مؤتمرات جنيف ومصير سوريا

_21عمار ديوب- العرب: لن تختلف حالة سوريا قبل جنيف عن حالتها قبل بدء جنيف3، حيث الدمار والموت بمختلف صنوف الأسلحة، وحيث الحرب على أشدّها في كافة المحافظات، وإذ تخفّف الهُدن المنعقدة في دمشق وريفها بين النظام والشعب من الحرب، فإنّ أوارها يشتد في بقية المناطق.

كما كان الشعب يعاني سيظل يعاني، فهناك فقر وجوع وبطالة وارتفاع في أسعار مختلف المواد، وخوف من الموت أو الاعتقال، أو لأيّ سبب أخر، وهناك شعور بالتشدد الديني تلمسه في مضمر الأحاديث ومعلنها. ويشعر المرء أنه أصبح بين كماشة مفتوحة الشدق، حيث همجية النظام، وبؤس الواقع الجديد وفقدان معالم الأفق بغدٍ أفضل.

هناك آمال عظيمة كانت منعقدة على جنيف، ولكنها تراجعت، وبرز رأيان: فهناك من يعتقد أن جنيف سيكون على صورة ما انعقد وسينعقد، لن يحقق أي شيء على الإطلاق، فلا النظام بوارد ذلك وحلفه لن يضغط عليه، ولا المعارضة قادرة على الحسم، سيما وأنها تخوض معركتين معاً: معركة ضد داعش ومن يأخذ جانب الحياد في الحرب ضدها، ومعركة ضد قوات النظام وحلفائه الطائفيين من إيران والعراق ولبنان وغيرهم. وتكمن وجاهة الرأي الآخر في إظهاره للدور الأميركي والروسي في عقد المؤتمر، وفي إجبار وفدي المعارضة على البقاء في جنيف طيلة زمن انعقاده المعروفة مسبقاً، وفي التزامهم العودة إلى اللقاءات في 10 فبراير، وبالتالي هناك ثقل دولي، وبهذا السياق أُشير إلى أن هناك مفاوضات موازية كانت ملازمة لما كان يعلن عبر الإعلام، ومهمتها تخطي العقبات وإنهاء الملفات العالقة، والوصول إلى اتفاق نهائي لكافة المسائل بما فيها مسألة الحكومة الكاملة الصلاحيات والمرحلة الانتقالية وكيفية تشكلها وحدوثها، وربما من هنا علينا قراءة زيارة الجربا إلى روسيا بعد نهاية المؤتمر.

إذن هناك رأيان: رأي يبالغ في التشاؤم ولا يرى كامل الصورة، ورأي يحاول الواقعية وقراءة الحدث بتفاصيله، ويُرجّح حدوث جنيف والوصول إلى اتفاق سياسي بين الطرفين أو فرضه لاحقاً، وهذا قد يتم في حال فشلت المفاوضات، حيث سيعاد ملف سوريا إلى مجلس الأمن الدولي وحينها سيتخذ قرارٌ دولي ضد النظام السوري وملزم للطرفين وربما يكون بقوات دولية.

من يفكر بجنيف من خلال موقف النظام طيلة ثلاثة أعوام من عمر الثورة، وموقف المعارضة الممثلة في جنيف، ومن خلال موقف الدول العظمى إزاء الثورة والسوريين، سيقول؛ جنيف سيفشل لا محالة، وسيعاد التجديد للنظام كما هو، وربما يقدم نفسه كمقاتل وكيل في الحرب ضد الإرهاب عن أميركا وأوروبا، وطبعاً عن روسيا كأمر مفروغ منه؛ هذا رأي لا يتعامل مع المتغيرات، ويركن للثوابت الأيديولوجية أكثر مما يلمس الجديد. الجديد كما نعتقد، أن النظام- ومهما ضعفت المعارضة بسبب قتالها على جبهتين، جبهة داعش وجبهة النظام- لن يستطيع استعادة مناطق أخذتها الثورة، وفي حال استعاد بعضها، لن يعود الأهالي إليها، وحتى مناطق الهدنة هي شبه خالية لأنها مدمرة، وأهلها لا يثقفون بوعود النظام، عدا أن مناطق الهدنة هي مناطق تحت سيطرة الجيش الحر، ولكن دون قتال كذلك. وبالتالي هناك واقع يقول النظام غير قادر على الاستمرار، واستمراريته متعلقة حصرياً بقوة المجموعات الطائفية المستقدمة وحلفه الإقليمي والدولي. ولكن رغم ذلك فإنّ المشكلة تعقدت كثيراً، فروسيا لا تجد أجوبة لمصالحها: ماذا ربحنا من النظام بعد كل هذا الدعم؟

ويأتي الجواب لا شيء إن ظلت الحرب، إذن لابد من حل. والحل غير ممكن دون رحيل النظام أو الاتفاق مع المعارضة عبر جنيف والبدء برحيل النظام، وهكذا. وهناك مشكلة إقليمية فاللاجئون أصبحوا مشكلة حقيقية في دول الجوار فهم ليسوا بالآلاف بل بالملايين، وهناك إمكانية تفجر الوضع في لبنان بعد تفجره في العراق، والأمر نفسه في تركيا، وتحديدا في ما يخص الوضع الكردي. إذن لم يعد ممكناً الصمت إزاء تردي الوضع السوري، وعدم تحقق واقع جديد يسمح للروس بالتحديد تنفيذ العقود التي أبرموها مع النظام أو التي وعدوهم بها. ويشكل ظهور التعقل لدى الائتلاف معطىً هاماً، عبر الاعتراف أن لروسيا دوراً رئيسياً في سوريا ولا يمكن إخراجها منها، سيما أن الأميركان لا يرضون ذلك، وليسوا معنيين مباشرة بسوريا، وبالتالي لسان حال الروس يقول: مادام الائتلاف صار يعترف بدورٍ روسي في سوريا الآن ولاحقاً، فما المانع لتحقيق جنيف، وبذلك ستظل الهيمنة لروسيا على سوريا.

المعارضة التي لم تناصر الثورة إلا لتصل إلى السلطة، حيث غابت عن كافة ممارساتها حاجات الناس، وانشغلت بقصصها وحكاياها، تأكلها الصراعات وبأسوأ الأشكال، وقد برز ذلك بشكل فاضح وواضح إزاء أية محاولات لتشكيل هياكلها بدءاً من المجلس الوطني ولاحقاً الائتلاف الوطني، أو إزاء أي تقارب بين الهيئة والمجلس أو الائتلاف وتفجر مؤخراً ضمن الائتلاف ذاته، وبين الائتلاف المُمثل في جنيف، وبين غير الممثل، وبين هيئة التنسيق، ليتبدى أنها معارضة انتهازية، وهي في ذلك لا تختلف عن المعارضة المصرية ولا التونسية، التي صارت في السلطة أو ضمن سياقها. فإن نجحت المعارضة المصرية والتونسية في قطع مرحلة من مسار تفكيك الأنظمة الشمولية هناك، فإن الحرب لم يتوقف لهيبها في سوريا، ولا زال النظام يفتك بالسوريين؛ الثائرين بشكل رئيسي، وموالين عبر تقديمهم كضحايا لحربه المستعرة.

جنيف مؤتمرات تتطلب تجاوز حدّة الصراعات بين أطراف المعارضة، والانشغال بها، وتقديم كل الرؤى لنجاحها، فالحل السياسي الآن هو الطريق الوحيد للوضع في سوريا، فهذا الحل يفرض الآن عبر الروس والأميركان، وليس للنظام أو المعارضة دور كبير في تحقيقها، هم فقط واجهة لاتفاقات تمّت ولمفاوضات تتم بين الدولتين العظمتين؛ هذا ما تسرب من جنيف أثناء انعقاده.

المطلوب إبداء حزم واضح لجهة الهيئة الانتقالية بصلاحيات كاملة، ولشكل المرحلة الانتقالية الديمقراطية، ولشكل الدولة المستقبلية العلمانية، ولوظيفة الجيش وأجهزة الأمن، والحزم في قضية تطبيق الحريات العامة والتحول الديمقراطي، ورفض كل مشاريع تتعلق بالإعمار والعلاقات الاقتصادية الجديدة، لا يوافق عليها الشعب، ورفض كل وصاية دولية أو إقليمية قادمة على سوريا.

وضع سوريا، يستدعي رؤى وطنية ومواطنية، وبرامج متصلة بالاقتصاد والسياسة وبمختلف أوجه المجتمع، ومعارضة عقلانية، ورجال سياسة أكبر من الحزبية ومن الطائفية ومن العشائرية ومن المناطقية.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً