هل يمكن لـ بوتين أن يكون جدياً بشأن نزع سلاح الأسد وهو من كبار موردي السلاح للنظام السوري؟

بوتين]ديلي بيست- أيلي ليك: يذكر إيلي ليك في التقرير الذي أعده بأن روسيا تدعي قدرتها في المساعدة على نزع الترسانة السورية للأسلحة الكيماوية. إلا أن بوتين لم يقم بمعالجة مخزون بلاده من تلك المواد، كما تقول وزارة الخارجية الأمريكية، فضلاً عن كونه أحد أهم موردي الأسلحة لنظام الأسد.

في حال إحراز تقدم في المقترح الروسي بالضغط على بشار الأسد للإعلان عن مواقع مخزون الأسلحة الكيماوية والتخلي عنها، ستكون الولايات المتحدة في مواجهة موقف غريب من نوعه لاعتمادها على مورد رئيسي للسلاح إلى سوريا في القيام بمهمة نزع السلاح من نظام يتهمه الرئيس الأمريكي باستخدام الغاز السام لقتل شعبه.

طلب الرئيس أوباما ليلة الثلاثاء من الكونغرس تأجيل التصويت حول منحه التفويض للقيام بضربة جوية محدودة على سوريا. وحالياً يقوم باغتنام ما أسماه فرصة قد تؤدي إلى نزع أسلحة سوريا دون اللجوء إلى القوة العسكرية.

من شأن هذا المقترح – الذي طفا على السطح خلال اليومين الماضيين في أعقاب تصريح مرتجل قام به وزير الخارجية جون كيري – أن يجنب الولايات المتحدة الدخول في الحرب الأهلية السورية. كما أن نجاح هذه الخطط يعني حل المعضلة الأمنية الأكثر إلحاحاً التي تؤرق الولايات المتحدة وحلفائها: وهي كيفية الحيلولة دون وقوع الأسلحة الكيماوية في أيدي الجماعات «المتطرفة» في حال سقوط النظام.

في مقابل ذلك، هناك مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون تساورهم الشكوك حول مدى صدق روسيا في رغبتها في نزع سلاح أحد زبائنها من الدول، ويقولون إن موسكو على الأرجح تسعى إلى حماية سوريا من تحمل عواقب استخدامها للسلاح الكيماوي.

يقوم العديد من الموردين بتوفير السلاح الكيماوي لسوريا، وقد قام الاتحاد السوفيتي السابق بتقديم التدريب اللازم والتكنولوجيا والأسلحة الكيماوية خلال فترة الحرب الباردة. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت روسيا المدافع الأول عن سوريا أمام المجتمع الدولي فضلاً عن تزويدها بالأسلحة التقليدية حتى بعد قيام جماعات حقوق الإنسان والقوى في دول الجوار باتهام النظام السوري بشن هجوم يوم 21 آب على الغوطة في ريف دمشق مما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. ويقول مسؤولون في الاستخبارات الأمريكية إن روسيا، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تساعد سوريا في تطوير صناعاتها لانتاج الأسلحة الكيماوية بنفسها.

وتشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى قيام سوريا باستخدام الأسلحة الكيماوية 14 مرة منذ اندلاع الحرب الأهلية. (بينما تقدر الولايات المتحدة عدد الهجمات الكيماوية بـ 9 أو 10 هجمات من قبل النظام، بما فيها هجوم الغوطة). ولكن الروس يتهمون قوات المعارضة بشن هجوم الغوطة بل حتى رفضوا إصدار مجرد بيان صحفي في مجلس الأمن الدولي لإدانة المجزرة دون تحديد المسؤولية وفقاً لما قالته سامانثا باور سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في كلمة ألقتها خلال الأسبوع المنصرم.

وتكهن مسؤولون أمريكيون بأن أحد الأسباب التي تقف وراء دفاع روسيا عن الأسد هو دور موسكو في تزويد السوريين بذلك النوع من الغاز الذي اتهم الرئيس أوباما النظام السوري باستخدامه في الغوطة. وتشتبه أجهزة الاستخبارات الأمريكية منذ سنوات بأن روسيا هي أحد الموردين الذين تعتمد عليهم سوريا للحصول على التكنولوجيا اللازمة لانتاج مخزون من غاز الأعصاب، وفقاً لمسؤولين حاليين وسابقين في الاستخبارات الأمريكية.

وقد ذهب وزير الدفاع الأمريكي الأسبوع الماضي أبعد من ذلك حيث قال إن الروس قاموا بتزويد السوريين بتلك الأنواع من الأسلحة. وقد أخبر مسؤوولين أمريكين موقع الديلي البيست بأنه ما كان من المفترض أن يكشف هيغل عن تلك المعلومات. وفي وقت لاحق، أوضح الناطق باسم البينتاغون، جورج ليتل، بأن هيغل كان يتحدث فقط عن قيام روسيا بتزويد سوريا بالأسلحة التقليدية.

ويعتقد آخرون بأن التفتيش الصارم على برنامج الأسلحة الكيماوية في سوريا من شأنه أن يكشف عن اليد الطولى لموسكو. «إذا سُمِح للمفتشين التجول بحرية، لن تصيبني الدهشة في حال عثورهم على بعض من تلك الأسلحة وعليها كتابات بالسيريلية» يقول النائب الجمهوري مايك روجرز الذي يرأس اللجنة الدائمة لشؤون الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي. (السيريلية هي الأبجدية المستخدمة في اللغة الروسية).

وقال روجرز من المحتمل أن تكون روسيا صادقة في عرضها لنزع سلاح الأسد. وأشار إلى مصلحة الروس في إيجاد الذخائر الكيماوية الروسية قبل قيام المفتشين الدوليين بذلك. «قد نلاقي النجاح،» يقول. «ولكن لن يكون النجاح حليفنا ما لم يبق التهديد الحقيقي باستخدام القوة مطروحاً على الطاولة من قبل الرئيس أوباما».

ومن المفارقات الأخرى التي ينطوي عليها جانب من العرض الروسي هو فشل وزارة الخارجية في إرغام روسيا نفسها على تطبيق أحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية وهي معاهدة دولية دخلت حيز التنفيذ عام  1997 بهدف حظر حيازة ونقل الأسلحة الكيماوية. وقد أشار أحدث تقرير صادر عن وزارة الخارجية حول هذه المعاهدة إلى أنه « استناداً إلى المعلومات المتاحة، لا يمكن للولايات المتحدة ضمان قيام روسيا بالإيفاء بالتزاماتها حول الإعلان عما لديها من مرافق لإنتاج الأسلحة الكيماوية، ومرافق لتطوير الأسلحة الكيماوية، ومخزون الأسلحة الكيماوية». لم يغب هذا التناقض عن بال السيناتور جيم ريش، وهو جمهوري من إيداهو، الذي كتب عبر تويتر ليلة الاثنين «وفقاً لما تقوله وزارة خارجيتنا إن روسيا لا تبرُّ بالتزاماتها الخاصة بالأسلحة الكيماوية. إذاً كيف لنا أن نوليهم ثقتنا بشأن سوريا؟»

وقد أفادت باولا دي سوتر، التي شغلت منذ عام 2002 وحتى 2007 منصب مساعدة وزير الخارجية لشؤون التحقق والالتزام _ وهو عمل يتعلق بمراقبة مدى تقيد البلدان بأحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية_ لموقع ديلي بيست بأن مشكلة روسيا مع اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية تشكل قضية منذ العام الأول لالتحاقها بالعمل. «تشير التقديرات عن مخزونهم استناداً إلى القدرة الإنتاجية لمنشآتهم إلى أرقام انتاج تفوق كثيراً ما قاموا بالتصريح عنه بالواقع»

مما لا شك فيه، لا يزال على الولايات المتحدة تدمير ما لديها من الأسلحة الكيماوية تطبيقاً لبنود اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية. وتضيف دي سوتر بأنها تعتقد إن الروس غير ملتزمين بأحكام الاتفاقية  لكنها تعقب قائلة إن الولايات المتحدة لم تحصل يوماً على دليل قاطع يثبت الانتهاكات الروسية بعيداً عن التقديرات الاستخبارية.

