كسب الطرفان وخسرت سوريا

سمير العيطةسمير العطية – السفير: انتهت الجولة الأولى من مفاوضات «جنيف 2»، جلس وفدان سوريّان وجهاً لوجه. ولكن من دون أيّ تفاوض، بل كان كلّ منهما يخاطب جمهوره. وفد النظام من منطق أنّه يقارع الأمم المتحدة والدول العظمى ويواجه الإرهاب. والوفد الذي اختير من المعارضة يطالب بنقل السلطة. كلّ شحن آلته الإعلاميّة: صحافيوّن موالون للنظام غفيرون يسائلون القاصي والداني عمّا فعلته القوى الإقليمية والكبرى ببلدهم وكيف أرسلوا إليها كلّ إرهابيي الدنيا، ومعارضة مدعومة بشركات تسويق إعلاميّ تُدين إجرام النظام وتحاول أن تُعطي صورة أنّها أهل للتفاوض والحكم…
كسب الطرفان إعلامياً، كلّ منهما عند أنصاره. لكنّ سوريا خسرت. فما ان انتهت الجولة حتّى توسّع قصف النظام للمدن بالبراميل المتفجّرة واشتدّت المعارك، في حين يجري التفاوض هنا وهناك حول “مصالحات” لا غطاء سياسياً عاماً لها. النظام يبدو كأنّه ينتصر محليّاً. أمّا وفد المعارضة المفاوض فقد انغلق على نفسه دون أن يستفيد حقّاً من “إنجازه” الإعلامي في توسيع قاعدته السياسية والشعبيّة. فهو كما على طاولة المفاوضات، لا يريد أن يغرق في التفاصيل ـ كما يقول ـ ولا يريد سوى الحديث عن انتقال السلطة.
لكنّ التفاصيل مهمّة وهي صلب خريطة الطريق الطويلة للمفاوضات. وهناك ملفّات لا بدّ من معالجتها. ملفّ الإرهاب، إرهاب «تنظيم القاعدة» وتنظيماته كما إرهاب الدولة. وملفّ هويّة سوريا يجب أيضاً أن يكون على الطاولة، وإلاّ فسيبدو كأن الطرفين يتحدّثان عن بلدين مختلفين. وكذلك ملفّ وقف إطلاق النار، الذي لا يمكن طرحه سوى محلياً بحسب القوى الفاعلة في المكان، والذي يجب ربطه بقضيّة الإغاثة وإيصال المؤونات الغذائيّة والخدمات. وأيضاً ملفّ المعتقلين في حين يشتدّ قمع النظام في المناطق التي يسيطر عليها.
قد يكون التركيز على انتقال السلطة ورقة رابحة للمعارضة في الجولة الأولى، لكنّه طريق مسدود إذا لم تأت معالجة جديّة “للتفاصيل” في الجولات التالية. إذ انّ وثيقة «جنيف 1» لا تنصّ على نقل السلطة للمعارضة، بل إلى جسم يتوافق عليه الطرفان. فماذا لو لم يأتِ هذا التوافق؟ وكيف له أن يأتي إذا كانت الهوّة شاسعة على مستوى معالجة الملفّات الملحّة وحلولها. وكلّنا يعرف ماذا ينتج عن التعويل على الدول الخارجيّة.
ما يهمّ إذاً هو كيفيّة التحضير للجولات التالية. وهناك فرق عمل ضخمة من الدول الداعمة متواجدة في جنيف حول فريق المعارضة، الأولى بها أن تساعد على التقدّم في هذه التفاصيل، فهي التي تمسك بزمام غرف العمليّات وبعمليّات الإغاثة لمناطق أقصى الشمال والجنوب. والأولى بها أن تنصح الفريق المفاوض بأن التوصّل إلى تجسيد الحكم الانتقالي لن يحصل إلاّ إذا توسّعت القاعدة السياسيّة والشعبيّة لمفاوضي المعارضة وأتى المسار التفاوضي بنتائج ملموسة على صعيد المعاناة الشعبيّة. والأبدى أن يُعطي «الائتلاف» وداعموه المثال في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فهي التي ستعطي المصداقية لعملهم. وهناك مسألة جوهريّة لها أولويّة خاصّة تتمثّل في وضع أسس واضحة للتمييز بين مقاومة الاستبداد والإرهاب، وما يتبع ذلك على صعيد المقاتلين: مشروع الجيش الوطنيّ.
ليس هذا من باب التهجّم على الوفد المفاوض، وعلى من فيه أو من سينضمّ إليه. بل من باب الحرص على سوريا، وألاّ يذهب التفاوض إلى باب مسدود وينغلق أفق الحلّ السياسي، فيش الوقت الذي تشتدّ فيه معاناة الشعب السوري.
فينبغي على كلّ القوى التي تحمل المبادئ الأولى للثورة وهمّ إنقاذ سوريا، العمل على التكاتف وتوحيد الصفّ حول مشروع وطنيّ لا بدّ له من أن يأتي… مع جنيف أو من دون جنيف.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً