كلفة «وهم» الانتصار في سورية

 fda4bb20f76649df89f702859a73dd44وليد شقير ـ الحياة: «سيتعيّن علينا أن نبذل جهداً فائقاً من أجل أن نحيّد لبنان عن التداعيات الأمنية للحرب الدائرة في سورية ومنع امتدادها إليه».

بهذه العبارة لخص سفير إحدى الدول الكبرى في بيروت قبل زهاء سنة سياسة المجتمع الدولي في لبنان، غداة إعلان الأمين العام لـ «حزب الله» في شهر نيسان (ابريل) الماضي دخول الحزب رسمياً المعارك في سورية. بدا السفير حذراً حيال مدى قدرة الدول الكبرى على تحقيق هذا الهدف. ولعل هذا الحذر ما زال قائماً الآن مع انتهاء أعمال اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان.

والحذر طبيعي عند هذه الدول لمجرد أن الحرب السورية مستمرة في أبشع صورها وسط ما يعتبره معظم الديبلوماسيين الأجانب في لبنان «وهماً» عند النظام السوري ورأسه بأنه قادر على تحقيق انتصار على معارضيه.

ومع ذلك، فإن المراهنة على قدر من التحييد للساحة اللبنانية تعود الى استمرار التوافق الغربي – العربي – الروسي – الإيراني على عدم انتقال المعارك الى لبنان.

انعقاد مؤتمر باريس لدعم لبنان دليل على أن هذا التوافق الدولي ما زال قائماً وأن همه أن يبقى لبنان واقفاً على رجليه وألا تفرغ مؤسساته بالتوازي مع تقويض المؤسسات في سورية. إلا أن المؤتمر يُعقد في ظروف فائقة الصعوبة في ظل اقتناع قادة الدول المشاركة فيه، مثل اقتناع اللبنانيين، بأن مساعدة لبنان الفعلية تتم بحل سياسي للأزمة السورية. وهو أمر متعثر بل يبدو بعيداً لأن اجتماعات جنيف – 2 الأخيرة انتهت الى فشل، مع توقعات بأن معاودتها بين النظام والمعارضة ستأخذ أشهراً، بعد الإخفاق في إقامة هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات تشرف على العملية السياسية.

هذا الواقع خفّف من طموحات المجموعة الدولية الداعمة للبنان من محاولة «احتواء» تداعيات الأزمة السورية على أرضه، الى محاولة خفض نسبة الأضرار والخسائر التي سيصاب بها نتيجة تصاعد الأزمة، التي ستنتج مزيداً من تدفق النازحين إليه، وبالتالي مضاعفة أعبائه الاقتصادية، والانعكاسات الأمنية. فوهم الانتصار عند النظام سيقود الى كلفة أكبر على سورية نفسها، وبالتالي على لبنان. وعلى رغم التوافق الغربي مع موسكو وطهران على حفظ الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان فإنهما لا تساعدان كثيراً في مواجهة أوهام النظام بالتفوق في سورية، وهما وقعتا في ما وقع فيه خصومهما عندما توهموا بقدرة المعارضة على الانتصار ضد النظام بالقوة.

هناك اقتناع راسخ لدى الدول الغربية بأن الأشهر المقبلة هي المدى الزمني لاختبار خيبة الأمل في المقلب الآخر، أي عند النظام نفسه وروسيا وإيران و «حزب الله»، بقدرتهم جميعاً على الانتصار ضد المعارضة السورية، فالدول الغربية تعي ذلك لأنها تنوي تقديم المساعدات للمعارضة بما يسمح لها بالصمود لمنع النظام من سحقها ومن دون أن تتمكن من التفوق على النظام في المقابل. والمدى الزمني لهذا الاختبار الجديد هو الأشهر الستة المقبلة، والتي ستمتد على الأرجح الى ما بعد مرور الاستحقاق الرئاسي السوري حيث يتوقع أن يترشح الرئيس بشار الأسد ويفوز في انتخابات مزورة وأن يفشل في إيهام «الرأي العام» الدولي بأنه استطاع أن يربح المنصب بعد منافسة ولو صورية. فالتفتيش جارٍ عن مرشح منافس له صفة «المعارض»، بعدما أحجم أي من الوجوه المعارضة عن الاشتراك في المسرحية.

وفي الانتظار قد تنجح قوات النظام في احتلال منطقة يبرود، بعد جهد مضن، وتكبّد خسائر كبرى في الأرواح وفي المنشآت سواء كان ذلك بين السوريين أو بين مقاتلي «حزب الله». وستكون الكلفة عالية جداً، لأنها ستطلق مرحلة جديدة من الكراهية بين السوريين وستحفز المعارضة على الانتقام وتدشن لحقبة جديدة من الصراع العسكري، تجعل الأسد عاجزاً عن حماية الأقلية العلوية، فضلاً عن الأقليات الأخرى أيضاً، في شكل يفقده كل ادعاءاته. وهذا كله سيرتب إنعكاسات أمنية إضافية على لبنان ومزيداً من الإرهاب وتصاعد العمليات ضد مناطق الحزب ونفوذ إيران فيه. وسيكون للبنان نصيبه من تلك الكلفة العالية أيضاً. ليزيد ذلك من خيبة الأمل عند الحزب وطهران حيال «وهم» الانتصار الذي يتحكم بهما وبجمهورهما، مثلما سبق أن تحكم بخصومهما في السابق. وثمة من يسأل: هل تدرك طهران أن تلك الانعكاسات الأمنية للحرب في سورية على لبنان، باتت تفرض على سفيرها في بيروت حذراً في تحركاته قياساً الى تحركات نظرائه الغربيين، والسفير الأميركي بينهم، في الأشهر الأخيرة؟ وكيف سيكون عليه هذا الحذر في الأشهر المقبلة إذا استمرت مشاركة إيران و «حزب الله» في الحرب السورية؟

مواجهة الكلفة العالية لاستمرار الحرب على سورية، في لبنان، هي المبرر الأساسي لقيام المجموعة الدولية بدعم لبنان. وإذا كان همها خفض الخسائر فهل إيران و «حزب الله» وروسيا معهما يمكنها المساعدة في ذلك؟

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً