الجولة الأولى لـ “جنيف ـ2” والواقع الميداني

فايز سارةفايز سارة – المستقبل : المراوحة في المكان، هي الخلاصة التي خلص اليها اغلب متابعي مؤتمر جنيف2 وجلسات تفاوض وفدي المعارضة والنظام

السوريين. وتمثل الخلاصة في احد تعبيراتها حالة صادمة في مواجهة ما ظهر من زخم رافق تحضيرات، وحفل افتتاح المؤتمر، وقد حملا مؤشرات، تؤكد ان تغييرات ما في مواقف طرفي الصراع في سوريا سوف تحدث، حتى لو كانت تلك التغييرات طفيفة.
الاساس في المراهنة، لم يكن على تحولات سياسية كبرى. فهذه ان حصلت سوف تحتاج الى وقت وجهد كبيرين، كما انها سوف تحتاج الى بيئة مختلفة عما هي بيئة الصراع الراهن في سوريا بجوانبها الداخلية والخارجية الاقليمية والدولية، وهي بيئة يمكن ان تتغير ببطء شديد بسبب عوامل متداخلة ومعقدة، ابرزها ان الفاعلين الرئيسيين الداخليين في الصراع السوري محدودو القوة، ولان الداعمين الخارجيين ليسوا في وارد القيام بخطوات حاسمة او انهم لايستطيعون الذهاب الى ذلك.
وسط الحالة المركبة للموضوع السياسي المطروح على جنيف2، والصعوبات المحيطة به، صار من الصعب تحقيق خرق قوي فيه، مما جعل الموضوع الانساني في القضية السورية، يفرض نفسه على طاولة المفاوضات بين النظام والمعارضة، رغم ان الموضوع الانساني، كان ينبغي ان يكون خارج جنيف2 اصلاً، بل هو خارج التفاوض، لانه موضوع يفترض حله ومعالجته خارج المساومات والتنازلات، فليس من حق احد ان يساوم على حق بشر آخرين في الحياة او في الامان او في الحصول على غذاء او دواء، وكان من المفترض ان يقوم النظام برفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بدخول الادوية والمواد الغذائية ونقل الجرحى والمصابين دون قيود، وكذلك اطلاق المعتقلين وخاصة النساء والاطفال والمرضى، وهي اجراءات، كانت نقاشات دولية واممية كثيرة، جرت حولها في الفترة التي سبقت انعقاد جنيف2، واعتبر بعضهم قيام النظام بها من باب تأكيد حسن النوايا، وهو ما لم يفعله النظام.
لقد فتحت صعوبات بحث الموضوع السياسي باب طرح الموضوع الانساني برغبة طرفي التفاوض، وان يكن لاهداف متناقضة. فوفد المعارضة راغب في رفع المعاناة عن سكان المناطق المحاصرة في ريف دمشق وحمص وغيرهما من خلال رفع الحصار ووقف القتل وتوفير الغذاء والدواء ومياه الشرب واطلاق المعتقلين، وهذا سوف يكسب المعارضة مصداقية تحقيق انجاز مباشر، ويدعمها في التفاوض على الموضوع السياسي الذي سيكون صعباً وطويل المدة، اما وفد النظام فيهمه طرح الموضوع الانساني هروباً من طرح استحقاقات الملف السياسي ولدى النظام تحفظات كثيرة وشديدة على محتويات الاخير، اضافة الى ان النظام في طرحه للموضوع الانساني تتوفر له فرصة كسب الوقت وممارسة سياسة تيئيس واحباط للمعارضة باغراقها في تفاصيل لا نهاية لها، من مثال ان وفد النظام طلب اسماء المعتقلين الذين طالب وفد المعارضة باطلاق سراحهم واين اعتقلوا ومتى؟. ونتيجة تباين اهداف وفدي المفاوضات حول الموضوع الانساني ومحتوياته، فقد فشل الجانبان في التوصل الى اتفاقات في هذا الجانب.
ان عدم التوصل الى نتائج ملموسة لمحادثات الجولة الاولى في جنيف2، من شأنها التخفيف من الاثر الايجابي الذي احاط بحضور واطروحات المعارضة في جنيف2، ومما يزيد الامر سوءاً، ترافق تلك النتائج مع تصعيد النظام لهجماته بما فيه هجمات البراميل المتفجرة على العديد من المناطق الآهلة بالسكان كما في حلب وداريا في غرب دمشق اضافة الى استمرار الحصار ومنع دخول الاغاثة والامتناع عن اطلاق المعتقلين، وكلها تساهم في استمرار تردي الوضع الميداني لجهة تواصل عنف النظام ودمويته، واستمرار هجماته على المناطق المدنية وعلى تشكيلات الجيش الحر، ومحاولة اعادة احكام قبضته على مناطق كانت قد خرجت من تحت سيطرته على نحو ما يحصل في حلب حالياً.
ومما لاشك فيه، ان التطورات السابقة ستزيد من سلبيات وتدهور الوضع الميداني رغم انعقاد جنيف2 وبدء مفاوضات بين النظام المعارضة بغية العمل على حل سياسي للقضية السورية، ولعل الابرز في هذا المجال سيكون مزيدا من الاحباط في اوساط التشكيلات المسلحة للمعارضة، التي بالكاد وافقت او سكتت عن الذهاب الى جنيف2 على امل انه سيكون بداية لمرحلة افضل اساسها تخفيف فواتير الدم والدمار على السوريين والحد من المعاناة الناجمة عن استمرار حرب وحصار النظام على السوريين.
ويطرح واقع المفاوضات في نتائجها وآثارها على الواقع الميداني ضرورة تحرك جدي للمعارضة يسبق الجولة التالية من المفاوضات، ويشمل الضغط الفاعل على القوى الراعية والمنظمة لمؤتمر جنيف2 من الامم المتحدة الى الولايات المتحدة وروسيا، لتحقيق امرين اثنين، اولهما اجبار النظام على تأكيد علني وصريح لمرجعية جنيف واحد كأساس لجنيف2، واعلان التزامه قرار مجلس الامن الدولي 2118 الخاص بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، والامر الثاني الضغط على النظام للسير باجراءات عملية في الموضوع الانساني، اذا لا يجوز ان تستمر مباحثات تسوية سياسية مع نظام يمارس سياسة تجويع ومنع دواء وماء عن مدنيين يخضعون لحصار بعضه متواصل منذ قرابة العامين، كما لا يجوز استمرار التفاوض مع نظام يعتقل بصورة كيفية ودون أي دواع مئات الآف السوريين وبينهم كثير من نساء واطفال ومرضى

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً