مصطفى تاج الدين موسى: قصصنا المسربة… ليست مجسمات قطرية

الروائي السوري باسم سليمان:      دمشق لازالت على “قيد الثقافة”

الأدب الآن تخلى عن روية التفكير ودخل بورصة السياسية

نحن الآن أمام “ديكتاتوريات أدبية” بقدر ما كنا أمام ديكتاتوريات سياسية

 888

  جوان سوز- بناة المستقبل

هو روائيٌ يمتلك ناصية القلم، يكتب وخلفه التفجيرات الإرهابية وقذائف الهاون، إلا أنك عندما تسأله “ألم يحن وقت الرحيل؟” يفاجئك بقوله: “أنا لستُ خائنًا، والهجرة خيانة”.. استطاع بلغته القوية أن يُبحر في أمواجٍ عاتية، كان الهم العام فيها هو ما يسود العالم العربي من اضطرابات وخصوصَا سوريا التى وصف الوضع بها في حواره معنا بأنه “أقرب لجريمة في قطار الشرق السريع، الجميع طعنها وبدأ بعدها البحث عن القاتل!”.. هو الروائي السوري “باسم سليمان”، الذي ينتظر طرح روايته الجديدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب (الذي ينعقد في الفترة من 22 يناير وحتى 6 فبراير)..

*في البداية، حدثنا عن روايتك الجديدة “نوكيا” والتي من المقرر طرحها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

-لنقل أن رواية “نوكيا” مكرٌ عن سيرة عبر سردية، فالشخصية الرئيس فيها يُدعى”باسم”.. فهل من صحة القول: إنه سرد ما بعد القص؟، سأترك السؤال معلقاً؛ منتظراً إدانة القارئ.. لكن لنتم القول: “نوكيا” رواية عن إنجاز التبادل المستحيل الذي تكلم عنه “جان بورديار”، بعد تهشم الواقع وما بعده، فهل ينجينا التخيل كما عرفه “جنيت” أو ينجينا العالم الافتراضي  “السايبري”، فإذا كان وجودنا ابتدأ بخطيئة فما هي الخطيئة الثانية التي نجب بها الخطيئة الأولى؟!.

*وماذا عن أعمالك السابقة؟

-بالنسبة لأعمالي المنقضية، فاعتبر ديوان “تشكيل أول” هو أخطائي دون “تصحيف”، وأرى أن مجموعتي القصصية الأولى “تماماً قبلة” تتمثل في كتابة قصة أُحبها، أي كيف أحب السرد القصصي، ويأتي بعد ذلك ديوان “لم أمسس”، وفيه أصبحت أكثر مكراً وخداعاً، حيث صارت الدلالة “حرباء” في شجرة الدوال، ولجهة المجموعة القصصية “لسان الضفدع” للعنوان فيها ما يومئ إلى ذبابها.

*لماذا تعاملت مع دار نشر مصرية وليست سورية في روايتك “نوكيا”؟

– الجرأة في روايتي جعلت بعض الدور “تتعلل”، وكان ذلك في دور للنشر خارج سوريا، وحدث أني تعرفت على دار ليليت المصرية للنشر، ومديرتها الأستاذة إيمان سعيد وأبدت تجاوباً ودعماً كبيرين، وهكذا وقع الاتفاق.

في حين طموح أي كاتب الانتشار ووصول كتابته وخاصة للذين يتحدثون معه ذات اللغة، تشكل دافعاً للاغتراب بمعناه الإيجابي كما قال أبو تمام: “وطول مقام المرء بالحي مخلق.. لديباجتيه فاغترب تتجدد”.. النشر بالدور المصرية، سيكون “دافعة أرخميدس” لروايتي “نوكيا” وهذه من الأسباب غير المباشرة.

*كتبت الرواية في واقع سياسي واجتماعي وثقافي “صعب”.. ما تأثير ذلك الواقع على مسار الأحداث وعلى لغتك وشخوصك؟

-عليك أن تجد مرصداً ثابتاً في الكون لتراه يتوسع وفق تداعيات نظرية النشأة “الانفجار الكبير”، وهذا مستحيل عملياً؛ لذلك لم أمارس الربا في روايتي الجديدة مستغلاً الوضع في سوريا.. فمن المستحيل الكتابة وسط الإعصار إلا انطباعات آنية هشّة تزيف وتلعب لعبة التاريخ القذرة التي تتجلى “التاريخ يكتبه المنتصر”، لذلك أجد الروايات التي قاربت الوضع في سوريا وأطلعت على العديد منها، هي أقرب لروايات تصفية الحساب وهذا ما أرفضه، وإن تجلبب بعضها بفنية عالية ووافقت سوق الأدب السياسي، فإذا كانت اللغة هي ممارسة لتقية بشكل تجريدي لاستحضار الوجود وهي استمرت طويلاً في الزمن من انتهاء التطور في الجهاز الصوتي للإنسان واكتشافه الكتابة إلى الآن، فأنا استغرب قدرة كاتب ما على أن يتجرأ وأن يكتب عن الإعصار وهو في عينه، هذا “ربا أدبي” وأنا لا أمارسه، بكل بساطة أقول: إن نوكيا تقف على حافة  بدء الأحداث، الصمت قبل الإعصار.

روية التفكير

*هل تعتقد أن يُسهم “المشهد العربي المضطرب الآن في عدد من الدول” في تقليص دور المثقفين لحساب الساسة؟

-أعتقد أن الأدب، في لحظته الراهنة، كمن يبع السمك في البحر، قبل رمي الشباك أو الصنانير وانتظار ما تغل من ثمار البحر.

الذي يبدو أن المرابين في الأدب يستخدمون “أصابع الديناميت” لصيد السمك الأدبي السياسي، وخاصة المتكلمين عن ما يحدث مدعيين رؤية ورؤيا وكأنهم محللون سياسيون يقبضون من جهة ما، وكما يحدث في الحروب من ظهور أمراء حرب وأغنياء من العدم، وانتهاء آخرين وتكريس البعض أكثر عبر تسنمهم موقفاً سياسياً مع طرف أو آخر، الآن نرى ذلك أدبياً.

الأدب الآن تخلى عن روية التفكير ودخل بورصة السياسية، وإن قدر للنقد يوماً أن يقول كلمته، سيصف أدب الثورات العربية بأنه أقرب لبيت ابن سودون : “عجب، عجب، عجب.. بقرة تمشي ولها ذنب”، وهذا ليس يعني الانتقاص من حركة الشعوب العفوية التي للأسف ركبت سريعاً من الخارج والداخل من مرتزقة سياسة وفكر وأدب.

*انخرطت قامات ثقافية في العمل السياسي، خاصة عقب ما يُسمى بـ”الربيع العربي”، كيف تنظر لتلك الظاهرة؟

-الأس الوجودي لهذا، منطق يعود لمقولة “المثقف العضوي” والتي هي مقولة سياسية بامتياز، لكن، أليس ذلك عودة للأدلجة حتى لو كانت باسم الثورات، فهل يعني هذا أن يتخلى المثقف عن دوره لكي لا ندخل بالأدلجة السياسية؟.. أعتقد أن وظيفة المثقف تكمن في الحياد الإيجابي والنقد الحقيقي، فهل ما فعله المثقف العربي يندرج ضمن ذلك؟ اعتقد أن الكثير من المثقفين العرب انحدروا لمستوى أمراء الحروب الأدبية وبدأوا عملية تخوين، فهل يعدم “سعدي يوسف” أدبياً؛ لأنه انتقد الربيع العربي؟.. وهل يُصفى دم “أدونيس” من جديد؟، وماذا عن الكتاب الأسود في تونس الذي ذهب إلى حد المثقفين؟.. نحن الآن أمام “ديكتاتوريات أدبية” بقدر ما كنا أمام ديكتاتوريات سياسية.

*بعيدًا عن بحار الأدب، كيف ترى الوضع حاليا في سوريا؟

-تزرع الأشجار لحماية التربة من الانجراف، لكن التربة السورية مثلها مثل الترب العربية، مصابة بالتعرية والحت لأسباب كثيرة، ليس أولها الديكتاتوريات، وعندما حدث السيل انهارت هذه التربة، وانهارت بسرعة أكبر على الصعيد الفكري والثقافي، حيث تبدو ما اصطلح على تسميته بالنهضة العربية كحديث خرافة.

الوضع في سوريا أقرب لجريمة في قطار الشرق السريع الجميع طعن سوريا وبدأ بعدها البحث عن القاتل!.. واعتقد هذا يكفي كتوصيف. أما لجهة القوى العربية والدولية، جميعها تنطلق من منطلق المصالح السياسية، وهذه لا يعول عليها مهما بدت مصطبغة بالرداء الإنساني.

*قلتُ سابقًا أن “دمشق لازالت على قيد الثقافة”.. فسر لنا ذلك؟ وما طبيعة المشهد الثقافي حاليًا في سوريا رغم كل ما تعانيه من أزمات؟

-النشاط الثقافي مازال قائماً، مسرحيات أفلام وإصدارات للكتب وأمسيات ثقافية وملتقيات ثقافية لم تتوقف، لقد اختارت دمشق البقاء على قيد الثقافة رغم التفجيرات الإرهابية وقذائف الهاون، ومن لم يعش بدمشق خلال هذه الفترة الممتدة إلى الآن منذ ثلاث سنوات لن يدرك معنى أن هناك مسرحاً مازلت ستارته تفتح وأن هناك فيلما يعرض وأن هناك أناساً رغم الأوضاع الأمنية تذهب لتستمع لكلمة أدبية.

*وهل قصدت بأعمالك وضع حلول للمشهد السوري؟

-من ناحية حافظتُ قدر الإمكان ألا أنجرف في واقع لا يعلو صوتٌ فيه على صوت المعركة، ولجهة الحلول لا أعتقد من الممكن تقديم حل، فالحل الوحيد هو صيرورة التراكم؛ القاعدة الذهبية عبر التاريخ ومن يشذ عنها بحلول ثورية حدية لن يغير شيئاً، السخرية تكمن بأنك تريد تغيير واقع بأفكار تعود لقرن مضى لقد سبق الواقع مفهوم الثورات ومن ناحية أخرى أحضر الأسس المعقولة لمرصدٍ إلى حد ما ثابت لكي أقارب الوضع العاصف في سوريا.

*أدباءٌ ومواطنون لاذوا بالهرب مُهاجرين خارج سوريا، ألا تفكر في مثل ذلك القرار؟

-كل هجرة، ليس الوطن مقصدها هي خيانة، وأنا لست خائنا.

*أنت تعشق سوريا إلى حد أن استوطنتك..

-العلاقة بالأوطان عادة ما تكون كحالة التوأمة السيامية وما بين صيرورة المواطن وسيرورة الوطن، قد يُضحى بأحد الطرفين لينجو الآخر وأظن وبعض الظن أثم، من الجميل أن ترتكبه لأجل مفهوم الوطن: إني في كتابتي أسعى لأن تنجح عملية الفصل وبقاء الوطن والمواطن.

*وهل من إبداع جديد لك؟

-هناك ديوان جديد اسمه “طَلْع السراب” سيصدر قريبا، وآخر انتهيت منه بعتبة عنوانية “ما القمر إلا قطعة نقدٍ سقطتْ من مال الله، أرميه مقامراً، أهو حضور أمْ غيابْ؟ فيأتي نقشُه وجهَكِ”.

*ANA.PRESS

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً