هيفاء بيطار:ساعات طويلة في ضيافة جهاز أمن سوري

7

هيفاء بيطار– الحياة

في 8-5-2018، كنت جالسة أستمتع بالفطور وجبنة اللاذقية (المسنرة) وكانت الساعة حوالي العاشرة صباحاً، تلقيت اتصالاً من رقم مجهول وصوت شاب مُحايد يطلب مني أن أراجع فوراً جهاز أمن الدولة قسم 4 غرفة 3. وجدتني عاجزة عن بقائي في وضعية الجلوس فوقفت وأخذت أتوه في المكان غير مستوعبة شحنة الذعر التي دبت فجأة في جسدي كتيار كهربائي صاعق. ووجدتني أتصل بالرقم إياه وأسأله: خير ما الموضوع؟ لماذا تستدعونني إلى أمن الدولة؟ فقال: لا أعلم أنا دوري مجرد تبليغ. فقلت له هل يمكن أن أتحدث إلى الضابط إياه؟ فقال: لا. فوجدتني أجيبه بعفوية: أختي طبيبة في باريس تتصل بوزيرة العدل وتكلمها ببساطة ووزيرة العدل تستمع لها بكل احترام. فرد عليّ: هذا ليس من شأني. وخطر لي أن أؤجل ذهابي حتى اليوم التالي لكن خيالي صفعني للتو بصور من فيلم «الخوف» بطولة سعاد حسني ونور الشريف.

لبست ثيابي على عجل ولم أخبر إلا اثنين من أعز أصدقائي.

مررت بشوارع اللاذقية القذرة وأكوام القمامة في كل زاوية. ونظر إليّ سائق التاكسي نظرة ارتياب، فما الذي ارتكبته امرأة لتذهب إلى أمن الدولة! بالتأكيد أنا امرأة خطيرة ولم يستطع أن يقمع فضوله فسألني بلهجة أهل الصليبة: خير أختي شو عاملة! فقلت له: لا أعرف. ووصلت الحواجز الحديدية الثخينة العملاقة ووجدت حفنة من شباب بلادي يلبسون البدلات المبرقعة ويحملون البنادق. واستقبلوني بلطف حقيقي. ومشى معي أحدهم حتى قسم 4 من مبنى المخابرات ودلني إلى الغرفة 3. وهناك وجدت شاباً لا يتجاوز عمره الثلاثين عاماً قال لي تفضلي بالجلوس فجلست على مقعد بجوار مكتبه المتواضع لكنه طلب مني أن أجلس مقابله.

كان المحقق لبقاً ومهذباً وكنت أكظم غيظي وإحساسي الفظيع بالذل. أعطاني عدة أوراق بيضاء مطبوعة عليها أسئلة واستفسارات معينة وطلب مني أن أملأها ريثما يعود. وأذعنت لطلب الشاب: الاسم والكنية واسم الأب والأم والإخوة والأخوات وأولادهم وكان بجانب كل اسم أكتبه عبارة (هل هو موالٍ أم معارض) وكنت أكتب طبعاً أن الجميع موالٍ. والحق أقول إن في كل أسرتي لا أحد معارض وكلهم يلومونني لاهتماماتي الاجتماعية والسياسية ويخشون عليّ.

الشاب (الضابط)، وكان يلبس لباساً مدنياً، سألني بتهذيب لماذا تركت بعض المساحات فارغة فقلت له لأن زوج أختي فرنسي ولا يعرف العربية وزوج ابنتي إيطالي ولا يعرف العربية، فكيف أعرف إن كانا مواليين أم مُعارضين للسياسة السورية. فقال: لا يجوز يجب أن تكتبي. فكتبت بأن صهري الإيطالي وزوج أختي الفرنسي مواليان للنظام في سورية. ولم أنتبه إلى أن الشاب عاد إلى الغرفة وفي يده أكداس من الأوراق هي مقالاتي كلها وبدا لي أن ثمة أسطراً في المقالات ملونة باللون الأخضر الفاقع. وسألني: لماذا تغيرت! أنت طوال عمرك كاتبة مرموقة وأنا شخصياً حضرت لك عدة محاضرات ثقافية في مراكز ثقافية عدة في اللاذقية ودمشق وحلب؟ ووجدتني أقول له وفي المركز الثقافي في مخيم اليرموك هل تذكر! فلم يرد. بالتأكيد كانت وظيفته كتابة ملخص عن محاضراتي وعن محاضرات كل الكتاب. وسألــني هل تعتقدين أن ما حصل ثورة! وكما لو أن كلمة ثورة هي تهمة، وجرم لا يمكن الخلاص منه. فقلت له: في سورية كمعظم العالم العربي كنا نملك مقوماـــت الثورة، مثلاً؛ الفساد والمديرون اللصـــوص الذين لا يُحاسبون ويسرقون المال العام! والفقر وانعدام حرية الرأي والسجون التي تغص بمعتقلي الرأي وقســـم كبير منهم مات تحت التعذيب! ألا ترى معي أن هذه مقومات للثورة، فانتفض محاولاً كبت غضبه وقال: والآن، إلى أين أودت بنا هذه الثورة؟ قلت ببرود: الثورة فشلت وخُطفت وسُرقت وسورية تدمرت. فقال: يعني أن ما تسمينه ثورة لم يعد ثورة. أحسست بتشوش أفكاره فقلت له: ماذا تريد مني! ماذا تريدون من طبيبة عيون خدمت سورية أكثر من ربع قرن ومن كاتبة تعرضت مراراً لإزعاجات الأمن ومُنعت من السفر لولا تدخل بعض المعارف! فقال لي: يعني أنت واصلة! سألته ماذا تقصد بواصلة! وتخيلت سلماً يصل حتى السماء! قال: يعني ثمة شخصيات مهمة تساعدك فقلت له الحمد لله أن في هذا النظام بعض الشخصيات التي تُعد على أصابع اليد الواحدة تحترم المثقفين.

ساعات طويلة أمضيتها في الكلام مع هذا المحقق الشاب. ربما أجد متسعاً من الوقت لكتابة تفاصيل فاضت عن هذه الشهادة.

(Visited 1 times, 1 visits today)

Comments are closed.