كفرنبل تدهش العالم بلافتاتها

كفر نبل

لعب الإعلام الثوري خلال مسيرة الثورة السورية  دور البطل في فلم طويل مازالت مشاهده المحزنة مستمرة منذ ما يقارب العامين والنصف,  واستطاع خلالها أن يوصل ما عجز الإعلام التقليدي عن ايصاله لتقيّده بأسس وقواعد النشر تارةً  أو لارتباطه بأجندات خاصة تفرض نفسها عليه تارةً اُخرى  . والذي يميز الإعلام الثوري هو تفاعله مع الناس وقربه من نبض الشارع وتحطيمه لكل القواعد والقوالب الجاهزة التي لابد أن يمر من خلالها الإعلام التقليدي فلامس بذلك أحاسيس الناس ووجدانها . فلا أحد منا يستطيع أن ينسى ذلك اليوم الذي رفع فيه ناشطون في مجال حقوق الإنسان في بوسطن الأمريكية لافتات تضامن مع ثورة الشعب السوري في اليوم التالي لتفجيرات بوسطن الإرهابية , فما الذي دفع هؤلاء الأمريكيين الذين يبعدون آلاف الكيلومترات والذين لم يسبق لهم التعاطف مع قضايا الشعوب العربية بهذا الشكل  إلى ذلك.                                                                                                                       إنها لافتة صغيرة , من قلب قرية سورية اسمها كفرنبل  كتب عليها باللغة الانجليزية } تفجيرات بوسطن هي المشهد الحزين لما يحصل في سوريا يومياً , تقبلوا تعازينا …. أهل كفرنبل { عبارات بسيطة ولافتة بأقل الإمكانيات كانت كفيلة بان تحشد تعاطفاً أمريكياً عجزت عنه كل قوى المعارضة السورية بمؤسساتها المتعددة , وأضحت مثار نقاش صحفي وإعلامي في الأوساط الامريكية وهي التي دفعت (ديفيد كينار ) أحد أشهر محرري صحيفة فورن بوليسي الأمريكية لأن تكون مادته بعنوان « بلدة سورية صغيرة تتعاطف مع بوسطن« .

للافتات في كفرنبل قصص وروايات , فمن الموقف السياسي الصريح  الى النقد اللاذع الى التهكم على المجتمع الدولي وقراراته الى الموقف الإنساني الرائع كانت تتنقل فصول هذه الروايات , ومن اللغة العربية الى اللغات الأجنبية إلى رسوم الكاريكاتير كانت تدور رحى كلماتها .

البداية كانت معركة إعلامية بين الثوار وبين الإعلام السوري الذي يحاول دائما تغطية الشمس بقطعة قماش فقرر الناشطون بعد كيل العديد من الاتهامات لمظاهرات كفرنبل ومتظاهريها أن يردوا فكانت اللافتات خير سلاح في وجه هذا الإعلام الكاذب , وخرجت أول لافتة للنور وكتب عليها} من يمتلك القدرة على رؤية الحقيقة لا يتجه الى ظلها {كتبت باللغة العربية بأسلوب فني وجميل , ولاقت رواجاً واسعاً في قنوات الأخبار العربية وأصبحت دليلاً في تقارير مراسليها ضد إعلام النظام المضلل على وجود ثورة حقيقية في سوريا . وتطورت اللافتات بعد ذلك لتلتقط تناقضات الحراك السياسي المحلي والعربي والدولي , وكذلك لم تسلم المعارضة السياسية أو العسكرية من انتقاداتها اللاذعة .

واللافتات في كفرنبل هي نتائج جهود مجموعة كبيرة من الناشطين والإعلاميين , ولكن كما يصرُّ هؤلاء الناشطون أنَّ العنصر الأهم هم المتظاهرون الذين يحملون تلك اللافتات لتصل الرسالة التي تعبر عن ضمير الثورة ووجدانها.

البداية :

يقول رائد الفارس وهو الذي ترك دراسة الطب مبكراً وهو الآن مسؤول المكتب الاعلامي بكفرنبل « ما دفعنا لاستخدام اللافتات هو التوثيق أولاً بانَّ هذه المظاهرات هي حقاً في سوريا وكفرنبل تحديداً , والسبب الثاني هو غياب وسائل الإعلام في سوريا ولذلك قررنا أن نكتب لافتات تعبر عن مطالب المتظاهرين « ومع مرور شهور على بداية الثورة أصبح هناك تخصص في فريق العمل الإعلامي  فالبعض كان اختصاصه لافتات كبيرة باللغة العربية والبعض مختص بالانكليزية وآخرون بالرسوم واللوحات  وبعد النقاش وتداول الأفكار جميعها تسكب الفكرة المعتمدة في قالبها الفني الذي سيخرج في مظاهرة اليوم التالي . ويقول الفارس «  لم نكن نتوقع أن تصل لافتاتنا الى ما وصلت إليه ولكن أقول بكل بساطة بأننا كنا نقول في اللافتات ما نشعر به وبالتالي هي تعبير عن نموذج من واقع سوري مر»  ويرى فريق العمل أن العمل باللافتات مازال مستمرا لأن الرسالة بالمطلق لم تصل بعد وهناك الكثير من الأفكار يجب أن تصل إلى الحكومات والهيئات الدولية والشعوب التي أيقنّا أنها الأكثر تفاعلاً والأهم .. والشعوب هي من نعوّل عليها بعد أن خذلنا العالم  .

بريشة رسام :

يقول مخبري الأسنان أحمد خليل الجلل الذي ترك مخبره والتحق بالثورة « إن الثورة أحيت في داخلي موهبة الرسم الساخر وكان لوجه الأسد الرئيس الكاريكاتيري الفضل في إحياء هذه الموهبة «ولكل حدث سياسي داخلي أو خارجي  لريشة أحمد منه نصيب  , فأخذ يلتقط ورفاقه الأفكار ويبدعها بريشة فنان ثائر أدرك أن الرسم بلغته البصرية العالمية يكمن أن يرسل رسائل مفهومة للعالم أجمع . ويقول أحمد « إن همي الأول هو اظهار رسالة الثورة ومبادئها وأهدافها للعالم , أي اظهار البعد الفكري للثورة لأنه بعد اتجاهها للكفاح المسلح  صار الغرب ينظر لها على أنها تمرد مسلح أو حرب أهلية « واستطاعت رسومات أحمد ولافتات أصدقائه أن تجوب الولايات المتحدة بمعرض فني جميل على الرغم من بساطتها والإمكانيات القليلة التي صنعت بها , بل أكثر من ذلك أنه تم نسخ بعضها بشكل يطابق الأصلية لتباع في أمريكا وتشكل مصدر تمويل لبعض الأنشطة الثورية .

لافتات بلغات أخرى :

يقول السيد علي الأمين السويد الذي غادر قريته الصغيرة كفرنبل حاملاً معه إجازة باللغة الانكليزية والكثير من الألم على وطنٍ كان أصغر من مساحة قلمه إلى دولة الكويت ليعمل مدرساً  للغة الإنجليزية «  اتصل بي أحد الأصدقاء طالباً لافته باللغة الانكليزية كرسالة لدول الغرب , وكانت الساحة السياسية والإعلامية مشغولة بموقف الصين المنحاز للنظام فكانت أول لافته باللغة الانكليزية } free Tibet , free Taiwan { « كانت هذه اللافتة موقف سياسي واضح وجريء يخاطب قوة عظمى من قلب قرية سورية صغيرة منسية بين الجبال , استطاعت أن تلفت أنظار العالم الغربي ووسائل إعلامه الى ثورة الشعب السوري وإلى معاناته اليومية .                                                                                                     وكانت اللافتة الأشهر التي كتبها السيد الأمين كرسالة مواساة  لأهل ضحايا تفجير بوسطن الإرهابي الفضل في ايصال الرسالة الإنسانية الراقية للثورة السورية إلى المجتمع الأمريكي هذه الرسالة التي عجزت أو ربما تغافلت عنها المعارضة السياسية بكل مؤسساتها وهيئاتها  ,هذه اللافتة التي قال عنها الأمين «أنها وبسبب الحزن لاحظتها أخذت أبعاداً عديدة وكنت مثل كل زملائي .. سعيد جداً بأننا استطعنا استغلال اللحظة المناسبة للتعبير عن إنسانية المواطن السوري وتفاعله بمحيطه بالرغم من كل الآلام الفظيعة التي يعاني منها وبالرغم من البروباغندا التي تستهدفه  , واللافتات التي تخرج من تحت أيدينا سواء العربية أو الإنجليزية أو الرسوم ماهي إلا صوت سوريا كلها ونداءها للعالم , وكنت أشعر بالألم المبعوث داخل اللافتة وأعاتب العالم بصمت المنتظر لردة الفعل القادمة «

 وآخر ابداعات هؤلاء الناشطين كانت تلك اللافتة التي كتبت باللغة الانكليزية وتمنت الشفاء لنيلسون مانديلا ملهم الأحرار في العالم , وما هي إلا ساعات قليلة حتى بدأت ردود الأفعال تتوالى وأصبحت كفرنبل ولافتاتها مجدداً حديث الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام  , وأكثر ما يلفت الانتباه أحد المقالات التي جمعت بين تذرع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن زيارة نيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا السابق وبين قرية سورية اسمها كفرنبل بلافتة صغيرة .                                                                                                                   ومنذ بداية الثورة وحتى الآن لم تتوقف اللافتات في كفرنبل كما لم تتوقف مظاهراتها , فكفرنبل بلافتاتها وصورها تجاوزت حدودها الصغيرة لتوصل رسائل إلى العالم بمختلف اللغات وتضبط إيقاع الثورة باتجاه الهدف الرئيسي منها وأصبحت بحق كما تسمى « ضمير الثورة «

شاهد أيضاً

مفيدة عنكير: السومة والخطيب يحسمان الجدل.. منتخب النظام يوسّع الفجوة بين السوريين

  مفيدة عنكير – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م ارتفعت نبرة المشادّات خلال …

اترك تعليقاً