مصطفى الولي: الأسد وشبح علي عبد الله صالح

1

مصطفى الولي- جيرون

أظهرت التجاذبات الأخيرة، بين الأطراف المنخرطة في الصراع بسورية، كما السجالات الحادة، المعلنة والمشفرة، أن التداعيات المتسارعة للأحداث تنطوي على تحولات دراماتيكية، يمكن لها أن تلغي، أو تحجم، دور هذا الطرف أو ذاك، وتفقده الأوراق التي كان يعتمدها ويوظفها لتحقيق أهدافه. ولعل الأوضح في هذه التداعيات أن العلاقة، بين سلطة بشار وسلطة ملالي طهران، باتت على حافة خطرة ومصيرية للطرفين كليهما (بشار وحلفاؤه الإيرانيون).
يحاول الإيرانيون توريط بشار، بتحميله مسؤولية وجودهم في سورية، بل حتى مسؤولية التحرشات العسكرية بـ “إسرائيل”. وبدا ذلك واضحًا في إنكار جنرالاتهم إرسال الطائرة المسيّرة، قبل شهرين، حين تداعى ذلك إلى احتدام خطير، عندما شنت “إسرائيل” أشد هجماتها الجوية والصاروخية على نحو خمسين موقعًا في سورية، تتمركز فيها أسلحة إيران الصاروخية وغير التقليدية، وبعض الورش والمصانع الحربية. وردًا على مطالبة واشنطن بإخراج القوات الإيرانية من سورية، توغل الخطاب الإعلامي والسياسي الإيراني بصياغات دفاعية، تبرر وجودهم على الأراضي السورية، وتحاول إعطاءها المشروعية، حين أعلن أكثر من مسؤول إيراني، عسكري وسياسي، أن هذا الوجود قائم على طلب من “الدولة” السورية، الأمر الذي يشبه إلقاء كرة النار في حقل هش ومتهافت، كما هو حال سلطة الطاغية في سورية. فمن دون خجل، راحت هذه الأخيرة إلى نفي وجود قوات إيرانية مقاتلة على الأراضي السورية، كما جاء على لسان رأس السلطة في مقابلة صحفية له، وكل ما هنالك أن الموجودين هم عبارة عن “خبراء” يساعدون الجيش السوري.
إن مثل هذا الاضطراب في خطاب الطرفين: الإيرانيين ورأس السلطة في سورية، فيه الكثير من الدلالات لمن يريد قراءته في إطار السجالات الشاملة بشأن الوضع في سورية، ومن ضمنها زيارتان لموسكو قام بهما وزير الدفاع الإسرائيلي، ورئيس حكومة تل أبيب، وبالتزامن مع لقاء لبشار الأسد مع بوتين، وعقب تلك الزيارات كان الخطابان، الروسي والإسرائيلي، يبديان التفاهم والرضى حول مصير الدور الإيراني في سورية، وإن لم يصلا إلى حد إعلان التطابق التام. أما بشار الأسد فكان الجديد في خطابه، بعد زيارته لموسكو، بداية انعطاف نحو القبول “بتحجيم” الدور الإيراني لينال رضى نتنياهو، والأميركيين، وبوتين أيضًا. ولكن الموقف الإسرائيلي، وكذا الأميركي، لا ينحصران بإنهاء الوجود الإيراني في جنوب سورية، حيث الإعلام الروسي يركز فقط على هذه النقطة، فالمطالبة الإسرائيلية بترحيل القوات الإيرانية من الأراضي السورية كافة، تتطابق مع رؤية وزير الخارجية الأميركي بومبيو في النقاط الاثنتي عشرة التي وضعها كسياسة لأميركا إزاء طهران.
وعلى ذلك؛ فإن مأزق سلطة بشار يصل إلى أقصى مدى، وكافة محاولاته للخروج منه بسلاسة ودون تعريض وجوده وسلطته للخطر، تصطدم بأجندات الأطراف الأقوى المنخرطة في الأزمة السورية. وتستطيع هذه الأطراف تقويض مرتكزات السلطة في سورية، وصولًا إلى إسقاطها، إن اقتضت الضرورة. وهو ما سبق أن أعلنه ليبرمان بعد الغارات الإسرائيلية الشاملة التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سورية. وملخص الموقف الإسرائيلي يقوم على ضرورة أن يتخذ بشار موقفًا ينتهي بموجبه الوجود الإيراني في سورية بشكل تام، أو تحميله المسؤولية عن كل الأعمال العسكرية التي تقوم بها طهران في سورية، ولو اقتصر الأمر على جنوب سورية، فالأمر مقدور عليه، وإيران ذاتها تتفهم هذا المطلب ورضخت له، لإرضاء الروس، وتخفيف الضغط الأميركي والإسرائيلي الذي يطاردها خطوة خطوة.
وعليه، يبدو واضحًا أن الطرف الأضعف في هذه التناقضات، والأقل قدرة على الخروج منها بأقل الأثمان، هو بشار الأسد. فهو، ومنذ الدكتاتور الأب، حمى سلطته بالإذعان لأمن “إسرائيل” في المنطقة، وتحالف مع واشنطن في حفر الباطن ضد نظام صدام حسين، وغطَى بقاءه في لبنان بموافقة أميركية إسرائيلية، ومع انطلاق الثورة السورية، كانت إيران هي القوة الإقليمية الوحيدة التي منعت سقوطه، قبل أن تدخل روسيا بثقلها السياسي والدبلوماسي والعسكري، لتصبح الضمانة الأولى والأهم لإعادة تأهيله لتمكنه من البقاء على الكرسي، أو على الأقل، لحماية “النظام” دون التشدد في موضوع استمرار بشار رئيسًا، كما يحلو للدبلوماسية الروسية المناورة التي يقودها لافروف في مداولات الحل في سورية.
أما الطرف الثاني في الضعف، بعد سلطة بشار، فهو إيران ووجودها في سورية. وفي حالة كهذه يصبح التناقض بين “الضعيفين” في المرتبة الأولى لكل منهما وسيسعى للدفاع عن مصالحه. فطهران لا تستطيع التصادم مع “حليفها” الروسي في ما يتعلق بالشأن السوري تحديدًا، كما أنها لا تستطيع تحمل ما يمكن لنتنياهو أن يقوم به ضد وجودها في سورية، ولا هي قادرة على تحييد الثقل الأميركي الضاغط عليها في كل الصعد. وفي واقع الحال هذا سترمي طهران أزمتها على حليفها بشار، ليرد لها “جميلها” في قيامها المبكر بقمع الثورة السورية، وزجها لميليشيات طائفية في هذا العمل الوحشي والجبان. ويبدأ رد “الجميل” هذا بالمصادقة على إعلان طهران أنها موجودة في سورية بطلب منه، وهو لم يفعل ذلك بل أنكر الوجود الإيراني العسكري، وأن يؤخِر ما أمكن من تراجعات روسيا عن دورها في تشكيل مظلة لدور طهران في سورية، غير أنه عاجز عن هذا العمل، فهو في علاقته مع موسكو في موقع الأداة العاجز عن إملاء أدنى شرط، والأهم أن بوتين عينه على الرضى الأميركي–الإسرائيلي أولًا، وروسيا لن ترفع من تناقضها معهما من أجل إرضاء طهران، ولا هي تأخذ بالاعتبار حسابات بشار الخاصة لعلاقته “الاستراتيجية” مع الإيرانيين. كما أنها تتفاخر بدورها بأنها هي من منعت سقوطه في العام 2015.
قصارى القول: إن بشار الأسد في مفترق خطير، تتزايد حدته كل يوم. وفي تقليب الخيارات يفترض به، لحماية بقائه، وهو البقاء المشروط باحتضان موسكو له، ورضى واشنطن وتل أبيب على استمرار سلطته، أقول يفترض أن يلقي الورقة الإيرانية في مهب الريح العاصفة، ويكسب استمراره في السلطة. أما وطهران بتغلغلها في مفاصل السلطة الأمنية والعسكرية، وبامتلاكها قوى ميليشياوية طائفية بأعداد هائلة، وبقدرتها الاستخبارية المتغلغلة في كل مناحي الحياة، فعلى الأغلب أنها لن تستجيب بسهولة وتقبل تمرد بشار عليها وعلى دورها. ومن المؤكد أنه يعرف ذلك جيدًا، ويعرف أن طهران تستطيع تكرار تجربة التخلص من علي عبد الله صالح في اليمن، ولو أدخلت سورية في تمزقات جديدة حادة ودموية، في محاولة منها للتشبث بمصالحها وقطف “ثمار” دورها في حماية الطاغية.

(Visited 1 times, 1 visits today)

Comments are closed.