وقال توماس مور، نائب مدير برنامج منع انتشار الأسلحة لدى مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إنه حتى لو كانت روسيا صادقة حيال سوريا «فإن ذلك سيستغرق شهوراً في حال سار كل شيء على ما يرام. ولكن الحرب الأهلية لن تتوقف بينما يقوم المفتشون بعملهم على الأرض».

وأضاف مور إن مجرد عملية إعلان النظام عن برنامج الأسلحة الكيماوية قد يستغرق شهوراً. وقد صرح وزير خارجية سوريا، وليد المعلم، بأن بلاده ترغب في الانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية وتوافق على المبادرة الروسية. وهذه ليست المرة الأولى التي تعترف فيها سوريا بامتلاكها لترسانة أسلحة كيماوية. في عام 2012، اعترف جهاد مقدسي، المتحدث باسم وزارة الخارجية السورية في حينه، بامتلاك سوريا لأسلحة كيماوية وبيولوجية مؤكداً على وجودهم في مكان آمن في حماية الجيش السوري.

أما فرد هوف، الذي غادر العام الماضي منصبه كمستشار خاص لعملية الانتقال السياسي في سوريا لدى وزارة الخارجية، فقد شكك بالمقترح الروسي معتبراً إياه مناورة تهدف إلى كسب الوقت. « أعتقد أنه  في حال قرر الروس المضي في ذلك على طريقتهم الخاصة فسنكون أمام عملية طويلة الأمد للغاية من أجل التوصل إلى الإجراءات والبروتوكولات والاتفاق على كافة التفاصيل المتعلقة بهذه العملية» يقول هوف.

وأضاف هوف، وهو حالياً زميل باحث رفيع المستوى لدى مركز الأطلسي، بأن لديه شكوك بأن «المقترح الروسي عبارة عن محاولة لتشجيع الكونغرس على التصويت بالرفض لمنح تفويض بشن ضربة عسكرية على سوريا. إنني على استعداد للنظر في فكرة أن جهود روسيا صادقة ولكن يتعين على الرئيس بذل العناية اللازمة في هذا الأمر».

على أية حال، قامت مبادرة موسكو بإكساب هذه القوة العظمى «نفوذاً عظيماً» كما تقول فيونا هيل، مديرة مركز شؤون الولايات المتحدة وأوروبا لدى معهد بروكينغز، والخبيرة بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وأضافت هيل بأن بوتين تمكن من السيطرة على السرد الإعلامي وأعطى زخماً للعملية الدبلوماسية. لكنها تقول أيضاً إن روسيا تشاطر مصلحة  الولايات المتحدة في إبقاء الأسلحة الكيماوية بعيداً عن أيدي الإرهابيين «فالروس يدركون بأننا سنكون في مواجهة عالم كامل من المآسي في حال انهيار سوريا».

إلا أن روجرز كان أكثر تشككاً فقد قال «بوتين يلعب الشطرنج، والإدارة الامريكية تلعب بالدحل. إنه لأمر محبط أن تشاهد ذلك»

إيلي ليك: كبير مراسلي الأمن القومي لدى نيوزويك والديلي بيست، كان يغطي سابقاً أخبار الأمن القومي والمخابرات لصحيفة واشنطن تايمز. ويعمل ليك أيضاً منذ العام 2008 كمحرر مساهم في صحيفة «نيو ريببلك»، وقد غطى الأخبار التي تخص الدبلوماسية والاستخبارت والجيش لصالح صحيفة «نيويورك صن». عاش في القاهرة وسافر إلى مناطق الحرب في السودان والعراق وغزة. وهو واحد من الصحفيين القلائل الذين قدموا تقارير من البلدان الثلاثة التي أطلق عليها جورج بوش «محور الشر» أي: العراق، وإيران وكوريا

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً