عن مقدمات نظرية الحرب, أم سيادتها؟

سعد فهدسعيد فهد- بناة المستقبل:

حسب المنهج الفرويدي الذي اعـتمده جورج طرابيشي لتفسير الواقع بعد هزيمة 67, في كتابه التحليل النفسي لعصاب جماعي. نجد أنّ الهزيمة عنده لم تأخذ صيغة “الرضّة” فقط, إنما هي إخصاءٌ لمشروع عبد الناصر بما يمثـّله من قـدرة فـالـوسية للأمة العربية. مما جعلها – أي الأمّة- تلوذ بحِمى أبٍ آخر يمكن الوثوق بديمومة أطول لمشروعه, واستمرارية تاريخية له, بعد أنْ مات الأب الأول قهراً.

ومن هنا ولدت الانعطافة المؤسِّسة لهيمنة التراث بوصفه أباً رمزياً وحامياً لمن خلـّفتهم الهزيمة أيتاماً. ذلك الأب الجديد (القديم في حقيقة أمره) الذي كـُـشِفَ عن وجهه السلفي. سيسود ويطغى على فضاء واسع من الثقافة والمجتمع العربيين. وعلى هذا النحو ستأخذ آلية النكوص إلى التراث في الاشتغال. ذات الكلام من حيث التوصيف تقريباً, سيكرره الروائي والصحفي الأمريكي نورمان ميلر, الشهير بمعارضته لسياسة بلاده وحروبها, فقد صرح إبّان غزو العراق واحتلاله, بأنّ حرب فيتنام قد كسرت رجولة الذكر الأميركي, حتى جاءت الكولونيالية التوسعية الجديدة لتحيي وتصلح ذلك الامتياز الذكوري, في لاشعور الرجل الأمريكي الأبيض.

في حين نجد أنّ أميركا ذاتها, لـم تـسلم من موجات أصولية ما بعد فيتنام, أو ما بعد الحادي عشر من سبتمبر, فوُصِفتْ العمليات الأخيرة بأنها “عقاب الله لأمريكا” لإجازتها مناصري المرأة, والمؤيدين لمبادئ الحرية, والمثليين, أو حتى القضاة الفدراليين!. كما يعلن من موقع محافظ هذه المرّة الروائي روبرت ستون. كما لا يمكن الحديث عن الحرب بوصفها أهم تمثيل للعنف, دون التطرق لمقاربات نيتشه فـيها, هو فيلسوفٌ أصّل العنف نظريّاً, وأعلى من مبادئه. إذ نجده يتنبّأ بمجيء يوم يمجّد فيه الناس نابليون ويخلّدون ذكراه. لأنه رفع من قدر المحارب على التاجر. يقول هذا في سبيل وصوله إلى نتيجة: بأنّ الحرب أفضل علاج للشعوب التي دبّ فيها الضعف والترف والخسّة, لأنها تثير الغرائز التي أفسدها السلام. والحرب ولواحقها في التجنيد ترياق مضاد لـ”تخنث” النظم الديمقراطية التي غزت أوربّا ويمنحها نسباً مسيحيّـاً لـيـّناً, ويضعها بالضّد من القيم الأصيلة لأوربا التيتونية المقاتلة. وإذا تابعنا معه كان لابدّ أن نحصل على مخلّفات وراء هذه الصورة المجيدة التي رسمها للمدينة السامية وفقاً لسرديته عن إرادة القوة, فالمساواة تتنافى مع التطور البيولوجي, والمرأة هنا للترفيه عن المحاربين “الرجال” لا غير. والدولة لا تقوم على تعاقد الأفراد إنما من أنشأ الدول هم الجبابرة والأقوياء أصحاب المقدرة والتنظيم العسكري. فما قيمة العقود مع من خـُلِق بطبعه ليكون سيّداً وقائداً؟.

