سوريا وسيناريو المحكمة الدولية

Tayeb_tzenuuuforد.طيب تيزيني – الاتحاد : بعد شهر ونصف الشهر تقريباً يكون قد مضى على الانتفاضة الثورية السورية ثلاثة أعوام، وهذه الفترة الزمنية ليست قصيرة وليست ضئيلة في أعمار الأحداث الاجتماعية الكبرى، وفي مقاييس التحولات التاريخية المعقدة، وفي المقابل، فإن العقود الخمسة التي سبقت هذه الأحداث المعقدة والتحولات بقدر ما أسهمت في إبراز أهمية الاستحقاقات التي طرحتها تلك الانتفاضة على الشعب السوري، فإنها تبدو الآن أكثر تعقيداً واضطراباً وإشكالية. يظهر ذلك الآن بعد مرور مؤتمر جنيف دون أن تظهر بارقة أمل في الوصول إلى نتائج مثمرة على طريق حل سلمي إيجابي قد يجنّب سوريا ما لا تحمد عقباه من مزيد المآسي والخراب.

إذن، جاء ما جاء، ولعله ظهر أن الحل الذي قدمناه في اللقاء التشاوري قبل أقل من ثلاث سنوات، أي في بدايات الأزمة، ربما كان ينطوي على احتمالات إيجابية قابلة للتجاوب مع واقع الحال. ففي اللقاء التشاوري المذكور، أعلن في سياقه الأخير الدعوة إلى حل ربما حمل طابعاً تسووياً، تمثل في النقاط الحاسمة التالية بعد تفويت الفرصة القائمة على مثل هذا الطابع التسووي: إيقاف لغة السلاح التي لجأ إليها النظام، الإفراج عن سجناء الرأي وسجناء الضمير والسجناء السياسيين، والعودة إلى القانون في التعامل مع التأسيس لتعددية سياسية وطنية ومدنية، بما في ذلك الفصل بين السلطات. ولخصنا ذلك وغيره من نقاط أخرى بمطلب «تفكيك الدولة الأمنية»، مقابل التمكين لدولة مدنية رعائية، بما تنطوي عليه عن مبدأ تداول السلطة الوطنية.

كانت تلك الدولة الأمنية مثار حوار داخل المؤتمر وخارجه، وقد حصل أن نُشر على صفحة الغلاف من مجلة «بلدنا» (مانشيت) بعنوان (تيزيني: يجب أن تفكك الدولة الأمنية)، لكن سحبت المجلة من التداول، ثم جرى منع ظهورها في اليوم نفسه، وبكيفية تتعارض مع منظومة حرية الصحافة والإعلام.

وفي سياق مناقشة ما جاء في العرض الذي قدمته داخل المؤتمر وخارجه، هذا المؤتمر الذي شارك فيه بفاعلية الأستاذ فاروق الشرع، برز في قولي وأقوال أخرى أن الحاضنة لتلك النقاط وأخرى غيرها نراها ماثلة في التأسيس لمحكمة دولية تتجسد مهمتها في محاكمة من رفع السلاح في وجه السوريين، ورفض الانصياع لشريحة الرأي العام، خصوصاً لأولئك الذين استخدموا السلاح في وجه الآخرين، وأعطوا الأوامر لاستخدامه. وقد تحدثنا عن ضرورة ذلك بالترافق مع تحريم الثلاثية التالية: الدعوة إلى الثأرية في مواجهة ذلك كله أولاً، وتحريم الطائفية في سوريا، بما فيها من تعددية، وسيتحدد في الحفاظ على إخوة السوريين ضمن وحدة الشعب السوري في كل أصقاعه وعلى نحو يركز فيه على منظومة حقوق الإنسان، بما في ذلك العدالة والمساواة بين الجميع، والتأسيس لمؤتمر ثقافي سياسي يحافظ على تلك المبادئ ويطورها في المدرسة والجامعة وكل المؤسسات الثقافية الوطنية.

ثانياً: أما المحرَّم الثالث، فيتجسد في الدفاع عن وحدة سوريا التاريخية والثقافية العربية ضمن منظومة الوطن العربي.

من العار أن يسعى أحد لتفتيت سوريا وطنياً، وإقصائها من مكانها التاريخي والجيو سياسي عن لحمتها القومية مع البلدان العربية أساساً. ومن يعمل على النظر إلى القضية السورية انطلاقاً مما يمكن أن تكون منها وإليها، بدلاً من النظر إليها في سياقها المحتمل، أي ابتداء مما نراه بداياتها، تكوين منصة العدالة أولاً وثانياً.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً