المذاهب الإسلامية)  في العاصمة دمشق بالتعاون مع «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الإيرانية»، وجاء إعلان التأسيس من طهران بعد فتح فروع لـ«جامعة آزاد الإسلامية» في كل من سوريا والعراق ولبنان، ونقلت وكالة «تسنيم» عن رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران «كمال خرازي» قوله إن: «إيران والعلماء فيها على استعداد للتعاون القريب مع سوريا على أساس العلاقات الإسلامية لتعزيز العلاقات بين علماء الشّيعة والسّنة».

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …