انسحاب النكسة الـ… كَيفِي

نجمنجم الدين سمان- بناة المستقبل:

أول ما أدركته.. أني دهنت شبابيك بيتنا باللون الازرق في نكسة حزيران \ يونيو 1967؛ حتى لا ترى الطائرات الاسرائيلية لمبتنا الصفراء الشاحبة فتقصفها و.. تقصفنا؛ ثم جاء ابن عمتي وقد فقد نصف وزنه منذ جاء أمر وزير الدفاع حافظ الاسد بالانسحاب الكيفي وترك كل المدافع في كتيبته على أرض الجولان بما في ذلك سلاحه الفرديَ؛ و في الأمر الأسدي.. أيضاً: ان يستبدل ثيابه العسكرية بغيرها في أسرع وقت؛ حتى لا يقع أسيراً عسكرياً في يد الاعداء الصهاينة؛ تاهَ ابنُ عمتي طويلاً في شعاب الجولان؛ حتى اعاره راعي أغنام كلابيةً ودلّه على الطريق؛ خلال التيه.. أكل من أعشاب الارض حتى أصيب باسهالٍ شديد؛ وقد دقّ بابنا بعد اسبوعٍ وفتحت الباب وهو بجلابيّة الراعي وبذقنٍ خشنة فلم أعرفه؛ قلتُ: مين بدّك يا عمّو ؛ فأُجهش بالبكاء وخرج والدي فعرفه وأدخله.

لُمتُ نفسي لأني لم أعرفه واعتذرت له حين خرج من الحمّام وقد لبس احدى بيجامات أبي وضحك اخي عامر لأن بنطال البيجاما كان قصيراً عليه؛ حتى لكأنّه شورت فوج الكشّافة القريب من بيتنا؛ قال اين عمتي: تركنا المدافع مع طلقاتها؛ لم نُطلِق قذيفة واحدة؛ هزمونا بسرب طائرات وبست ساعات فقط؛ ثم هزمنا وزير دفاعنا حين قال للجيش: انسحبوا؛ بقيت أحوم حول الكتيبة 3 أيام بعد أن غادرها كل الضباط وصف الضباط والجنود في انسحاب كمّيٍ و كيفيٍ معاً؛ كانت جباتا الزيت أقرب قرية لكتيبتنا على مسافة ساعة ونصف بسيارة الزيل العسكرية؛ لقّمتُ أحدَ المدافع وحدي؛ قلت لنفسي؛ لو أن جندياً اسرائيلياً واحداً جاء من ناحية جباتا الزيت.. فسأقصفه؛ طوال ثلاثة أيام وانا أُحدّق في خط الأفق ولا أحد يأتي؛ نمت واستيقظت وبكيت.. كيف انهزمنا هكذا كيفياً؛ لو اننا قاتلنا ثم انهزمنا لكان في ذلك بعض العزاء. قالها ابن عمتي وهو يجهش بالبكاء من جديد؛ وانا كنت في الثامنة من عمري وقتها؛ ولم اكُن قد رأيت رجلاً يبكي؛ فخرجت الى باحة الدار وأنا أشعر بالاختناق.. العار الذي كان يبكي ابن عمتي جعلني أختنق.. وفي عتمة ارض الدار أبكي.. بصمتٍ ذليل.

 

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً