عادل درويش: برنارد لويس.. صراع الانطباعات مع المعرفة

1

عادل درويش- الشرق الأوسط

رحيل الكاتب الأكاديمي اللندني المولد برنارد لويس في 19 مايو (أيار) الحالي أثار جدلاً في صحافة اللغة العربية، ومواقع التواصل الاجتماعي، يتعلق بمواقفه السياسية (بعضها غير واضح بشكل يقطع الشك باليقين) أكثر من إنجازاته الأكاديمية.
غالبية التعليقات سلبية في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث مستخدموها في أي بلد يفوقون عدداً مستهلكي الصحف والإذاعة والتلفزيون؛ الصحافة التقليدية منبر يفرض منه صانع أو مقدم الخبر أو الكاتب مضمون الفقرة على المتلقي، بينما الأولى يفضلها الناس اليوم؛ وسائل التواصل الاجتماعي متفاعلة حية، يدور فيها الجدل وتبادل الآراء في اتجاهين، وتتسع دائرة المناقشة لتشمل آخرين، وكأنك في مناظرة عامة مفتوحة لا يتدخل فيها ضابط أو رقيب ليميل ميزان المناظرة لطرف على حساب الآخر.
أغلبية ما كتب، والتعليقات على رحيل برنارد لويس (1916 – 2018)، كانت سلبية، ليس كنقد أدبي أو مناقشة تفسيره للمعلومات التاريخية في مؤلفاته المتعددة الغزيرة، بل لثلاثة مواقف اعتبرها البعض سياسية، وإن كان يصعب التأكد بأدلة تقنع القضاة والمحلفين بأنها بالفعل كانت مواقف اختيارية متعمدة، فلويس نفسه لم يقدم إجابات شافية في هذا الشأن: الأول، أنه مسؤول عن تنامي ظاهرة ما تعرفه الصحافة الليبرالية بـ«الإسلاموفوبيا» في الغرب. والثاني، «انتماءاته الصهيونية» بدعمه إسرائيل، ومساهمته في إقناع إدارة جورج بوش الأصغر بغزو العراق (2003). والثالث، نظرته السلبية للعرب على أنهم مسؤولون عن تراجع مجتمعاتهم علمياً وحضارياً بسبب تدهورهم الفلسفي والثقافي بعد ازدهارهم الأول؛ تدهور ابتدأ منذ القرن الثاني عشر واستمر حتى اليوم، أكثر من مسؤولية الاستعمار، وهو أمر حديث نسبياً؛ بدأ وانتهى في مائة عام، بينما بلدان إسلامية أخرى، غير عربية، ازدهرت وتفوقت اقتصادياً بعد استقلالها في الخمسينات.
هذه المواقف (وهي perceptions، أي انطباعية أكثر من استنادها لدراسة حقيقية) لدى المصريين والعرب لونت تعليقاتهم، سواء في الصحافة التقليدية أو في مناقشات وسائل التواصل الاجتماعي.
موقف لويس الانطباعي الثالث (الأخير) لدى العرب، عن مدى دور الاستعمار في عرقلة التقدم في بلدان منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، ودور العرب والأفارقة والمسلمين عموماً، لم يكن حكراً على لويس، بل يتشابه مع رؤية الفيلسوف الوجودي المصري – الفرنسي الراحل الدكتور عبد الرحمن بدوي (1917 – 2002). ومثل لويس، المتعدد اللغات كالعربية والفارسية والتركية والعبرية وحتى الآرامية بجانب الإنجليزية، فإن البروفسور بدوي درس وتحدث العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية. وبخلاف لويس، الذي تحدث لغات عدة لكنه كتب بالإنجليزية، فإن بدوي نشر 37 كتاباً ومئات من المحاضرات والتقارير بالفرنسية والعربية والإنجليزية والألمانية. بدوي تنبأ بصدام الحضارات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي قبل لويس وصمويل هنتنغتون بنصف قرن.