هنا لا نقدّم لنتائج من قـَـبِيل: تلافي ما سبق عبر دعوة إلى حراك سياسي إرادوي, قد يشوبه بعض العنف الطفيف, لكنه يحفظ الاستقرار, من أجل “اليوم التالي”. ليكتمل بعدها درس التغيير وإمكانيته وفقاً لبعض المصادرات الإعلامية, نموذج ميدان التحرير السلمي, مثلاً. وبالتالي توقـُّع سيرورة ناجزة دون اللجوء إلى أي شكل من أشكال العنف. فضلاً من أنّ المنطقة بالذات تعيش اختراقاً لسياساتها من دول إقليمية عدة. ولا نقول: هناك حرب قامت؛ إذن بسبب الذكورة والجنس؛ كما تشطح الدوغما الفرويدية بتفسيراتها, وتحوّل الانضباط العلمي إلى أيديولوجيا ناجزة, مسوّرة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!. ما نريد أن نصل إليه أنّ الحرب (بغض النظر عن أي حرب نتحدّث) تُصْلِح الفحولة لأنها مسرح فاعلية الذكور, وامتحانهم الأول, لتستوي وصفةً رئيسية تستهوي تلك السرديات التي تعطي الرجل دوراً مركزياً في رسم الخريطة القيمية للمجتمع. وسواء أكان موقع المرء داخلها أم خارجها لن يجدَ بديلاً عن الاعتماد عليها في قراءة الأسباب والنتائج.

إذ لا مجال لقياس تلك القدرات وصلاحيتها نظرياً, بل لابدّ من إثبات طقوسي, واختبار تشغل فيه جدلية الأجساد والآلات أيضاً, -لأن هذه الأخيرة هي امتدادٌ للأولى, وفقاً لبعض النظريات التطورية كالتي تـبـنّـاها (هنري برغسون)- مكاناً عريضاً يتيح لها إنتاج أو/ والوصول إلى مأثرتها المبتغاة, في الـتـَّـسـيُّـد.

أمّا قرائنُ الواقع عن حربنا التي نعيش, بمعناها السلاحوي الراهن, وبالرغم من انعدام الحيلة, والرفض اللاواقعي لدى البعض من أن يتم تلزيمها صفة “الأهلية”, لئلا يُنزع عنها سحر الثورة, إلا أنه بالمقابل لا يمكن لعنفها هذا أن يحقق لها تطابقاً أو تصليباً تاماً يضعها في تماهٍ مع عنف اللحظة التأسيسية التي امتازت به ثورتان كالفرنسية أو البلشفية, تمجّدان الصفة الأهلية بالذات.

وهذا ليس معياراً خلاصياً للتقييم والمقارنة, حيث يكاد أن يكون ثغرة غير آمنة لاستيراد وعي جاهز, والقياس عليه. لذلك فواقع الثورات العربية عموماً ليس أمام تصوّر حلٍّ إجرائي آنيّ للعنف, بل تاريخي يفنّده كحدث ومفهوم. بالقدر الذي لا يؤدي هذا “الآن” المعقد إلى نتائج جيدة, كإعادة توجيه العنف قبل أن يستحيلَ رضّةً تُعقم الجسد, أي مشروعَ لحظة 2011 الثورية, التي استُدْعِيَ في سبيلها. وبما أننا لا نستطيع تحديد وقت أو شرط, ونعيّنه في ذاته, من أجل تزمين عنف السلطة ضد المجتمع.

هي فكرة تغلب على السرديات الحداثية عن الدولة. فالدولة موجودة إذن العنف موجود بتعدد أشكاله, سواء من حيث الخطاب الذي تمارسه النخبة بمحاولة لإعادة ضبط تشكُّل المجتمع, وتحشيده لصالحها. أو من حيث الفعل القامع الذي يهدد الوجود. فلا انفصال بين قناتي العنف هاتين, إذ يبرز تضافرهما تاريخياً خاصة في وقت الحرب المعلنة. ويصبح سهلاً التباس الإعلام بصفة “الحربي” من حيث تمجيده لقيم العنف, التي تشيد بمجتمع الأبطال من الذكور المنتصرين.

إذن, حربٌ كهذه لا بد أن تتيح فضاءً رحباً من السيادة للقائمين عليها, وأن يطمئنّ لها ذكورٌ منتصرون بأجسادهم أولاً, وسلاحهم (آلاتهم), ثمَّ بهيمنة السلطة الواثقة بفحولـتـِهم المُصلـَحة على حساب جسد المجتمع المُعـبَّـد. كذلك أنتج المخيال الخصب أسطورة (ذكر مصر) في المتداول عن تمجيد عبد الفتاح السيسي. وأنتجت الذهنيات المهووسة بالجنس, فتاويه وكلمات سرّه. وكذلك وجدنا أنفسنا أمام ضحايا كـاغتيال بروباغندا الإعلام السوري لـ(روان قداح), ومن قـبلها لحمزة الخطيب. وفي المقابل وجدنا أنفسنا أمام مناضلات كـ(سعاد نوفل) التي تواجه أعتى غيلان الذكورة, باللافتة والأمعاء الخاوية.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً