هل حل مشكلة سوريا في الحكومة الوسٍعَة؟

_5خير الله خير الله ـ المستقبل:  ما الذي يمكن أن يتغيّر في جنيف بعد الجولة الاخيرة من المفاوضات بين النظام وممثلي الشعب السوري؟ لن يتغيّر شيء. ليس هناك ما يمكن أن يغيّر موقف النظام السوري الذي أخذ المفاوضات الى طريق مسدود. يبدو الانسداد عائدا الى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن النظام قادر على متابعة المجزرة التي يرتكبها في حقّ السوريين من دون عقاب. فعندما يتحدّث نائب وزير الخارجية في النظام السوري، وهو شخص يخجل المرء من ذكر اسمه، عن مفهومه لبيان جنيف-1 الصادر في منتصف العام2012، معتبرا أن المطلوب أوّلا البحث في موضوع الارهاب، فهو يوجّه رسالة. فحوى الرسالة أنّ النظام السوري لا يبحث عن تسوية سياسية تؤدي الى خروج سوريا من مأزقها.

كلّ ما يريده نائب وزير الخارجية، وهو سنّي من درعا يستخدمه النظام من منطلق طائفي لا أكثر، هو كسب الوقت.

كسب الوقت من أجل ماذا؟ هل يعتقد النظام السوري أنه سيكون قادرا على حكم سوريا في المستقبل وكأنّ شيئا لم يكن؟ وكأنّ مقتل ما يزيد على مئتي ألف سوري لا يعني شيئا؟ وكأنّ تدمير منازل السوريين على رؤوس السوريين في كلّ المدن والقرى، بما في ذلك حمص وحماة وحلب ودمشق وادلب ودير الزور ودرعا نفسها، التي لا يستطيع نائب وزير الخارجية العودة اليها، مجرّد «حادث عابر«؟

هل يمكن تسوية النتائج المترتبة على «الحادث العابر« بتشكيل «حكومة موسّعة« يسيرها بشّار الاسد وذلك كجائزة ترضية للسوريين الساعين الى حقيبة وزارية من هنا وأخرى من هناك…

من هذا المنطلق، لا حاجة الى الاستناد الى ما ورد في بيان جنيف-1 ولا الى مفاوضات جنيف-2 ولا حتى الى جنيف-100 من أجل انقاذ سوريا. لا ينقذ سوريا من نظام طائفي يصرّ على تدميرها الاّ تغيير في موازين القوى على الأرض. كلّ ما عدا ذلك دوران في حلقة مقفلة واضاعة للوقت. من اختبر النظام السوري عن قرب في لبنان يدرك جيّدا أن هذا النظام لا يفهم سوى لغة واحدة. اسم هذه اللغة هو القوّة. في غياب تغيير في موازين القوى، سيكون النظام مستعدا للذهاب الى ما لا نهاية في المفاوضات الهادفة الى اغراق الآخرين في التفاصيل بدل الذهاب فورا الى لبّ المشكلة.

يسعى النظام السوري الى الحديث عن «حكومة موسّعة«. يحاول تسويق هذه الفكرة بديلا من «هيئة الحكم الانتقالية التي تتمتع بكلّ الصلاحيات« حسب ما ورد في بيان جنيف-1 الذي انعقد على أساسه جنيف-2. هل مشكلة سوريا في توسيع الحكومة الحالية أم في نظام دموي، تتحكّم به عائلة تنتمي الى أقلّية طائفية، نظام لا شرعية له من أي نوع كان؟ انّه نظام حرم السوريين طوال ما يزيد على اربعة عقود من أي نوع من الحرّية والكرامة. أغرق سوريا بالدمّ. انّه نظام السلاح الكيميائي والبراميل المتفجّرة الذي تاجر، ولا يزال، بلبنان واللبنانيين وفلسطين والفلسطينيين وبكلّ ما تقع يده عليه.

لم يكن لدى هذا النظام أي همّ في يوم من الايّام سوى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة. من أجل السلطة، كان حافظ الاسد على استعداد لقتل عشرات آلاف السوريين واللبنانيين والفلسطينيين. كان مستعدّا حتى للتفرّج على قتل العراقيين خلال الحرب التي خاضها العراق مع ايران والتي ذهب فيها النظام السوري الى النهاية في دعم النظام الايراني من منطلق مذهبي أوّلا واخيرا. هذا لا يعني أن صدّام حسين كان محقّا في خوض تلك الحرب، بل كان على النظام السوري التزام الحياد، أقلّه احتراما للجنود العراقيين الذين استشهدوا دفاعا عن سوريا في حرب تشرين الاوّل- اكتوبر 1973.

سيظلّ النظام السوري يماطل ويماطل. سوريا آخر همّ لديه. ماطل في الانسحاب عسكريا من لبنان منذ خريف العام 1989، تاريخ توقيع اتفاق الطائف حتى ربيع العام 2005 بعدما اغتيل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. رفض باكرا التزام الطائف الذي كان يعني أول ما يعني انسحابه تدريجا من لبنان. لم ينسحب الّا عندما اكتشف أن نصف الشعب اللبناني نزل الى الشارع في الرابع عشر من آذار/ مارس 2005 واتهمه مباشرة باغتيال رفيق الحريري. أدرك أنه لم يعد أمامه سوى الانسحاب. لم تمرّ اسابيع قليلة الا وكان الجيش السوري خارج الاراضي اللبنانية بعد احتلال للبنان استمر ثلاثة عقود.

أجبر اللبنانيون الجيش السوري على الانسحاب. أجبره على ذلك أهل السنّة أولا وكان الى جانبهم المسيحيون والدروز وعدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة.

من دون ضغط مباشر وحقيقي على النظام السوري، ستتابع أبواق النظام في جنيف لعبة اللف والدوران التي تستهدف تجاوز الواقع المتمثّل في أن لا قيمة لأيّ مفاوضات يديرها المبعوث العربي والدولي الاخضر الابراهيمي من دون البحث الجدي في كيفية رحيل النظام. هل من يريد أن يضغط بشكل فعّال، أقلّه من أجل منع النظام من اللجوء الى البراميل المتفجّرة…أم أنّ كل ما تريده الادارة الاميركية الحالية التأكد من أن سوريا التي عرفناها لن تقوم لها قيامة بعد الآن؟

من يحتاج الى أمثلة أخرى، غير لبنان، على أن القوة وحدها، أو مجرّد التهديد بها، تجعل النظام السوري يفاوض يستطيع أن يطرح على نفسه هذين السؤالين: السؤال الاوّل هل كان النظام سلّم تركيا الزعيم الكردي عبدالله أوجلان أواخر العام 1999، لولا التهديد العسكري باجتياح الجيش التركي الاراضي السورية…والخروج من الجولان؟

أمّا السؤال الثاني والاخير فهو الآتي: هل كان النظام سلّم أسلحته الكيميائية الصيف الماضي لولا التهديد الجدّي الاميركي بضربة؟ فور زوال شبح الضربة، باشر النظام المماطلة…عاد الى التمسّك باسلحته الكيميائية.

هذا التصرّف يعطي فكرة أكثر من واضحة عن نظام لا يعرف الّا أن يأخذ…يأخذ حتى أرواح السوريين من اجل أن يضمن بقاء سوريا مزرعة للعائلة لا أكثر!

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً