ساعة ونصف عن دمار حياة مدينة في ثلاث سنوات

ساروتعارف حمزة- بناة المستقبل:
رغم أنّ الفيلم الذي قدّمه المخرج السوريّ طلال ديركي في افتتاح مهرجان ” إدفا ” الهولنديّ يقع في خانة الأفلام التسجيليّة، إلا أنّه فيلم روائيّ. وربّما جماليّته، بالإضافة لأسباب أخرى سنأتي على ذكرها، تكمن في عدم تقيّده بتلك الشروط الصارمة للأفلام الوثائقيّة أو التسجيليّة أو الروائيّة.
ثلاث سنوات تقريباً من العمل الشاق قضاها المخرج، وفريق عمله، من المصوّرين الانتحارييّن إن جاز القول، من أجل أن يحصلوا على حياة مدينة، باتت منكوبة، امتدّت لساعة ونصف فقط.
الفيلم يدور في شوارع المناطق المحاصرة من مدينة حمص، مع فريق من الشباب الذين شاركوا في المظاهرات السلميّة في الأسابيع الأولى للثورة السوريّة. ذلك الفريق الذي كان يقوده حارس مرمى منتخب سوريّا لكرة القدم للشباب، ونادي الكرامة الحمصيّ، عبد الباسط ساروت، ابن حيّ البيّاضة. الشاب البدويّ الذي سيرفعونه على الأكتاف كيّ يغنّي “حانن للحريّة حانن، يا شعب ببيتو مش آمن” و “ماتت قلوب الجيش. ماتت به النخوة” وغيرها الكثير من الأغاني والشعارات التي جمعت شبّان الثورة ولم تفرّقهم. وغنّاها حتّى الموالون للنظام في سرّهم لجمالها.
الساروت وفريقه المكوّن من عشرين شخصاً، سيتحوّلون إلى كتيبة مقاتلة يحملون البواريد الروسيّة، بعدما تأكّدوا بأنّ الثورة “السلميّة” لن تستطيع أن تحرز الانتصار على نظام وحشيّ كنظام الأسد. بعدما توالى حصار الخالديّة والبيّاضة، وتقطيع حمص القديمة بالحواجز والمدرّعات، وإنزال العقاب الجماعيّ بكلّ من يسكن تلك الأحياء، بغض النظر عن عمره أو جنسه أو آرائه. مع خطف واعتقال مئات الشبّان من تلك الأحياء، وإعادتهم قتلى تحت التعذيب إلى بيوتهم الفارغة. وكذلك بعد الجولات المريعة من ذبح أطفال ونساء وشيوخ في طريق تهجير عشرات الآلاف من تلك الأحياء، وتفريغها.
يتجوّل الفيلم في تلك البيوت التي تهدّمت، مع تجواله في تطوّر أفكار الثوّار السورييّن على الأرض، حتى يصل الفيلم إلى رؤية الساروت بأنّ بارودته الروسيّة الخفيفية ما عادت تنفع في هذه المعركة، التي أدخل النظام إليها كلّ الأسلحة الثقيلة، وحتّى المحرّمة دوليّاً. لذلك نرى البارودة معلّقة مع الثياب على المشجب.
تتوالى أحداث الفيلم إذن من مرحلة السلميّة التي لم يكن ينام فيها شخص في تلك الأحياء، مع الأغاني التي ظلّت تنادي بإسقاط النظام، وإعادة الاعتبار للوطن والمواطن. حتى تصل إلى مرحلة الحصار والدمار الهائل لأحياء بأكملها، والتي لم يعد ينام فيها أيّ شخص؛ بسبب الموت أو الاعتقال أو التهجير.
الكاميرا تتجوّل مع الساروت في كلّ تلك المراحل. في الشوارع والبيوت المتهدّمة. في الحدائق التي يدفن فيها أصدقاءه الواحد تلو الآخر. في النفق الذي حفروه تحت الأرض لثلاثة عشر يوماً من أجل النجاة. الكاميرا التي حملها أربعة مصوّرين ونقلوا تلك الصور كلّها بنفسهم؛ إذ لا مشاهد من خارج كاميراتهم. ولا تجميع في الفيلم، هو جهد خالص لهذا الفريق الانتحاريّ الذي قرّر أن يواكب الموت في تجواله الثقيل على تلك الأحياء التي صات سجناً بمجرّد تحريرها.
الساروت إذن محاطاً بالمئات يغنّي للحرية. ثمّ الساروت محاطاً بالعشرات وهو يغنّي وبيده الكلاشينكوف. ثمّ الساروت وحيداً في تلك الشوارع التي خلت من سكانها، ولا يقطع الصمت الكبير والراكد في الأحياء المدمّرة والمهجورة سوى صوت العصافير، وصوت المدافع، وصوت قدميّ الساروت اللتين أصيبتا في خمس مرّات من قبل القنّاصة، وشظايا المدفعيّة.

الساروت وهو ممتلئ بالفرح من نداءات الحريّة ونسائمها. ثمّ الساروت غارقاً في الحزن. وهو يقول لأخته على الهاتف النقّال: “أنا ع الجبهة. التغطية ضعيفة هون”. وقبل أن يقفل الخط يقول لها بحزن: “مدين مات”. ثمّ الساروت وهو يتلقّى ضربات خيبة الأمل من الكتائب الأخرى التي نسيت حمص. من المقاتلين الذين لا يفعلون شيئاً لفكّ الحصار عن حمص، وإيجاد مخرج آمن للمدنييّن من عقاب التجويع حتى الموت. من انعدام الإمداد بالذخيرة والأغذية والأدوية. ثم الساروت وهو تحت التخدير يصيح: “منشان ألله لا تنسوا دم الشهداء يا شباب”. ويبكي ويبكي تحت التخدير.

يُظهر الفيلم الحياة الخفيفة للمقاتلين. ضحكهم وغناءهم تحت القصف، وحبّهم لبعضهم البعض، وزيارة بيوت أصدقائهم التي تهدّمت. يُظهر المشفى الميدانيّ البسيط الذي سيُنقذ فيه أحد مصوريّ الفيلم من الموت؛ بعد إصابة منزل عائلته بصاروخ. لا بهجة في الفيلم، كما كلّ الانتصارات الصغيرة التي يحرزها المقاتلون في جبهة “شارع القاهرة” والشوارع الأخرى..

مع توالي تلك الكوارث لا بدّ أن يترك الساروت، ومن تبقّى من رفاقه، القتال، ويخرجوا من ذلك الدمار بأيّ طريقة. وهذا ما يدفع الساروت للصراخ في وجه أحد المصوّرين كي يصوّر الدمار الحاصل. كي ينقل للعالم صور الشهداء الستّة في الشارع منذ ستة أيام، ولا أحد يستطيع دفنهم. كي يتحرّك ضمير العالم الصامت والمتفرّج. وبالفعل يخرجون من حمص. ولكن لكي يعودوا إليها. إذ لا يستطيعون ترك مدينتهم وحيدة، ولو مدمّرة، كما تخلّى عنها الآخرون. يعودون في حافلات صغيرة وهم يُغنّون!!.

كلّ شيء في الفيلم هو عفويّ. لا تمثيل. لا تلقين. لا أدوار. وهو المفهوم الحقيقيّ للسينما في أن تكون على مقاس الحياة نفسها.

طلال ديركي (مواليد 1977)، وهو خريج معهد ستافراكو السينمائي في اثينا،  هو مخرج الفيلم ومؤلّفه، (وساهم في التصوير كذلك مع قحطان حسّون، المصوّر الرئيسيّ، وأسامة الحمصي وعروة نيربيّة) الذي يقرأ، خلال فقرات معيّنة من الفيلم، نصّاً، أو مونولوجاً، يُعطي للفيلم نكهة غريبة؛ في حياديّة صوته وجماليّته وذكاء نصّه.
في ساعة ونصف سيتقدّم الساروت في السنّ من التاسعة عشرة حتى الثانية والعشرين، بينما ستتقدّم حمص في السنّ لآلاف الأعوام، حتى تعود إلى دورتها الأولى من جديد.
الفيلم الذي سيشارك في مهرجان سندانس السنمائيّ الأمريكيّ، في الفترة من 16 إلى 26 كانون الثاني من عام 2014، وسيشارك يوم ٢٥ من الشهر ذاته في مهرجانGoteborg International Film Festival السويديّ، لا يمكن الشعور فيه بالزمن، بل بثقل صور الأحداث وحرفيّتها. إذ طوال الوقت تسأل نفسك: كيف عاش هؤلاء المصوّرون الأربعة؟. كيف نجوا؟. في الوقت الذي مات فيه أكثر من نصف المقاتلين الذين ظهروا في الفيلم.

“العودة إلى حمص” مغامرة سينمائيّة حالفنا الحظّ بمشاهدتها، بسبب أنّ الحظّ حالف طاقمه المغامر، ولم يموتوا جميعاً هناك.

————————————-

بطاقة الفيلم :
العودة إلى حمص – فيلم تسجيلي للمخرج السوريّ طلال ديركي .
شارك في التصوير: قحطان حسون وعروة نيربية واسامة الحمصي وطلال ديركي.
مونتاج آنا فبيني. وهي مونتيرة عالميّة معروفة.
انتج الفيلم عروة نيربية، المنتج السوري والشريك المؤسس في مهرجان أيام سينما الواقع “دوكس بوكس”، الحائز على جوائز عديدة منها “قلب سراييفو”، و”جائزة شبكة التسجيلي الأوروبية”.
وشارك في الانتاج المنتج الالماني المعروف هانز روبرت آيزنهاور، بالاضافة الى قناة SWR الالمانية وقناة Arte الفرنسية الألمانية، والتلفزيونات الوطنية لكل من السويد واليابان.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً