‘العودة إلى حمص’ وثائقي سوري يصل إلى العالمية

_14178_filmgبتاة المستقبل – العرب: العودة إلى حمص” فيلم سوري تحصل مؤخرا على جائزة لجنة التحكيم الكبرى للأفلام الوثائقية الدولية، بالمسابقة الرسمية لمهرجان “صندانس” السينمائي في مدينة يوتاه الأميركية، متناولا الصور التي توالدت عن المظاهرات السلمية في أرض العجائب حمص ضمن المساحة الضيقة في شوارع الخالدية وحي البياضة.

صور قدّمها إلينا المخرج طلال ديركي والمنتج عروة نيربية في فيلم “العودة إلى حمص”. لتكشف لنا شخصيات ضمن مشهدية سينمائية يتناولها طلال ويُشغل في رسم تفاصيلها بدقة. شخصيات تعيش حياتين: صورتها عن حياتها، وحياتها الفعلية والخيارات غير الحرة.

عبدالباسط الساروت ابن حي البياضة، حارس المرمى الشاب الذي ترك كرة القدم والتحق بدرب الثورة، وأصبح في العام الأول من الثورة رمزا لسلميتها كقائد شجاع للمظاهرات وكمغن لهج السوريون جميعا بأغانيه في مظاهراتهم، حتى لحظة فقدانه الأمل من النضال السلمي واختياره حمل السلاح دفاعا عن المدينة، وأسامة الحمصي ابن حي الخالدية المجاور، الناشط الإعلامي السلمي الشاب، الناقد اللاذع والساخر باستمرار من كل شيء، إذ يبحث عن رأيه ومساحته، ويبحث عن العدسة وما يمكن لها أن تفعل، أسامة الذي لم يقبل أيّ شيء كما هو، وحافظ على أسئلته برغم كل شيء، وصولا إلى لحظة اعتقاله من قبل أمن النظام السوري.

تحليل وتفكيك

هم أناس عاديون لا خيار آخر لديهم، وقد انخرطوا في الثورة السورية رغبة في تحرير بلدهم من القمع والقهر، منذ أن بحث كل منهم عن صوته وعن دوره وعن فكره، وصولا إلى اللحظة التي أكرهتهم فيها الظروف المحيطة، ببشاعتها الاستثنائية، على خيارات قاسية.

فالرحلة الغريبة التي يقوم بها الراوي اللامرئي مع الساروت طوال مدة الفيلم “تسعين دقيقة” في التفاصيل والهوامش معا، والتي تنهض من بين مساحات مهجورة ومتعبة من حصار دخل عامه الثالث، بعيدا من أي مراهقة أسلوبيّة، أو ادعاء تجريبي، أو نوستالجيا مفتعلة. لتكون حكاية الساروت ورصد تحوله من السلمية إلى الكفاح المسلح، وتفاصيل التحركات الصغيرة لبطل الفيلم ورفاقه. والموت المرافق في أي مكان. حيث لا حظر على مناطق من دون أخرى، ببراعة سينمائية آسرة في تقديم الحكايات وتحليلها وتفكيكها.

ترشح من بنية دراميّة قائمة بذاتها، بعيدا عن أي إقحام أو إسقاط أو ذهنيّة. ومروية بشكل بصري محترف تقنيا وفنيا في سرد الكاميرا، إذ أننا نرى كل شيء بعيني الراوي في لقطات مفردة، تتضمن حركة كاميرا متواصلة حيث الحركات الاستعراضية (البان) الدائرية والحركات المصاحبة، أو تلك التي تقترب وتبتعد أو تتوقف لفترة قصيرة أو طويلة نسبيا، أو تلك التي تحوم وترقص وتمرّ وتحاذي وتتراجع وتتقدم. عبر الكاميرا المحمولة /الكاميرا الذاتية، كيف لها أن تروي الحكاية ومن أي زاوية، واهتزازاتها التي تضفي أيضا ملمحا تسجيليا على الفيلم، فهناك غواية في المواصلة والاسترسال في توضيح ما نشاهده وننشئ علاقة معه تتجاوز القصة أو مساحة المتعة التي يتيحها، هناك سحر الأداء ولمعان الحضور التمثيلي لعبدالباسط. حيث ينجح بتعاونه وطهرانيّته في احتلال حيّز أكبر من الفيلم، داخل كادرات ضيقة، وتتسع دائرة الفيلم، المنسوج بدأب ومهارة، لتشمل المحيط. لعبة التقنيات في تقديم الصُوَر والقصص نقلت مشاهد تحتفي بالتفاصيل وتكرس “فن البقاء” المرسوم بـ”فن السينما”.

تأمين ثوري

الخصوصية المدهشة التي ينجزها ديركي في فيلمه تتمثّل في أنه يعبث بالمعادلة المعتادة، على نحو يجعل وجود الـ”نحن” باطلا ومفرغا من شحنته الجمعية التبادلية ليصنع إيقاعا مختلفا بحضور الموت.

صانع الفيلم عروة نيربية وفي حديث لجريدة “العرب” عن البداية يقول: “بدأ العمل بمشروع “بلدي” الذي أطلقناه بعد انطلاق الثورة بـ4 أشهر، والذي كان يهدف إلى المساهمة في الخروج معا كسينمائيين من الاستعصاء النفسي ومن إغلاق المؤسسة الحكومية لقليل الفرص التي كانت تحتكرها تقريبا، لأسبابها الأمنية المعهودة. وهنا أذكر كيف أن طلال قال لي، وأنا ابن حمص، إنه يريد أن يقترح فيلما عن حمص، فقلت له: لا تعرفها! حاول أن تقترح فيلما عن مكان تعرفه أكثر! لكن إصراره جعله يذهب إلى حمص ويعود بدقائق عرفنا من خلالها عبدالباسط للمرة الأولى”.

ويضيف: “كانت المراهنة والإيمان قائمين على إصرار طلال وعيني عبدالباسط، وكانت أيام السلمية الجميلة، ولم نكن لنتوقع ما حدث بعد ذلك، وهو ما صنع الفيلم”.

ويختم نيربية: “أذكر كيف سألني منتج شاب أوروبي: ماذا فعلتم من أجل التأمين على الفريق والفيلم؟ فأجبته: ابتكرنا تأمينا ثوريا، كان يقول أحدنا للآخر: إذا متّ، سيكون عليك أن تعتني بعائلتي. في النهاية حالما نحصي عدد أمواتنا، ويتحول الخدر إلى غضب وأسى سنجد أن حياتنا هنا ستكون صعبة. لقد أوقظنا بوحشية من حلم جميل، ولن تستعيد المدينة عافية وفرح يوم الأربعاء إلا بعد مرور وقت طويل”.‏‏‏‏

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً