الثورات الشعبية ومسألة الوحدة العربية

ديوبعمّار ديّوب- بناة المستقبل:

من نافل الكلام خطأ القول أن الوحدة ضرورة كيفما كان، فلا أحد يقبل ذلك، وهي مسألة خاطئة جملة وتفصيلاً، وكانت حصيلة الوحدات العربية السلطوية، رفض العرب لفكرة القومية والوحدة بل وحتى فلسطين نفسها؛ إذا هل هي قضية خاطئة بالكامل وكيفما طرحت؟

وهل من ضرورة لطرحها من جديد، وأي شكل ضروري لها؟.

لا أظن عاقلاً يمكن ألا يرى مخاطر كل من إسرائيل وتركيا وإيران على المنطقة بشكل مباشر، واستفادة تلك الدول من الدمار الكاسح للأمن القومي العربي، قبل بدء الثورات، بل وتحول السلطات العربية، إلى أدوات تدجين للعرب ضد أي مسعى لأي شكل من أشكال التقدم والنديّة أمام تلك الدول؛ وقد تبيّن أنها تريد الهيمنة لا التعاون، تريد إنهاء أزماتها بتأزيم كل ما هو عربي؛ وبالتالي لم تتقدم أي بادرة حسن نية لا من قبل إيران بما يخص الأهواز والجزر الثلاث، ولا من قبل تركيا بما يخص لواء إسكندرون، ولا من قبل إسرائيل بما يخص أقلها إيقاف بناء المستوطنات في الضفة مثلا، وبالتالي كانت إستراتجية الدول العربية، خاطئة جملة وتفصيلا، في إطار الوحدة السابقة وفي إطار الانفتاح لاحقاً على الدول المحيطة بالعالم العربي. أي كانت وحدات تقام على أسس تخص الأنظمة الحاكمة، وكذلك أسباب الانفتاح ذاته، فهو لغايات تخص ديمومة الأنظمة، ولإخراج نفسها من أزمات عدم الاستقرار التي كانت تكتنفها.

الثورات العربية انطلقت بعد أن وصلت أزمة المجتمعات العربية حدّاً لا يطاق، وعلى كافة المستويات، وبعد أن سارت الأنظمة العربية المختلفة في شكل نظامها السياسي، بسياسات ليبرالية جديدة، فكانت سبباً رئيسياً في ثورات متعددة في كامل أنحاء العالم بدءاً من أمريكا اللاتينية إلى أوربا إلى بلداننا العربية، وجاءت بسياق الأزمة العالمية للرأسمالية، التي كانت نتيجة لما قيل عنه عولمة. أي بسبب هيمنة الشركات الرأسمالية العالمية على العالم بأكمله.

الثورات العربية هذه جاءت كذلك بعد فشل الوحدات وفشل مسألة فلسطين، وبعد تصحر مخيف لكل حراك سياسي داخلي، ودفع المجتمعات العربية نحو وعي ديني، وفتح دور العبادة كمراكز وحيدة لإنتاج الوعي، وإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية وفقه، وبالتالي سادت حالة من التخبط الفكري للثورات، فلم تنتج عقلها النظري، وسيطرت عليها العقلية العفوية والارتجالية، وهو ما سمح بسيطرة العسكر والإسلاميين عليها، وتدخل واسع من قبل الجهاديين في سورية واليمن وليبيا، ونسبياً تونس؛ أي القوى التي خلقتها الأنظمة من قبل، ومنذ الحرب على الاحتلال الروسي لأفغانستان، ولنقل هيأت لها الأرض تماماً؛ ففي مصر اندفع الإخوان للسيطرة على الحكم عبر السيطرة على قلوب الناس باسم المظلومية التاريخية لهم، وفي تونس صورت مظالم النهضة وكأنها هي الوحيدة المحرومة سياسياً، وفي سورية فتح النظام بوابة التأسلم، وهيأ الأرض تماما لكل انفجار شعبي كي يندفع بهذا الاتجاه، وهكذا في بقية الدول العربية. ولم يفهم الإخوان تعقّد شروط الثورات، فاندفعوا بغباء منقطع النظير إلى تلقف كل ذلك، وحاولوا فرض سلطة شمولية جديدة، كان مصيرها الفشل الكاسح في مصر وتونس، وحتى في سورية فشلوا في السيطرة على المعارضة وعلى الثورة؛ ولكنهم نجحوا في تشتيت قوى الثورة تماماً، أي حققوا ما يريد النظام منهم بالضبط؛ فبدلاً من طرح رؤى وطنية بل وقومية، من أجل إسقاط الأنظمة والوصول إلى دول حديثة بالفعل، وفق مفردات التنمية والمواطنة واستعادة الأراضي الوطنية المستعمرة أو القومية، أي فلسطين، والتعامل مع الدين كإرث لكافة أفراد الشعب، وخاص بجماعات محددة ومميز وفق تلك الجماعات. طرحت حركات الأخوان نفسها كسلطة احتكارية ونظام سياسي، وبذلك انحشرت الثورات ضمن مفردات غاية في البساطة؛ ثورة حرية وكرامة، أو ضمن هذا الإطار؛ ليتبين أننا كلما أخطأنا في وضع التصورات السليمة للثورات، سادت تصورات كارثية. كل ذلك، منع تشكل وعي ثوري وطني، قادر على المساهمة في إسقاط الأنظمة، والبحث عن أشكال جديدة من التنسيق بين الدول العربية، لتطوير بلدانها، ومنع التدخل الصلف والهيمني لدول الإقليم على الدول العربية.

وبالتالي، ومنذ بعض الوقت، يحاول كتاب عرب طرح قضية الوحدة العربية بخجل أو بإرباك، والبحث عن خيارات أخرى، تتجاوز الطائفية والتفكك المجتمعي والإقليمي، سيما وأن وضع العراق ولبنان مؤشر خطير على تفكك قادم في كامل المنطقة العربية، في حال بقيَ التساهل قائماً بما يخص الطائفية والمناطقية. أي لا بد من رؤية تتجاوز المناكفات السياسية بين التيارات السياسية، وتتجاوز عقلية الثأر والانتقام من الأنظمة السابقة القائلة كذباً بالوحدات، وتتجاوز التبسيط المحدود الرؤية، والذي ساد وعَمّم رفضاً تكفيرياً لكل ما يخص القومية أو الوطنية واليسار؛ هذا التجاوز تُبين الوقائع اليومية، والتفكك المجتمعي كم هو ضروري، فالأخير يسود بسبب غياب وتغييب الرؤية الإستراتيجية الثورية للثورات، أي الرؤية التي تنطلق من أن الثورات بالأصل هي ثورات ضد واقعٍ كان التأزم كاملاً فيه، وليست من أجل الحرية وفقط، أو أنها ثورات سياسية، قامت للانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية. فهي من أجل حياة جديدة، أي تخص التنمية الاقتصادية والنظام الديمقراطي واسترجاع الأراضي بل والأمن القومي، وكذلك علاقة نديّة مع بقية دول المنطقة، والمقصود هنا حصراً تركيا وإيران؛ فإسرائيل دولة احتلالية بالكامل.

مسألة تجاوز الطائفية كهوية وكهدف للقوى السياسية الطائفية، يتم فقط بهوية عربية، تشكل رابطاّ حقيقياً بين أفراد الشعب، وتدوّن في الدستور والقوانين عبر مفهوم المواطنة، فتصبح العروبة ليست أيديولوجية وثرثرة فارغة وحكراً لأنظمة وحركات لطالما ابتذلتها، بل تصبح أساس الموطنة، وبالتالي لا معنى لفكرة التنسيق بين الدول العربية، أو طرح فكرة خرائط جديدة، وشعوبها ليسوا مواطنين؛ وكل تكريس وتغن بالهويات المتعددة، وفكرة الاعتراف السياسي الساذجة بالتعدد الهوياتي الطائفي في الدولة العربية الواحدة، كما يثرثر فكر يومي في جرائد عربية سائدة، يصب مباشرة في تشكيل نظم طغم طغيانية مالية وتابعة ومشروع اقتتال طائفي مستمر، وبالتالي العرب أمام خيار واضح تماماً: إما أن يفهموا أن لا تقدم بأي مجال من مجالات حياتهم دون مفاهيم العروبة كرابطة مجتمعية والتنسيق بين دولهم العربية، وتكريس مفاهيم المواطنة والسياسة الحديثة والتنمية الاقتصادية الصناعية، وإما فهم ذاهبون على طريق العراق ولبنان والصومال.

كافة التيارات السياسية من ليبرالية وإسلامية ويسارية قديمة، والتي قدمت أسوأ التجارب السياسية ومنذ زمن الاستقلال، معنية بإعادة تشكيل رؤاها المتقادمة، بعيداً عن عقلية الانتقام والصدام الإيديولوجي المتهافت والفوضى الفكرية والنتائج السياسية الرديئة، والاعتراف بفشلها الكامل في أن تكون هي الحل لمشكلات مجتمعاتنا العربية؛ فواقع الثورات يؤكد ضرورة هذا المنحى، والشعوب لن ترحمهم على تخلفهم المريع عن أهداف ثوراتها؛ إذا الثورات الشعبية، تطرح من جملة أهدافها المسألة الوطنية والقومية وقضية فلسطين؛ وأما موضوع الأكراد وبقية القوميات والأقليات الأصيلة في المنطقة، فلا بد أن تنال حريتها، وحقوقها، وفقاً لتوضعها في الدول الحالية، ولا بد من الاعتراف بحق تقرير المصير لها كذلك، كمسعى طبيعي لكل أمة مجزأة، لأسباب متعددة؛ العرب لا يمكن لهم مجدداً تجاهل العلاقة الديمقراطية والندية، بينهم وبين أمم المنطقة بأكملها.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً