نظام يرفض الرحيل.. قبل رحيل سوريا

_5 خير الله خير الله ـ العرب:  ليس مستبعدا أن يعتبر النظام السوري السماح بخروج مدنيين من حمص المحاصرة انتصارا له. النظام يرى في تجويع أهل حمص ومنع دخول المواد الغذائية إلى المدينة “واجبا وطنيا”… ما دام الشعب السوري لا يضمّ سوى “إرهابيين”.

كان ملفتا أن غير مسؤول في النظام كرّر بعد انعقاد مؤتمر جنيف-2 ومع بدء الجولة الثانية من جنيف-2 أنّ “لا شريك نتفاوض معه”. ورد على لسان تافه في الوفد السوري، يخجل المرء من ذكر اسمه، أنّ وفد المعارضة لم يكن يمثّل أحدا وأن كل عضو فيه كان يمثّل نفسه. ما دام الأمر كذلك، لماذا كانت مشقّة الذهاب إلى جنيف والعودة إليها مجدّدا؟ ولماذا كانت كلمة رئيس وفد النظام وليد المعلّم (في مونترو)، وقد كشفت الكلمة إلى أيّ حدّ يحتقر النظام شعبه ويرفض الاعتراف بالواقع المتمثّل بأنّ السوريين باتوا يفضّلون الموت على بقاء النظام الذي استعبدهم وأفقرهم وأذلّهم؟

ما يحصل في حمص المحاصرة حاليا هو عملية تهجير لقسم من سكّان المدينة. إنها عملية تطهير عرقي مبرمجة تستهدف أهل السنّة تجري برعاية الأمم المتحدة وبتشجيع روسي. اعتبرت موسكو أنّ السماح لمدنيين بمغادرة المدينة وحمل النظام على إدخال مساعدات إلى المحاصرين فيها، كان بضغط منها. من الواضح أنها حاولت تسويق هذا الموقف مع أكثر من جهة، خصوصا مع “الائتلاف الوطني” الذي استقبلت رئيسه ابراهيم الجربا بعيد جنيف-2 وقبل جولة المفاوضات الجديدة التي بدأت الاثنين الماضي.

ركز النظام السوري منذ بداية الثورة على حمص، ثالث أكبر مدينة سورية. هاله أن تنضم حمص إلى الثورة الشعبية العارمة، فكانت عملية تدمير ممنهجة لأحيائها السنّية، من بينها بابا عمرو، ثم حصار للمدينة بهدف تجويع أهلها وتركيعهم. دفعت حمص ثمن ثورتها على الظلم وعلى نظام طائفي عمل منذ فترة طويلة على تغيير طبيعة التركيبة السكانية للمدينة. دفعت أيضا ثمن موقعها الاستراتيجي كونها تربط بين المناطق السورية، خصوصا بين الساحل والداخل، بما في ذلك دمشق.

هل يمكن أن يبني النظام السوري على “انتصاره”؟ المؤسف أنه لم يفعل ولن يفعل غير ذلك. الدليل أن الإعلان عن السماح بخروج مدنيين، معظمهم من النساء والأطفال والعجائز من حمص، ترافق مع إعلان المسؤول التافه نفسه أن النظام سيشارك في لقاء جديد في جنيف للتفاوض مجددا مع المعارضة، أي مع الممثلين الحقيقيين للشعب السوري. وقد بدأ هذا اللقاء فعلا.

لا يمكن للنظام السوري أن يتغيّر وبالنسبة إليه لا وجود سوى لسياسة واحدة يتّبعها تتمثّل في إلغاء الآخر. ولذلك كان تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري، الذي أعاد لبنان إلى خريطة الشرق الأوسط وأعاد الحياة إلى بيروت، والذي تمرّ هذه الأيام تسع سنوات على رحيله. شكّل هذا الرحيل كارثة على لبنان واللبنانيين وسوريا والسوريين في آن معا.

من رافق الوجود السوري في لبنان يعرف أن هذا النظام لم يتورّع يوما عن قتل كلّ من أعترض على تصرّفاته، أو دعاه إلى التروّي، بدءا بالزعيم الدرزي كمال جنبلاط وصولا إلى رفيق الحريري ورفاقه على رأسهم النائب باسل فليحان. مع فارق أنّ مسلسل الجرائم الذي بدأ بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة قبل أربعة أشهر ونصف الشهر من تفجير موكب الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005، صارت عمليات مشتركة مع من ملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري السوري من الأراضي اللبنانية. هل من حاجة إلى تسمية الأشياء بأسمائها، ما دام كلّ لبناني يعرف من يخفي المتّهمين باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه ويرفض مثولهم أمام المحكمة؟

كانت سياسة النظام السوري تقوم في الماضي على أن الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على اسرائيل. كان احتلال لبنان بديلا من احتلال اسرائيل للجولان. من لديه لبنان لا يسأل عن الجولان، لم تعد من ضرورة لذلك. صار الجولان تجارة لا أكثر ما دام لبنان موجودا وما دام يسمح بإطلاق الشعارات والمزايدات من نوع “المقاومة” و”الممانعة”، وهي شعارات وجد للأسف من يصدّقها من منطلق مذهبي بحت.

مع اندلاع الثورة السورية، صار مطلوبا أكثر من أي وقت تأكيد أن النظام لا يمكن أن يتغيّر لأنّ التغيير يعني زواله. لذلك على النظام أن يلغي شعبه، أكان ذلك بالحصار الذي تتعرّض له المدن الكبيرة أو بالبراميل المتفجّرة لا فارق.. أو عن طريق الاستعانة بالميليشيات المذهبية الآتية من إيران والعراق ولبنان. المهمّ إلغاء الآخر، إلغاء كلّ من ينادي بالحرّية والكرامة وثقافة الحياة ويرفض الطائفية والمذهبية. المهمّ الآن إلغاء الشعب السوري. هل هذا ممكن؟

هل من إنسان لديه ذرة من العقل يتصوّر أن الانتصار على لبنان كان يمكن أن يكون في يوم من الأيّام بديلا من الانتصار على اسرائيل وخطوة على طريق استرجاع الجولان؟ من يتصوّر ذلك، يستطيع أن يتخيّل الآن أن الانتصار على الشعب السوري وعلى مدينة صامدة مثل حمص ممكن.. وأنّه يغني عن الانتصار على اسرائيل.

أكثر ما يثير الحزن حاليا أنّ النظام السوري لا يمكن الاّ أن يتابع عملية تدمير سوريا على رؤوس السوريين. كان على حقّ كلّ من قال منذ اليوم الأوّل لاندلاع الثورة أن هذا النظام غير قابل للإصلاح لأنّ أية خطوة في هذا المجال تعني أن عليه الرحيل. يبدو أنه لا يريد أن يرحل قبل أن يتأكد من رحيل سوريا.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً