الدب الروسي الجريح في كييف… أسد في دمشق!

ea27423e8b5d4578adcef46183608e92جورج سمعان ـ  الحياة: الذين راهنوا على احتمال تدخل روسي في أوكرانيا ربما فاتهم أن موسكو اليوم غيرها يوم سحقت «ربيع براغ»، وأن الوضع الدولي اليوم غيره في زمن الحرب الباردة التي سقطت على وقع هزيمة حلف وارسو في وجه حلف شمال الأطلسي الذي لم يتأخر في ضم كثيرين من خصوم الأمس إلى صفوفه. وهو ما يثير حفيظة فلاديمير بوتين الذي شدد وزير خارجيته سيرغي لافروف في أكثر من مناسبة، على أن لا حرب باردة جديدة متوقعة. لا عودة إلى الوراء، لأن روسيا ليست قادرة بعد على رفع التحديات وتكرار تجربة فاشلة. جل ما يريد سيد الكرملين هو أن تستعيد بلاده موقع الند والشراكة في التعامل مع واشنطن والعواصم الأوروبية. كان متوقعاً أن يكون أقدر على الدفاع عن أوكرانيا حديقته الخلفية، دفاعه عن النظام في دمشق، آخر مواقعه في المنطقة. لكن ما حصل أظهر حدود القدرة الروسية. وأظهر أن استخدام القوة لوقف آخر موجة من موجات التخلص من التركة السوفياتية في أوروبا الشرقية، بات أمراً صعباً… إلا إذا اختار الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش المعزول الفار من كييف أن ينطلق من الشرق في مواجهة معارضيه.

بعد هذا التطور، ووقوف المؤسسات العسكرية والأمنية على الحياد، كيف يمكن أن تأخذ الولايات المتحدة على محمل الجد كل ما أشاعته العسكرية الروسية عن الاستعدادات للرد على أي «درع صاروخية» لتطويق البلاد. في حين أن تراجع الرئيس يانوكوفيتش، حليف بوتين، أمام المعارضة ورضوخه لشروطها ومطالبها والتداعيات التي تلت، تشكل تطوراً أخطر من أي «درع» تثير مخاوف روسيا التي كانت، عشية الاتفاق بين طرفي الصراع في كييف، تنادي بسحق ما سمتهم «الانقلابيين». وكان رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف يـحذر حـلفـاءه الأوكـرانيين من أن بلاده لن تتعاون مع «سلطة خانعة». وأن على هذه السلطة الحاكمة أن تكون فاعلة «ولا تداس بالأرجل كأنها ممسحة»! بالطبع الأزمة لم تنته، بل قد تزداد تعقيداً. أوكرانيا على الحدود المباشرة لروسيا مثلما هي أيضاً على الحدود المباشرة لأوروبا.

ربما شكلت تعليقات مدفيديف حافزاً جديداً للنظام في دمشق الذي لم يتأخر بالطبع منذ بداية الأزمة قبل ثلاث سنوات في إثبات رفضه الرضوخ لأي شروط أو مطالب، داخلية أو خارجية. وسيكون طبيعياً أن يزداد تشدد موسكو ووقوفها إلى جانب «أسد دمشق» بعدما خسرت «أسد كييف». ليس هذا وحده مرد المخاوف من تدهور ينذر بإغراق سورية في دورة عنف واسعة. ثمة قلق من تدهور إقليمي بسبب تفاقم الحرب في هذا البلد. فلا يخفى أن اللاعبين في مسرح العمليات كثرٌ. إضافة إلى روسيا والولايات المتحدة، هناك إيران والعراق و «حزب الله» والسعودية وقطر وتركيا والأردن. كل هذه القوى منخرطة بطريقة أو بأخرى في ما يجري في بلاد الـشام كلـها. لذلك، لم يكن مفاجئاً ألا تشهد جولتا «جنيف – 2» أي تقدم يذكر في المفاوضات بين وفدي النظام و «الائتلاف الوطني». وليس مقدراً في المدى المنظور أن يكون حظ الجولة الثالثة المتوقعة منتصف الشهر المقبل، أفضل من الجولتين السابقتين، ما لم يفتح الباب أمام تفاهم شامل لكل هؤلاء اللاعبين الإقليميين والدوليين.

هناك عوامل أخرى تنذر بمزيد من التعقيد. الاستعدادات جاهزة لتسعير الجبهة الجنوبية. أي الانطلاق من درعا التي وحدها يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً للعاصمة والنظام. كانت على الدوام الخاصرة الضعيفة لدمشق. وإلى المعلومات التي تتحدث عن حشد «الجيش الحر» وحدات تدربت على أيدي أميركيين، بعد تعيين رئيس جديد لأركان هذا الجيش والحديث عن أسلحة متقدمة تزود بها وحداته العسكرية، تحركت إيران ميدانياً لإدارة مسرح العمليات على هذه الجبهة أيضاً. وتحريك هذه الجبهة لا يهدف إلى تخفيف الضغط عن جبهة القلمون والهجوم الذي تتعرض له يبرود فحسب، بل إنه يستهدف ممارسة ضغط ميداني على النظام ليسلّم في أية مفاوضات مقبلة بوجوب تقديم تنازلات بدل مواصلة كسب الوقت، تارة بتأخير تسليم ترسانته الكيماوية، وتارة أخرى بالإصرار على البحث في مكافحة الإرهاب أولوية لا يتقدم عليها أي بند في مقررات «جنيف – 1». والواقع أن يبرود قد تصمد أكثر مما يوحي بعض التقارير، نظراً إلى موقعها الجغرافي الصعب. لذلك، يتحدث بعض دوائر النظام عن السعي إلى الاكتفاء بمحاصرة المدينة، وترك بعض المعابر مفتوحة لإفراغها من السكان أو حتى من مجموعات مـسـلحة. لـكـن حـتى هذا الأمر سيستغرق وقتاً تكون في هذه الأثناء جـبهة درعـا قد تحركـت على وقـع خـيارات أمـيركية مختلـفة ومـقاربـة جـديـدة للتعامل مع الأزمة. والهدف لـيـس الضـغـط على النظـام فحـسب، بـل عـلـى روســيـا أيـضاً التي كانت العائق الأساس والأكـثر تـشدداً من دمشـق في جولتي جنيف الأخـيـرتـيـن، وهي تراقب ما يجري في أوكرانيا.

وتكشف موافقة روسيا على القرار الجديد لمجلس الأمن بخصوص إيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين والمشردين حراجة الموقف الذي يطوقها على هذا الصعيد. فهي تدرك أن تدهور الأوضاع الإنسانية قد ينتهي بتأليب الرأي العام على مواقفها. والأخطر ممارسة الشارع الغربي ضغوطاً على حكوماته من أجل تجاوز تحفظاتها عن الانخراط الميداني في الأزمة. أي أن ثمة دوائر تخشى تجاوز الخيارات الأميركية والأوروبية تقديم أسلحة تتيح لفصائل المعارضة الصمود وتهديد مواقع النظام، إلى نوع من أنواع التدخل، مثل إقامة مناطق حظر جوي. وخطوة من هذا النوع ربما جرت إلى تدخل عسكري لمواجهة الترسانة الجوية للنظام. ولا شك في أن تلكؤ دمشق في الوفاء بالتزاماتها الخاصة بتدمير الأسلحة الكيماوية يشكل أيضاً عاملاً إضافياً للتهديد بتدخل عسكري ما.

تشي أزمتا أوكرانيا وسورية بأن اتفاق أميركا وروسيا على معالجة قضايا الأمن الاستراتيجي وبناء النظام الدولي الجديد لم تتضح معالمه بعد. أو هو يواجه قضايا خلافية شائكة. لو أنجز مثل هذا الاتفاق لكان شمل بالتأكيد قضايا إقليمية مشتعلة كثيرة، من سورية إلى أوكرانيا وكوريا الشمالية وغيرها. لم تتفق واشنطن وموسكو على وسائل وأدوات تنظيم العلاقات وإدارة الخلاف في المسائل الاستراتيجية التي تمس الأمن الوطني لكلا الطرفين. فلا الإدارة صرفت النظر عن «الدرع الصاروخية» في بلدان الـ «ناتو»، والتي ترى إليها روسيا تهديداً لها يمعن في تطويقها، ولا كف الكرملين عن مطالبة إدارة الرئيس أوباما بتفكيك ترسانتها الصاروخية في أوروبا وإعادة النظر في خططها العسكرية في القارة العجوز.

صحيح أن روسيا لا يمكنها مجاراة القوة العسكرية الأميركية لكنها قادرة على الإعاقة وتعطيل التسويات والحلول، وبالتالي إلحاق الضرر بكثير من مصالح الغرب. وبلا شك كان مرد التأخير في انعقاد مؤتمر «جنيف – 2» وتـعـثـره خـير دليل على غياب اتفاق الدولتين الكبريين.

والواقع أن الرئيس الأميركي وجه في الشهور الأخيرة انتقادات إلى نظيره الروسي. لاحظ عودة خطاب موسكو «المعادي» للأميركيين. ودعا الرئيس فلاديمير بـوتـين إلى «الـسـير قـدماً بـدلاً مـن العـودة إلى الوراء». كان واضحاً منذ عودة بـوتيـن إلـى الكرملين في ولايتـه الـثالثة، أن العلاقات بين الطرفين لم تواصل التـقـدم الذي شـهدتـه ولاية الرئيس السـابق ديميتري مدفيديف. لا يعني هذا أن الطرفين سيذهبان إلى مواجهة حتمية، أو حرب باردة جديدة.

وتشكل الأزمة السورية اختباراً لمدى قدرة الطرفين، ومعهما إيران، على التفاهم وإيجاد حل سياسي. وبرهنت الأحداث أن الأطراف الثلاثة تلتقي في الحرص على منع انهيار المؤسسات وسقوط البلاد في الفوضى الكاملة، ومحاربة قوى التطرف. ولعبت كل من موسكو وطهران دوراً مؤثراً، فضلاً عن التلويح الأميركي بالضربة العسكرية، في دفع النظام إلى التسليم بتدمير ترسانته الكيماوية. لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام التسوية النهائية. روسيا ستبدي مزيداً من التشدد بعد أحداث كييف، من أجل بقاء مفتاح الحل بيدها ما دام أنه يوفر لها موقعاً ندياً في مواجهة أميركا يمكن أن تقايض به في ملفات أخرى. كما أن الجمهورية الإسلامية ستـظل تتمـســك بالورقة السورية لاستخدامها في الوقت المناسب كلما تقدم الحوار أو تأخر مع الدول الست الكبرى في شأن مصير برنامجها النووي.

وستـكون بلا شـك مستعدة، إذا أثمر الحوار، لترجمة رغبتها في أداء دور فعال وإيجابي في القضايا الدولية، وفي مقدمها مستقبل دورها ومصالحها في الإقليم. ويشكل مستقبل الوضع في أفغانستان هاجساً للأطراف الثلاثة يدفعها إلى التنسيق لملء الفراغ الذي سيخلفه الانـسـحاب الأميركي والأطـلسـي من هذا البلد… وإلا تـحول هذا الانسحاب إلى لغم سياسي وأمني كبير يـهدد مستقبل آسيا الوسطى بأكملها. ولن تكون أميركا وروسيا وإيران بعيدة من شظاياه.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً