د. رياض نعسان أغا: رواية تحت الرماد 2

رياض

رواية تخت الرماد- الفصل الأول 2

أوشكت الطائرة الكندية أن تهبط في مطار بيروت، وكانت عينا ميساء تتأملان من نافذة الطائرة ذاك الفضاء الرحب الممتد بين سورية ولبنان ، لقد زارت بيروت بعد انتهاء الحرب التي دمرت كل شيء في لبنان ، ورأت كيف تحولت بيروت إلى مدينة للدمار والخراب، ورغم كونها بنت مسؤول سوري كبير، فقد شعرت يومها بضيق من أولئك الجنود الذين يقطعون الطرقات ويوقفون السيارات ويطلبون الهويات، وخلفهم العلم السوري يرفرف على سارية تهزها الريح وتشك أن ترديها ، وقالت في نفسها ماذا سيكون شعوري إذن لو أنني مواطنة لبنانية  عادية ؟ ضاقت نفس ميساء واعترتها رغبة بالبكاء (أتراها سترى اليوم  دمشق مقطعة الأوصال بالحواجز والدوريات العسكرية كما رأت بيروت من قبل؟).

لم يستطع مازن أن يرافق زوجته ميساء في رحلة الأحزان إلى دمشق ، فهو يخشى أن يقبضوا عليه حتى في مطار بيروت، ولكنه لن يترك زوجته وحيدة أمام أب يحتضر وشقيق معتقل ، توجه إلى استامبول ليأتي منها إلى جنوب تركيا ويعبر( باب الهوى) إلى سورية آملاً أن يتسلل إلى دمشق في مغامرة أخرى.

بكت ميساء طويلاً وهي تضم أباها الذي تحول فجأة إلى تمثال من شمع ، ولكنه يكاد يذوب ، ودمعتان ساخنتان تحومان في مقلتيه وهو يتمتم بأسى ( يريدون مني أن أظهر على التلفزيون وأقول إن عصابات مسلحة غررت بابني ، يتهمونه  بأنه كان يحمل سلاحاً ) تصرخ ميساء ( مستحيل ، هذا كذب ، لاتظهر على التلفزيون  يا أبي ، إنهم يريدون ابتزازك ).

                                             ***

لم يستطع حسان أن يتابع حديث أستاذه ماجد على شاشة التلفزيون وهو يراه يبحث عن الكلمات متلكئاً في حديثه المضطرب  ، وهو الذي أمضى حياته خطيباً مفوهاً ومحدثاً بارعاً ، وأما رجاء فقد غامت الدموع في عينيها وهي تتمتم بحزن ( كان عليه ألا يظهر ) أطرق حسان وقال بصوت مذعن ( إنه ابنه يا رجاء ) .

قالت  رجاء : تعلم أن أبي  تخلى عن أخي سامر وهو وحيده ، ودفع حياته ثمناً للحقيقة . نظر حسان إليها نظرة عميقة تحمل عناء السنين ، وقال : أبوك رجل لاتكرره السنون ، لامجال لأية مقارنة بينه وبين ماجد رغم حبي لماجد .

                                  ***

كان سامر شقيق رجاء الذي لم تره من سنين طويلة  يتابع حديث ماجد عن ابنه المتورط على شاشة التلفزيون ،  ويدرك في أعماقه أنه يكذب ، لقد عرف ماجد عن قرب يوم كان أستاذاً للفلسفة في الثانوية التي كان أبوه راضي  مديراً لها ، ولم يحاول قط أن يراه ثانية ، كيلا يرى حسان زوج أخته الذي تحداه وتحدى صديقه نادر الراعي  ، وتحول من أجير عند نجار إلى رجل دولة وإن كان قد بقي في ظل ماجد.

أغلق سامر  التلفزيون ومضى إلى غرفته وارتمى على سريره ، ولم يدر كم ساعة أمضى من الليل وهو يتقلب على جمر أفكاره  التي بدأت تجتر العمر كله.

أحس أن السماء باتت قريبة منه  وأنه يوشك أن يصل إلى سدرة المنتهى ، لكن قدميه المتعبتين لا تقويان على حمله فإذا هو يسقط في هاوية سحيقة ، مد يديه ضارعاً يدعو لنفسه بالموت السريع ، تمنى لو أن لديه القدرة على إنهاء حياته بنفسه ، لكنه يعجز عن مبادرة الموت المرعب ، فجأة تسمر  أمامه أبوه راضي   ثاقب النظرة ، ودوى صوته في أعماق وجدانه ، وهو يتلو بخشوع وغضب  ( يا نوح إنه ليس من أهلك ، إنه عمل غير صالح )  مد سامر يده المتوسلة ليمسك بجبة أبيه الفضفاضة ، و نادى بصوت واهن لاهث   ( أتوسل إليك أن تغفر لي )  لكن يد سامر  لم تمسك سوى الوهم الذي يلاحقه منذ سنين ، تبددت صورة راضي ، وأفاقت هناء على الصوت الذي انبعث أنيناً من غرفة سامر ، فتحت الباب بأناة ، واقتربت من جسد سامر المسجى على السرير كأنه جثة هامدة  ، جست رأسه البارد بكفها اليابسة ، كان سامر قد أغمض عينيه ، وأشاح بوجهه عنها ، ولم يجب عن سؤالها المتلهف ( سامر ما بك ؟ هل ناديتني ) أحست هناء بالرعب خشية أن يكون قد مات ، صرخت بصوت واهن : سامر ما بك ؟ التفت إليها بنظرة جامدة ، توشك أن تنطق بما في جوفه من غثيان يود أن ينفث فيه سم حياته في وجهها الشاحب ، أتراها تعرف أنها كبرى خطاياه ، أم تراها تترقب موته لكي تدفن خطيئتها معه ؟  هدأ روع هناء وتجاهلت تفسير نظرته ، وقالت بصوت مضطرب : هل تريد حبة منوم ؟ أجاب بصوت ناحل : لا أريد شيئاً ، عودي إلى سريرك .

لم تنم هناء في فراشه منذ عام ونيف ، أدركت أنها أصبحت عبئاً عليه ، فهمت الأمر وهناً وضعفاً جسدياً ، لأنها لا تريد أن تفهم أن الذي جف في أعماق زوجها هو الإحساس والشعور بأنها رفيقة الدرب وشقيقة الروح ، خرجت من الغرفة جامدة الأحاسيس ، وعادت إلى سريرها قلقة  ترسم صورة النهاية القاتمة ،  وهي تواجه حقيقة كونها تجاوزت الخمسين منذ سنين ، ولم يعد في الحقل غير الحطب اليابس ، خشيت أن يكون سامر ماضياً إلى الموت قبلها ، لكنها لا تريد أن تمضي إليه قبله .

انسل إلى أعماق سامر صوت المؤذن لصلاة الفجر ، أحس كأنه يسمع الأذان لأول مرة ، غالب شعوره بالوهن ، ونهض من سريره يتثاقل في مشيته ، ارتدى ملابسه دون أن يتوقف أمام المرآة التي بات يكره حقيقة ما تعكس ، ومضى لا يدري إلى أين  .

سمعت هناء صوت باب المنزل يغلق ، هرعت من غرفتها نحو الباب ، لكن سامر اندس في المصعد ، ساورها قلق مرعب ، إلى أين يمضي وهو لا يقوى على حمل جسده ، فكرت أن تلحق به ، لكنه سيمضي بعيداً قبل أن ترتدي ملابسها ، هل تتصل بابنها راضي فتخبره أن أباه غادر المنزل فجأة قبل أن يطلع النهار ، أين سيبحث راضي عن أبيه ؟ ستزعج ابنها مقابل لاشيء ، ومادام سامر لا يهتم لقلقها عليه ، فعلام تقلق ؟ هرعت إلى النافذة فرأت سيارة سامر تتحرك ، ما هذه الحماقة ؟ سيقود سيارته وهو لا يملك أن يحرك جسده .

صلى سامر مقلداً المصلين ، فقد نسي تعاليم الصلاة وطقوسها ، فهو لم يدخل المسجد مذ كان طفلاً يصطحبه أبوه إلى صلاة الفجر أو العشاء في شهر رمضان ، لكنه لم ينصرف مع المصلين حين انتهوا ، فقد توقف ينتظر الإمام وقد فاجأه أن يجد الشيخ شاباً ، وكان يحسب أنه سيرى رجلاً طاعناً أشبعته السنون حكمة بوسعه أن ينهل منها شفاء لمأساته ، وقد أدرك الشيخ الشاب أن لدى صاحب الوجه الشاحب المريض سؤالاً يود طرحه في عزلة عن الناس ، فاقترب منه بنظرة حانية مشفقة ، ولم يترك له سامر أن يبادره فقد باغته بقوله : لم أتوقع أن أرى إمام المسجد شاباً حديث السن ، ضحك الإمام الشاب وقال : لقد تخرجت هذا العام من كلية الشريعة ، وأنا خطيب هذا المسجد وإمامه ، قال سامر : حسناً فهل بوسعي أن أسألك في أمر خاص ، تبسم الشاب وقال ، أرجو أن يكون بوسعي أن أجيبك . تأمل  الفتى شحوب سامر  بلطف وادع  وأردف : أراك متعباً والخير أن تجلس ، وسرعان ما أطلق سامر نفثات روحه المعذبة ، كأنه يعترف بخطاياه في حضرة كاهن ، ولكنه توقف وقد تذكر قول فولتير لكاهنه ، أرني أوراق اعتمادك يا سيدي ، وكأن الفتى الشيخ فهم ما يدور في نفس سامر حين توقف عن البوح ، فبادره  بأدب جم قائلاً : احتفظ بأسرارك يا سيدي ، وحسبك أن تعلن توبتك أمام الله عن ما وقعت به من أخطاء . قال سامر بصوت تختنق فيه آهات وجدانه : حقاً أريد أن أتوب إلى الله ، لكنني لا أدري ماذا علي أن أفعل ، أيكفي أن أعود إلى الصلاة ، أم تنصحني بالذهاب إلى الحج ؟ لعلي  أغتسل من ذنوبي في بيت الله ، قال الشيخ الفتى وهو يغوص في عيني سامر كأنه يريد أن يتفرس عمق الخطايا التي  تدفعه إلى هذا البوح :  هون علي يا سيدي ، ولا تعترف أمامي بشيء من خطاياك فقد تكون فيها أسرار الناس ، وقد أمرنا الله بالستر ، حسبك أن تراجع نفسك وأن تعترف بذنوبك  أمام وجدانك ، وحسبك أن تصدق الله في توبتك ، ولكن عليك أن تعلم أن من شروط التوبة أن تعيد لكل  صاحب حق حقه ، وأما حق الله فأرجو أن يسامحك الله به إن كنت صادقاً في توبتك  .

قاد سامر سيارته بهدوء فهو يدرك أنه لا يسيطر على ذهنه الذي بات مشغولاً بما قال الشيخ الفتى ، ولم يكن ما قاله جديداً على سامر ، فهو محام يعرف القانون جيداً ، يدرك الفارق بين الحق الشخصي وبين الحق العام ، ويعرف أن قرارات العفو لا تشمل الحقوق الشخصية ، لكنها قد تتنازل عن الحق العام بمرسوم رئاسي .

سأل نفسه في مواجهة حادة ، أهو جاد حقاً في إعادة الحقوق إلى أصحابها ؟ أيملك أن يتخذ مثل هذا القرار الصعب فيفضح نفسه ، ويحدث ثورة عارمة في بيته لن تطيقها زوجته المستبدة هناء ، تلك التي لم يذق طعم الهناء معها يوماً قط .  

كانت الشمس ترسل أشعتها لتغمر الكون بالضياء الذي أحس كأن يغمر روحه القلقة ، ووجد نفسه يهتف ، أشرقت شمس الحقيقة ، لن أتراجع لحظة ولن أضعف ، سأعيد لكل صاحب حق حقه ، كفى  غرقاً في وحل الفساد ، كفى إذعاناً للوحش الكامن في الأعماق ، لن يقبل الله توبتي ما لم أرجع الحق إلى نصابه ، سأفعل ذلك مهما كان الثمن غالياً ومكلفاً وعسيراً .هاهوذا الشعب كله ينهض من غفوته ، وهاهي ذي الحناجر التي تعلمت الصمت عقوداً تثور على صمتها ويدوي صوتها مطالبة بحقوقها ، هاي ذي الأمة كلها تفيق من سبات طويل ، ويلك يا سامر أيكون البوعزيزي أقدر منك على مواجهة الموت وهو مجرد بائع  متجول ؟

كان سامر أبرع محام عرفته المدينة ، ولقد حصل لكثير من المجرمين على صكوك براءة من جرائم ارتكبوها وأذعن لحججه عتاة القضاة والمحامين  ، لكنه اليوم لا يملك أن يحصل على صك براءة لنفسه ، فهو يعرف الحقيقة التي طالما حجبها عن القضاة ببراعة ودهاء وخدع كان يفتن في اختراعها لدرجة أنه كان يتلقى التهاني من زملائه ومن موكليه على براعته في جعل الباطل حقاً ، وفي تقديم الحق على أنه باطل ، هكذا فهم مهنة المحاماة ، أن تنتصر لموكلك وأن تحصل له على البراءة حتى لو كنت مقتنعاً بأنه مجرم ، لكن سامر يجد نفسه لأول مرة يمثل ثلاثة أدوار ، إنه المجرم الذي يبحث عن صك براءة ، وهو المحامي الذي يخترع الأحابيل والأكاذيب ليبرئ موكله ، ولكن الدور الأهم هو القاضي الذي لبس فجأة ثوب النزاهة والصدق وهو يعرف كل أسرار الحقيقة .

