المقاومة، كذبة الأسد الكبرى

1376637_10151959972936796_66557458_n

ميساء آق بيق- بناة المستقبل:

لطالما استخدم نظام الأسد الأب والابن ورقة مفاوضات السلام مع إسرائيل للمقامرة في مجريات الأحداث في المنطقة.. كان حافظ الأسد يعلم جيدا أن اتفاق سلام نهائي مع تل أبيب سيجعله يفقد أهم مفردات قاموس نظامه وحزبه الحاكم وهي مفردات الصمود والمقاومة وما يطلقون عليه المبادئ الثابتة في استعادة الأرض المحتلة وإعادة حقوق الفلسطينيين..

الواقع أن كثيرا من السوريين الذين عايشوا المصائب التي مرت بالبلاد منذ استولى حافظ الأسد على الحكم عام 1971 بعملية خادعة أطلق عليها “حركة تصحيحية”، كانوا يعترفون بأن سياسات نظامه الداخلية سيئة جدا لكنهم كانوا يبدون إعجابهم بسياساته الخارجية المتمثلة برأيهم في العناد الصلب تجاه المغريات الإسرئيلية للاستسلام.. وعليه فإن الدعامة الرئيسية التي كان يستند إليها نظام الأسد تمثلت في مسرحيات اللاءات المستمرة في وجه التواصل مع إسرائيل.. فكانت لغة الأسد في لقاءاته الدبلوماسية الغربية تؤكد على خيار السلام الاستراتيجي في حين تختلف اللغة في مخاطبة السوريين والعرب بالتمسك بخيار المقاومة.. كل هذا في ظل حقيقة لا يستطيع أحد نكرانها وهي أن جبهة الجولان بقيت الأهدأ على مدى 40 عاما تقريبا..

كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون نجحت في إحياء المفاوضات السورية الإسرائيلية قبل وفاة حافظ الأسد بفترة بسيطة، فانطلقت جولة جديدة في منتجع “شيبردز تاون” في ولاية فرجينيا، عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك.. يقول الجانبان الأمريكي والإسرائيلي عن فشل المفاوضات إن كلينتون اجتمع بالأسد في مارس/آذار في جنيف وهو يحمل عرضا من ايهود باراك يتضمن الانسحاب من 99 في المئة من هضبة الجولان وتعويض سورية عن الأراضي التي ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وإن حافظ الأسد رفض استرجاع كامل هضبة الجولان بسبب ما عرضته تل أبيب عن إبقاء شريط بعرض 500 متر بمحاذاة نهر الأردن وشريط آخر بعرض 80 ياردة (نحو 73 مترا) على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا، بل إنه رفض حتى النظر في الخرائط التي حملها معه كلينتون.. أما رواية بعض المقربين من النظام فقالت إنه تم تشكيل لجان لمناقشة جوانب الانسحاب في “شيبردز تاون”، وعندما حان موعد انعقاد لجنة المياه حضر الجانب السوري وتخلف الجانب الإسرائيلي. وقد تمسك المحسوبون على النظام طويلا بهذه الرواية رغم أنها تعني موافقته على جميع بنود الاتفاقية المقترحة وتضع إسرائيل في موقف الرافض لخيار السلام.. تقول الرواية الأمريكية أيضا إن باراك كان يريد أن تشمل اتفاقية السلام الجانبين السوري واللبناني، فهو كان يعلم مدى سيطرة حافظ الأسد على القرار اللبناني ويعتقد أنه بهذه الخطوة يمكن لإسرائيل أن تقفل هذا الملف إلى الأبد.. والواقع أن فشل المفاوضات جاء في صالح الطرفين، فالإسرائيليون الذين أعلنوا ضم هضبة الجولان رسميا عام 1981 لم يكونوا على استعداد لإعادتها، وهم طالما كرروا عزمهم على عدم تكرار اتفاقية كامب ديفيد التي أعادت صحراء سيناء إلى مصر، أما حافظ الأسد الذي كان على شفا الموت فقد كان يرتب سيناريو تسليم السلطة لابنه بشار..Untitled

هذا الأخير بعدما ارتكب أخطاء جسيمة كلفته خروجا مهينا من لبنان وخضوعه لتهديد دائم بمحكمة دولية قد تحمله المسؤولية عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، باشر بمغازلة الإسرائيليين على الفور وطرح خيار السلام، وعبر عن هذا خلال لقاءات جمعته بالسيناتور جون كيري الذي أصبح الآن وزيرا للخارجية والذي صرح أكثر من مرة أن بشار الأسد صديقه.. ففي عام 2008 تسربت أخبار من جهات إعلامية إسرائيلية عن اجتماع السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى مع المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية ألون ليئيل الذي أصبح رئيس “الحركة الإسرائيلية لدعم السلام مع سوريا” عبر فيه عن استعداد سوريا للمباشرة فورا في مفاوضات سلام، فما كان من بشار الجعفري سفير الأسد في الأمم المتحدة إلا وسارع بنفي هذه الأنباء.. وكان من ضمن ما جاء في الخبر أن ليئيل قاد كذلك مفاوضات مع سوريين مبعوثين من الحكومة السورية لكنهم لا يحملون صفة رسمية.. في شهر آب/أغسطس عام 2011 أجريت مقابلة تلفزيونية لصالح قناة العربية مع سمير التقي الذي كان يعمل في مركز دراسات استراتيجية تابع لوزارة الخارجية السورية ثم أعلن انشقاقه وسافر إلى دولة الإمارات، علمت أنه كان سابقا ضمن وفد غير رسمي إلى واشنطن للتفاوض حول الشروع في عملية السلام، لكنه رفض قبل تصوير المقابلة التطرق إلى هذا الجزء قائلا إن أهله لا يزالون في الداخل، ولا يزال هذا الموضوع حتى الآن طي الكتمان من الأطراف التي شاركت في المفاوضات حينها.. وعندما كانت العلاقات مع تركيا في قمة انتعاشها طلب بشار الأسد أكثر من مرة من حليفه رجب طيب أردوغان أن يكون وسيطا في محادثات سلام مع إسرائيل واستمر بالتصريح في مقابلاته وخطاباته بأن السلام هو خياره الاستراتيجي..

لم تكن جميع هذه الخطوات سوى ورق مساومة وإلهاء عن قصص أهم وأكبر يرتكبها نظامه باستمرار في سوريا ولبنان، وأغلب الظن أن إسرائيل كانت تعرف ذلك جيدا وتتعامل معه بسعادة ورضى طالما أن الكلام الاستهلاكي لا يرتب التزامات ووعودا وتنازلات، تماما كما كان الأسد يعرف أن اتخاذه خطوة إضافية لتحقيق السلام سيجعله كاذبا في نظر مؤيديه إذ أنه بالضروة كان سيلتزم بالتخلي عن دعم حزب الله اللبناني الذي يقوم وجوده كذلك على نظريات المؤامرة والمقاومة والممانعة ويسيطر من خلالها على مقدرات لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية..

بعد اندلاع الثورة السورية بقليل قام جيش الأسد بمحاصرة مدينة درعا من عدة جهات وقصفها بالمدفعية والدبابات وكان لا بد من العودة إلى تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقدت على أساسه الهدنة عام 1974 والتي انتشرت بناء عليها قوات أممية لمراقبة حفظ السلام على حدود الجولان.. الاتفاقية نصت على منطقة بعمق عشرات الكيلومترات منزوعة السلاح، ولو افترضنا أن آليات الأسد العسكرية لم تخترق خط الهدنة لكنها بالتأكيد اقتربت منه لدرجة تضع أي دولة مجاورة معادية في حال تأهب، لكن ذلك لم يحدث، بل إن إسرائيل لم تتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن ضد الجيش السوري لاختراقه خط الهدنة إلا بعد عامين وبالتحديد في يونيو/حزيران عام 2013

إلى جانب ذلك لا يزال تصريح رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري وحليفه المالي لصحيفة نيويورك تايمز أول الثورة بأن أمن إسرائيل هو في استمرار وبقاء نظام الأسد حياً في أذهان السوريين المعارضين.

من حق أي شخص عاش أربعين عاما من المسرحيات المتواصلة والوعود بالصمود في وجه ما سمي المؤامرات الامبريالية والاستعمارية المغرضة أن يتساءل عن الأسباب التي تجعل المسؤولين الإسرائيليين لا يحركون ساكنا بينما قوات إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله يسرحون ويمرحون على الأراضي السورية المجاورة لإسرائيل التي دائما كانت تصور الجهتين كألد الأعداء الذين يريدون إنهاء وجودها، بل إن تل أبيب كانت دائما تشترط قبل الشروع في مفاوضات سلام مع سوريا تخلي الأسد عن دعم حزب الله وعن حلفه الاستراتيجي مع إيران..

كذلك من حق أي شخص أن يراجع الوضع جيدا فيما يتعلق بالسلاح الكيماوي السوري، فإذا كان نظام الأسد وافق بسرعة غريبة ومن دون مفاوضات معلنة أو مساومات قبل تسليمه والتخلص منه، وأعلن المسؤولون الإسرائيليون بناء على ذلك عن رضاهم وارتياحهم لهذه الخطوة، إذن ما قصة قصف الطائرات الإسرائيلية لموقع الكبر النووي؟ وهل يمكن أن يكون قصفه وما تبعه كالعادة من صمت سوري وتوعد كلامي بالرد في المكان والزمان المناسبين، وهو الرد الذي لم يحدث أبدا، هل يمكن أن يكون كذلك ضمن صفقة سرية تحفظ للأسد بعض المكتسبات الخاصة مقابل صمته عن قصف الموقع؟ أما عن مزاعمه بحماية الفلسطينيين فقد كذبها الأسد بنفسه بقيام قواته بحصار مخيم اليرموك الفلسطيني حصارا قاسيا ومؤلما عانى فيه السكان الأمرين..

إسرائيل التزمت صمتا مريبا حيال ما يحدث في جوارها، رغم أن مسؤوليها لم يتوقفوا قبل انطلاق الثورة السورية أبدا عن التصريحات الدائمة بعداوة نظام الأسد وخطورته عليهم والتحذير من توابع دعمه لحزب الله وعن خطورة المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة.. كل هذا توقف بعد انتفاضة الشعب السوري ضد نظام القمع والديكتاتورية، ولو أن هذا النظام شكل في يوم من الأيام أي خطورة على وجود إسرائيل لساهمت وإن بشكل غير مباشر في إسقاطه، غير أن مواقفها وصمتها بل وما تتناقله التسريبات عن دعم اللوبي الإسرائيلي في أمريكا لبقاء الأسد، هي دليل مباشر على أن قناع المقاومة الذي ارتداه الأسد الأب ومن ثم الابن هو قناع زائف كاذب سقط بانتهاء الحفل التنكري الذي شاركت فيه أكثر حكومات العالم..

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً