أهل الحكمة من بني معروف.. والانغلاق والانفتاح

_14319_dor3إبراهيم الجبين – العرب: كانت أغنية المغني السوري سميح شقير “يا حيف” نشيد الثورة السورية المدنية التي غنّت للذين خرجوا إلى الحرية في درعا وجاء الرد عليهم بمطر من الرصاص.

“جارك لا تجافيه وتجحده.. ولا يجحد الجيران غير إبليس.. وصى النبي بالجار من دور آدم.. وحيي كلام الغانمين نفيس…الأجواد مثل الروض يزهو للندى.. والأنذال صمان محل ويبيس.. دار الناس تأمن شرورهم وخذ ما استطعت من الأنام جليس”.

كان هذا شعرا بدويا، ولكنه ليس من شعر نجد والخليج والعراق، هو من شعر الأمير شبلي الأطرش، أحد أبرز الزعامات الدرزية السورية، وفيه تظهر تلك الثقافة المنطوية، التي أراد لها الاستبداد والاحتلال معا أن تكون معزولة عن النطاق العربي والإسلامي المحيط بها.

ولكنها أبت إلا أن تكون حمّالة للقيم عبر الأزمنة، وناقلة للثقافة الأصيلة، من خلال إحدى أهم الهويات القلقة في المشرق العربي، والتي عبّرت عن قلقها في رغبتها بإنشاء مجتمع عادل، منصف، لجميع الناس، لا يفرّق بين مسلم ومسيحي وسني وشيعي، بل يذهب إلى العادات والتقاليد، ويكرّس العقل أساسا للتعاملات، وطريقا نحو الحق.

وقد نكّلت كل السلطات التي قاومها الدروز، بمجتمعاتهم، وحاولت تفريقهم، واستخدامهم، أصرّت على تقزيم قياداتهم ورموزهم، وحرمتهم من الاحتفاء بها وتكريمها.

وكان حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار يخشيان من الهالة الكبيرة التي تركها سلطان باشا الأطرش زعيم وقائد الثورة السورية الكبرى، فواصلوا منع إنشاء ضريح يليق به في بلده القرية، في السويداء.

وحين أنشأه أهل الجبل، ضيقوا عليهم في الذهاب إليه وزيارته، لا سيما في بداية انطلاق الثورة السورية، وخطفت المخابرات السورية شبلي العيّسمي، كي تحرم الدروز السوريين من قائد رأي يقف في وجه السلطة الدكتاتورية، وقبله اغتال نظام الأسد كمال جنبلاط في لبنان. وزج الآلاف من أبنائهم في السجون لسنوات طويلة.

وكذلك فعلت إسرائيل في الجولان، فكان الأسرى الدروز يخرجون من سجون الاحتلال رافعين علم الثورة السورية لمعرفتهم بأن الظالم واحد وأن المستبد واحد وكان أبرزهم الأسير الدرزي وئام عماشة ابن الجولان السوري المحتل.

الموحدون الدروز

في العهد الفاطمي وصل إلى أرض مصر رجل قادم من بلاد فارس، من منطقة زوز، يدعى حمزة بن علي، محملا بثقافة رفيعة، في مناخ ازدهرت فيه العلوم وانفتحت فيه الثقافات على بعضها البعض بفعل الترجمة، وفي مصر التي وصل إليها حمزة كانت قد ظهرت شخصيات كبرى في تاريخ الموحدين ستترك آثارا هامة على الفكر فيما بعد، منها نشتكين الدرزي الذي لا يقرّ له الموحدون بالمعرفة بقدر ما قالوا إنه كان على خطأ. ولكنهم حملوا اسمه طويلا من بعده. ونشتكين هو أحد دعاة الحاكم بأمر الله وكان اسمه محمد بن إسماعيل، ولقّبه الحاكم بـ” سيف الإيمان، في بداية أمره، ولكنه فيما بعد لم يوافقه على آرائه.

ويروى أنه غضب منه، حتى العام 1018، حين حاصر الدرزي ورجاله مسجد ريدان. وكان في المسجد حمزة بن علي وأتباعه، فوقعت موقعة بين الفريقين، أفضت إلى انتصار حمزة، واعتبر أن أتباع نشتكين مرتدون، وقتل نشتكين.

وقد نشأت صلة وطيدة ما بين الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي وحمزة بن علي، فطلب إليه الذهاب من مصر إلى بلاد الشام ليكون على رأس الدعوة الفكرية الجديدة، التي بشّر بها الحاكم واستخلص أفكارها وقيمها من الإسماعيلية متعمقا في الفكر اليوناني العتيق.

الحاكم بأمره الله ودعاته

رحل حمزة إلى وادي التيم في لبنان، وباشر بنشر الدعوة، فأطلق عليه الحاكم لقب “السند الهادي” بعد تمهيده الأرض هناك. ويروي التاريخ التوحيدي كيف أن الحاكم خرج في ليلة من ليالي مصر في العام 1021 وحيدا، ثم اختفى. حينها أعلن الخليفة ابنه الظاهر لدين الله، ولكن حمزة بن علي لم يعترف به، ولم يقرّ بموت الحاكم، ولم يمنحه البيعة للإمامة، وقال إن الحاكم غاب وسيعود، وانشق ومن معه عن الدولة الفاطمية في بلاد الشام. ومنذ تلك اللحظة افترق الموحدون أتباع الحاكم بأمر الله عن الفكر الإسماعيلي وبدأ ينشأ فكر جديد في الشام.

حافظ الموحدون على فكرهم الجديد، ولكن وارث العرش الفاطمي، الظاهر لدين الله، كان قد قرّر التخلّص منهم، فقرروا حجب الدعوة والتكتّم عليها، وبدأ اضطهادهم في حلب وأنطاكية، واستمر التنكيل بهم على يد الفاطميين سنوات، حتى وفاة الظاهر لدين الله.

ميثاق ولي الزمان

وضع الموحدون هذا الميثاق الذي يتناقلونه، كي يكون عهدا على الإيمان بالأفكار والقيم التي توافقوا عليها، وقامت عليها دعوتهم، وهو مبني على البراء من كافة الأفكار المسبقة، كي يكون الإنسان وعاء جديدا نقيا قابلا للعقيدة الجديدة. ومن أهم ما في الميثاق فكرة تنقّله عبر الأجيال، فمن يأخذ على نفسه هذا العهد في زمن الكشف، إن جاء في جيل جديد، سيكون على عهده، على اعتبار أن الموحدين يؤمنون بالتقمّص وتناقل الروح عبر وعاء الجسد.

ومع الزمن تطوّر الفكر الموحّد، وتشكّل على أسس القيم والأخلاقيات، والفلسفات العميقة، ولكن جوهره قام على التوحيد بالله ، ومن أجل هذا التوحيد، استجلب الموحدون فكر أفلاطون وفيثاغوراس، ووضعت رسائل الحكمة التي تناقلتها الأجيال ولم تطبع يوماً في مطبعة، بل تم استنساخها باليد جيلا بعد جيل.

رسائل الحكمة

تعدّ رسائل الحكمة أبرز وثائق الدروز الموحدين، وهي شروحات لأفكار القرآن الكريم الذي يؤمنون به إيمانا مطلقا، ولكنهم يختلفون على تأويله، مع بقية المسلمين. وقد أصدر الأزهر فتوى تؤكد أن الدروز هم مسلمون لم يخرجوا عن الإسلام في جوهره، وهم يقولون عن أنفسهم هذا، ويؤمنون بالقرآن ويقرؤونه ويصلّون ويحتفلون بالأعياد الإسلامية، ولكنهم وضعوا للحياة الإيمانية حدودا خمسة تضبط الإنسان وتنظم فكره، وهي الممثلة بالنجمة ذات الألوان الخمسة: الأخضر، وهو العقل في إشارة إلى حمزة بن علي بن أحمد الزوزني، والأحمر هو النفس، وهو يشير إلى أبي إبراهيم بن محمد بن حامد التميمي، أما الأصفر فهو الكلمة، وترمز إلى أبي عبد الله محمد بن وهب القرشي، والأزرق، فهو السابق أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري، أما آخر الألوان فهو الأبيض وهو لون بهاء الدين أبي الحسن علي بن أحمد السموقي (الضيف). ولما انتشر الفكر الموحّد في الشام، أقبلت عليه قبائل عربية، ذات أرومة وأصول بدوية، منها التنوخيون، الذين حاربوا ضد الغزو الصليبي في جيش صلاح الدين الأيوبي، وحافظوا على العادات والتقاليد العربية الأصيلة، حتى اللحظة، وهم سبب الطابع القومي لهذا الفكر، الذي ينفتح على كل الثقافات والشعوب، ولكنه يصرّ على عروبته ويعتبرها عمودا أساسيا في وجوده لا يمكن التخلي عنه.

الموحدون على مر العصور

أخذ الموحدون فكرهم إلى الجبال، وانزووا وأغلقوا باب الدخول في العقيدة الجديدة، ليركّزوا هويتهم في تجمع يصونها ويمنع تلاشيها وذوبانها في المجتمعات الأخرى المحيطة بهم، وكان لعروبتهم العميقة دورٌ في استمرارهم بين بحر من القبائل العربية التي دخلت معهم في تحالف وعهود وصداقات ضمن التعايش على مدار مئات السنين. في العهد العثماني، لم تتمكن قبضة السلطان من طيّهم، مع أن الدولة العثمانية أخذت منهم رجالا تحولوا إلى ضباط كبار في الجيوش التركية.

وحاربوا في أصقاع الأرض، ولكنهم كانوا عصاة على التنميط، ورفضوا الانخراط في الشكل الذي أرادته لهم قرارات الولاة العثمانيين على بلاد الشام، وعاشوا مع المسلمين السنة من أهل حوران جنوب سوريا.

وفي لبنان وفلسطين، وكان لهم نفوذ كبير على شكل إمارة سمّيت بالإمارة المعنية، وعلى رأسها أحفاد معن بن زائدة الذين اعتنقوا الفكر الموحّد. وفي معركة مرج دابق كان لهم دور كبير في التصدي للمماليك، ووقف أميرهم فخر الدين المعني مع العثمانيين.

حرب العام 1860

كانت بلاد الشام حتى أواسط القرن التاسع عشر قد تحوّلت إلى مركز تجاري عالمي، بفضل تجارة الحرير (نفط ذلك الزمان) الذي كان يصنّع في دمشق وحلب والأرياف السورية واللبنانية، وقد ساعدت مصالح الدول الغربية على إذكاء نيران الفتنة ما بين الدروز والمسيحيين في ذلك الوقت، فانفجرت العلاقات فيما بينهم، وامتدّت تلك النار إلى دمشق. وطالب القناصل الغربيون وقتها بما يطالبون به اليوم” حماية الأقليات” وضغطوا على السلطنة العثمانية، للتدخل في الشؤون الداخلية. وقد رضخ السلطان لمطلبهم وأعاد خلق التركيبة السكانية فترحّلت مناطق ومذاهب، وأعيد تكوين العلاقات من جديد.

وفي العام 1911، أعدم الأتراك ذوقان الأطرش ومعه كبار رجالات الدروز الموحدين السوريين، فأعلن الموحدون التمرّد على الأتراك وانضموا إلى جيش الشريف حسين. وأسس سلطان الأطرش فرقة عسكرية كانت أول من دخل دمشق بعد هرب الحامية التركية منها، مع تقدّم الجيش العربي من الحجاز والأردن. لم يعترف الدروز بتقسيم سوريا، وما منحتهم إياه قوات الاحتلال الفرنسية من استقلال. وأصبح سلطان باشا الأطرش زعيما للثورة السورية التي ضمّت كل أطياف الشعب السوري حينها في العام 1925

وحارب إلى جانب عبدالرحمن الشهبندر وبقية قادة الرأي السوريين. وحين انتصرت الثورة بالاستقلال، ابتعد الأطرش، ولم يرغب بتصدّر القيادة والزعامة، وحافظ على مكانته القديرة بين السوريين.

الدروز بعد رحيل حماة الأقليات

مع رحيل الفرنسيين عن سوريا، ومع بدء عهد الانقلابات في سوريا، حافظ الجيش على احترامه للدروز قادة الثورة، وهم ساهموا في المجتمع وانخرطوا فيه.

وظهر منهم رجال ومفكرون في سوريا ولبنان كان لهم أثر كبير في النهضة العربية. وكان منهم أمير البيان، شكيب أرسلان، وعدد كبير من المثقفين والفنانين كفريد الأطرش وأسمهان، والزعيم كمال جنبلاط الذي كان له الدور الكبير في إقناع الدروز بأن مصيرهم مرتبط بمن حولهم من العرب.

وكان لتأسيسه حزبه التقدمي الاشتراكي الدور الكبير في تحديد الإطار القومي والفكري المدني الذي أراد للدروز أن يسيروا فيه على أسس المواطنة مع المحافظة على هويتهم.

ولكن العقيد أديب الشيشكلي الذي وصل إلى السطلة بانقلاب عسكري، حاول كسر شوكة الدروز في جبل العرب، وشن حملة عسكرية ضدّهم، لم تلبث أن هدأت بفضل حكمة كبار قادتهم، ولكنهم لم ينسوا للشيشكلي غدره بهم، فأرسلوا من يغتاله في أميركا اللاتينية بعد سنوات من تركه الحكم، ولم يتخذوا موقفا سلبيا من المؤسسة العسكرية فكان منهم كبار قادة الجيش السوري فيما بعد.

تمزق المنطقة وتمزق الدروز

قسمت الحدود الجديدة الدروز كما قسمت المنطقة، فتوزعوا على أربعة بلدان، هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، وعاش الدروز بجنسيات مختلفة، ولكن بهوية ثقافية واحدة، ولم ينسجموا مع المجتمع الإسرائيلي الذي أراد لدروز فلسطين أن يذوبوا في دولته، معتبرا أن النبي “شعيب” الذي يقدسونه وله مقام كبير في الجليل الفلسطيني، كان قد زوّج ابنته للنبي موسى نبي اليهود، فكان من بين الدروز من قاوم الإسرائيليين بالقوة والكلمة، ومنهم سميح القاسم الشاعر الفلسطيني الكبير. مع أن اسرائيل فرضت عليهم جيلا إثر جيل الخدمة العسكرية الإلزامية، ولكنهم حين احتلت جيوشها الجولان السوري، وأصرّت على ضمّه ومنح سكانه الهوية الإسرائيلية قاموا بإحراقها وتمسكوا بهويتهم السورية القديمة.

وفي لبنان، كان الدروز حجر الزاوية في الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975، وكان مشروع كمال جنبلاط العربي لا يناسب تطلعات اليمين المسيحي الذي دعّمه حافظ الأسد، ودخل إلى لبنان لحمايته.

وكان أول ما فعله في لبنان هو اغتيال جنبلاط نفسه، ولكن خط كمال جنبلاط استمرّ في البيت الجنبلاطي ذاته، ليكون عامل توازن أساسي في تكوين هويات لبنان والمنطقة.

الدروز والثورة السورية الثانية

لم يحتج المجتمع الموحّد الدرزي للثورة السورية، كي يقاوم الاستبداد طيلة حكم البعث، على الرغم من أن رجلا مثل شبلي العيّسمي الدرزي كان أحد مؤسسي حكم البعث في سوريا، ووصل إلى مناصب رفيعة في الدولة، ولكن شكل الحكم الذي عمّ سوريا، أراد إخضاع الدروز، إلى بنيته، عبر إغرائهم بمبدأ تحالف الأقليات، ولم يفلح في هذا بوجود تيارات فكرية معارضة استمر حَمَلَتُها من أبناء الموحدين باعتناقها. فكان منهم البعثيون والشيوعيون، والناصريون والقوميون السوريون، وامتلأت سجون حافظ الأسد بالدروز، وبدأ سياسة أخرى تجاههم، فكان إفقار المناطق الدرزية أول الاستراتيجيات التي دفعتهم إلى الهجرة إلى بلدان الاغتراب.

ومن بقي منهم في سوريا، اتجه إلى الثقافة والفنون، فكان منهم الكاتب غسان جباعي والإعلامي فيصل القاسم، والمفكر جاد الكريم الجباعي، والسياسي المعارض جبر الشوفي، والكاتبة والناشطة ريما فليحان، والمغني الملتزم سميح شقير، الذي بدأ في فترة أواخر السبعينات وما بعدها ليكون الصوت الوحيد الذي رفع كلمة اليسار والعمل المعارض وأنشد لثورات الأرض من السودان إلى كردستان إلى سجون حافظ الأسد ومعتقلاته. إلى جانب فيصل القاسم وجبر الشوفي وجاد الكريم الجباعي وفارس الشوفي وماهر شرف الدين ومنتهى الأطرش وغيرهم ممن وقفوا في الصفوف الأمامية في بداية اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد. وكان انتظار الدروز السوريين للثورة السورية التي انطلقت في ربيع العام 2011، طويلا، فمسارعتهم إلى مناصرتها كانت الإشارة على أصالة انتمائهم إلى الوطن السوري كلّه، دون التفكير في الفوارق الثقافية والمذهبية.

وكان تأييد وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان لثورة الشعب السوري ومطالبه بالحرية والكرامة، سببا في دعم تلك الثورة، وتعزيز وحدة المنطقة وطموحاتها إلى الحياة الجديدة. ويبقى فكر الدروز، فكرا ناصعا كبياض عمائمهم، التي يتشبهون بها بالجبال التي يسكنونها، فلبسوا السواد ورفعوا البياض على الرؤوس، احتراما للعقل.

شاهد أيضاً

واشنطن ترى بشار الأسد “وحشاً” لا مستقبل له

  قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن بشار الأسد «وحش»، مشدداً على أن لا …

اترك تعليقاً