كلمة للمتحاورين في جنيف

55

م. وليد الزعبي- بناة المستقبل:

لعل أفضل ما يمكن أن يقال للمتحاورين الذين يجتمعون اليوم في جنيف، والسوريون يتفاوضون خصمين، تناسى بعضهم، ما يجمعهم من روابط الوطن، وذاكرة الحياة والمعاناة المشتركة، وتجاهل آخرون ما كانوا هم أنفسهم يشكون منهم، من مظاهر الفساد التي تراكمت، حتى تسببت باشتعال نار الثورة، فكان الثمن الفادح الذي نريد أن نجد منه مخرجاً، وقد قبلنا أن يكون الحوار السياسي مفتاحاً للحلول عبر دعوتنا الصادقة إلى التفكير في الغد.

إننا نرجو أن يتذكر كل السوريين أن مستقبلهم واحد، وهم على رغم كل المعاناة والظروف أبناء سوريا الجريحة، التي نتلمّس أن نجد لها حلولاً، لنلتقي في سويسرا، وكان مريعاً أن نجد بعض أشقائنا السوريين، يقفون مع الظلم، ويدافعون عن الطغيان، ويفتعلون المبررات، لمنح المجرم شرعية لجريمتهم، ولعلنا ندرك أن بعض هؤلاء، يعانون في دواخلهم كثيراً من الحرج الداخلي، ومن الحيرة القاتلة، فهم يدركون أنهم قد اتخذوا الموقف الخاطئ ويعلمون أن الحق مع الشعب، بعضهم يدفعه الخوف، وآخرون يدفعهم تورطهم في ما زجّهم به القاتل، ولكنني أحسب أن أحدهم حين يخلوا إلى ذاته، وينظر في مرآة نفسه، يدرك أن الموقف الصائب، هو الانحياز للشعب وللوطن وللمستقبل.

ولعلّي أخاطب لحظة الصفاء هذه، إن وجدتها عند بعض من عرفتهم عن قرب، وكنت أتفاءل أن يكونوا دعاة إصلاح، بدلاً أن يحيدوا عن الحق، وأخاطب فيهم، ما أتفاءل به، من إضاءة داخلية لمعاني القيم والمبادئ الإنسانية، في أن يتحولوا إلى باحثين عن حلول، بدل أن يكونوا مدافعين عن تكريس الظلم واستمرار الطغيان.

لم نكن بالأمس أعداءً، ولكن الاصطفاف المفاجئ إلى جانب الجريمة، من قبل من كنّا نعتبرهم الأهل والأصدقاء، يجعلنا نعجب كيف نسي كثيرون أننا ولدنا على تراب سوريا معاً، وشربنا من الماء ذاته، وتظللنا بأفياء أشجار الوطن، وتغنّينا بثقافة واحدة، لا تفرّق بين مواطن وآخر، بل هي تنفتح إلى كل العرب، حتى تصل إلى فضاء الإنسانية المطلق، ويبدو من المفارقات أن تجد على ضفتي المفاوضات، أهلاً وأقارب وأصدقاء ومعارف ، فقدوا جميعاً من أسرهم  رجالاً ونساء وأطفالاً هم الأغلون على الوطن، ومن منّا سلم من تلك الجراح العميقة؟

فقد فجع السوريون جميعاً، وكان القاتل لمن خسرنا على الضفتين هو ذاك المستبد، الذي أعلن استعداده لتدمير البلد من أجل أن يبقى إلى الأبد، والمؤسف ما آل إليه إحساس السوريين، الذين تفاءلوا بموقف عادل من المجتمع الدولي، ولكنهم بعد أن رأوا تباطؤاً وتردداً من كثير من القادة المعنيين، في حلبة الصراع، باتوا يحمّلون المجتمع الدولي مسؤولية ما غرقوا فيه من دماء.

وآن لنا أن ندرك جميعاً، خطر تحوّل المطالب الإنسانية والوطنية، التي لا يجادلنا أحدٌ في مشروعيتها، إلى ساحة لصراع المصالح الدولية، وأن نغرق جميعاً في التفاصيل، وأن تأخذنا الكراهية إلى حدّ نسيان ما كان يجمعنا جميعاً وهو حب الوطن والولاء للوطن وحده.

لابدّ أن السوريين جميعاً يذكرون، أنهم ناقشوا طويلاً ظواهر الفساد في سوريا، مسؤولين ومواطنين، وتوافقوا على أهمية التغيير، لكن الذين يخافون من الإصلاح سارعوا إلى إغراق البلاد بطوفان الدم خوفاً على مصالحهم، أتساءل أمام من يدافعون عن الجريمة، أما تحرّكت ضمائركم وأنتم ترون عشرات الآلاف من الصور التي تسربت مؤخراً من قلب أجهزة المخابرات والمعتقلات؟ جرائم ضد الانسانية، يهتز لها ضمير العالم، وقد آن أن ينحاز الجميع إلى الإنسانية، وإلى مستقبل سوريا، الذي نأمل ان يجد الجميع فيه فسحة الحرية والكرامة.

ليست لدي أوهام كبيرة عن نتائج مؤتمر جنيف، لكنني سأبقى مصرّاً على أن الحل السياسي الذي دعونا إليه من أول يوم، بديلاً عن الحل العسكري هو طريق الخلاص.

شاهد أيضاً

برهان غليون: عقدة الأسد

  برهان غليون: العربي الجديد ذكرت لي إحدى المشاركات في فيلم وثائقي فرنسي عن اغتصاب …

اترك تعليقاً