عشية الحرب العالمية الثانية، تنبأ بدوي بالصدام العنيف بسبب عجز المفكرين والفلاسفة الإسلاميين عن التصالح مع الفلسفة اليونانية التي اعتبرها أساس التفكير الذي أدى لعصر النهضة، وبالتالي التقدم العلمي الأوروبي، وتطور عصر التنوير والعقل، وبزوغ تيارات فكرية لإيجاد مواقف التعايش والتوافق الفلسفي، لا التصادم وإلغاء الآخر. العرب والمصريون لم يهاجموا بدوي، حيث لم تشغله مسألة إسرائيل كثيراً (رغم عمله دبلوماسياً في السفارات المصرية قبل التصادم الفكري مع النظام الناصري في الخمسينات، وترك العمل الدبلوماسي إلى الأبراج العاجية في أكثر من جامعة، انتهاءً بالسوربون)، لكنهم هاجموا لويس بعنف بعد موته بسبب الانطباع عن الموقفين الأولين؛ الموقف من إسرائيل يلون رؤية معظم العرب لأعمال الآخرين، والانطباع عن دعمه غزو العراق أضاف عدداً آخر إلى معسكر هجاء لويس.
لويس حضر اجتماعين فقط لمجلس الأمن القومي الأميركي، عند استشارتهم المتخصصين حول العراق. في إجابات لويس محاولات لنفي مسؤوليته، خصوصاً أن الاجتماعات كانت بحضور المعارض العراقي الراحل (المدعوم من إيران) أحمد الجلبي، الذي لعب الدور الأكبر في تزويد الأميركيين بمعلومات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وكان دينامو إقناعهم بغزو العراق، بينما كان لويس مثلاً يرى الحل في دعم الأكراد وتحالفاتهم الوطنية لإسقاط ديكتاتورية صدام البعثية من الداخل.
وهذا الموقف الانطباعي عن مسؤوليته عن انتشار «الإسلاموفوبيا» أجاب عنه الأستاذ رضوان السيد، في مقاله في «الشرق الأوسط» الجمعة 25 مايو «برنارد لويس والاستشراق والإسلاموفوبيا»، في حواره مع لويس الذي كان منطلقه دعم ومناصرة الأقليات، وقلقه على انهيار الفكر التفتحي الأوروبي من الداخل.
في بعض محاوراتي على «فيسبوك» هذا الأسبوع، مع مصريين وعرب من مهاجمي لويس ومهاجمي من أشاد به، اكتشفت أن معظمهم لم يقرأ لويس (أو بدوي) مباشرة، وإنما كونوا الانطباع عنه من تقارير صحافية ضحلة عن مناصرته لإسرائيل (الطريف أنه في حواره مع رضوان السيد رفض الاعتراف بأنه صهيوني، كما يتهمه العرب، بل قال إنه من عائلة يهودية علمانية غير متدينة). مثلاً، لم يعرف أي ممن حاورتهم أن جماعة الإخوان المسلمين المصرية أعادت نشر كتاب برنارد لويس الصادر في 1964 (The Middle east and the West) «الشرق الأوسط والغرب» مترجماً. وكتب الناشر في تصدير الكتاب: «لا أعرف من هو هذا الرجل (يقصد لويس)… فإما هو صديق صريح لنا (يقصد الإسلام السياسي، كجماعته) أو هو عدو شريف.. لكن الواضح أنه رجل يرفض التزييف في تعامله مع الوقائع».
واكتشفت أيضاً أن عدداً من المحاورين في وسائل التواصل الاجتماعي، ومثقفين مصريين وعرباً، لم يعرفوا التفاصيل عن دراسة لويس في جامعة القاهرة، في النصف الثاني من الثلاثينات حتى التحاقه بالجيش البريطاني. وأقلية تدرك أن إعجاب لويس بالنموذج التركي لا يعود فقط إلى تجربة أتاتورك العلمانية، بقدر ما يعود إلى رفض الجامعات والمراكز الأكاديمية المصرية والعربية التعاون معه، أو السماح له بدراسة وثائقها بعد 1948، فلجأ إلى تركيا لدراسة الوثائق والمخطوطات العثمانية فيها (هجر زوجته من أجل فتاة تركية وقع في غرامها في إسطنبول، وتركت الرومانسية أثرها على حبه لتركيا على حساب أماكن أخرى).
الشخصيات المثيرة للجدل، كبرنارد لويس، نادراً ما يحسم التاريخ صحة أو خطأ لافتة لصقها البعض عليهم، والخطأ الأكبر الذي غالباً ما يقترفه العرب أن يتغاضي أي المتنازعين (ما إذا كان الراحل صديقاً أو خصماً) عن ضرورة دراسة أعماله في سياقها الأكاديمي، بدلاً من إهدار الطاقة الذهنية في التعامل مع الانطباع الظاهري، والتعامل مع الوقائع والإرث الموجود داخل الإطار المعرفي.

(Visited 1 times, 1 visits today)

Comments are closed.