نعم  ، أشرقت شمس الحقيقة ، فهل سترضى روحك وتطمئن وأنت في قبرك  يا شيخ راضي ؟ هل ستأتيني في الرؤيا وتقول لقد غفرت لك ، وحسبك ما تعاني من آلام السرطان التي تفتك بجسدك،  ومن آلام الضمير الذي استيقظ قبل أن تطلع الروح بساعات ؟  تذكر سامر أن خالد بن الوليد لم يقبل من مالك بن نويرة أن ينطق بالشهادة حين صار السيف على رقبته ، لكن أبا بكر قبل،  وقال لخالد : هل أمرت أن تشق  على الناس قلوبهم ؟ ولم يغفر عمر فعلة خالد ، إذن ما تزال الفرصة قائمة رغم أن الروح تتأرجح بين الحياة والموت ، ولئن صدق الطبيب فما تزال أمامه ست شهور ، لكن الطبيب لم يجزم ، فقد مط شفتيه وقال :  الأعمار بيد الله ، فقد أموت قبلك .

كان سامر يدرك أن أول حق ينبغي أن يعيده هو حق أخته رجاء ، هي التي بقيت صوتاً يصرخ في داخله ( أنت قتلت أباك )   لم يهدأ أنينها ، ولم يخفت صراخها، ولم تغلق نفسه عليها أبوابها الموصدة عن كل حقيقة عرفها وداسها بقدميه، لكن حقيقة رجاء بقيت عينين حادتين تبثان وهجاً حارقاً لا يملك أن يتجاهل لسعات  ناره المتقدة في أعماقه ، لم يكن يعرف الطريق إلى منزل رجاء ، لكنه سيهتدي إليه مع إشراقة شمس الحقيقة ، وقد بدأت روحه تستعيد ذاكرة الأيام  .

        ****

كانت البلدة  تعيش في أوائل الستينات من القرن العشرين اضطراباً اهتزت له البلاد كلها حين أعلن بعض ضباط الجيش السوري قرارهم  بالانفصال عن مصر ، وإنهاء الوحدة التي هلل لها السوريون واعتبروا تحقيقها بداية نهوض للأمة كلها ، كان سامر يدرس الحقوق في جامعة دمشق ويشهد فيها اضطراباً أوسع من ذاك الذي تشهده بلدة صغيرة ، لكنه لم يكن يهتم لما يحدث ، فقد شغله سؤال نفسه عن مستقبله الشخصي أكثر مما شغله السؤال عن مستقبل الشعب و الأمة ،   كان يكتم إعجاباً بنبرة صوت عبد الناصر حين يرتجل خطاباته الجماهيرية ، لكن هذا الإعجاب لم يتجاوز نبرة الصوت ، فأما المضامين فقد كان يراها شعارات تسرح خلفها الجماهير كما يسرح الشعراء  خلف هالة القمر ، وكان يعجب من موقف أبيه ، كيف يتحول هذا المدرس  المتدين إلى ناصري متحمس ، سمع أباه يقول  ليلة سقوط الوحدة لقد تأخرنا مائة عام ، لم يفهم سامر يومها مغزى ما قال أبوه ، لكنه استنكر أن يجد أباه يتحول فجأة إلى ناصري ، قال لأبيه بفجاجة : بل سوف نتقدم مائة عام إذا تخلصنا من الديكتاتورية ، ألا ترى أن أهم شيء فعله عبد الناصر هو ملاحقة السياسيين السوريين وزجهم   في السجون ، ثم أين عبد الناصر مما يفعل ضباطه ومما يفعل السراج ؟ أجاب راضي بهدوء الحكيم:  نحن نبحث عن أهون الضررين ، هل تنكر أن الوحدة قوة ، وأن التفرق ضعف ؟ تابع راضي المعلم قائلاً كأنه يلقي درساً أمام تلاميذه : كان حلماً أن تتحد سورية ومصر ، لأن في وحدتهما قوة للعرب جميعاً ، لقد أدرك ذلك صلاح الدين وحقق النصر في حطين لأنه وحد سورية ومصر ، وأدركه الظاهر بيبرس فامتدت مملكته إلى الحجاز والسودان بل وصلت إلى أواسط آسيا كذلك و قد حقق النصر في عين جالوت ، حاول  سامر أن يقاطع أباه ،  لكن أم سامر  منعت ابنها من متابعة الحوار ، حين أعلنت بصوت صارم قوي أن كل من يدعم الانفصال خائن ، والتفتت إلى ابنها بنظرة غاضبة ساخطة : لو عرف الناس أنك تفضل الانفصال على الوحدة لضربوك في  الشارع .

خرج سامر يومها يبث صديقه  نادر الراعي همومه السياسية الصغيرة ، لكن هذه الهموم كانت كبيرة جداً عند نادر ، فهو ابن أكرم الراعي الذي كان من أوائل مؤيدي الانفصال ، لقد حرمه عبد الناصر من نفوذه الذي كبر وامتد أيام الانقلابات الشهيرة التي وجد  من خلالها كرسياً دائماً في البرلمان .

لكن  أهل البلدة يطلقون على أكرم الراعي لقب راعي الكلاب ، ويحتقرون كل من يلتف حوله من المنافقين والمرائين والباحثين عن الفتات ، ولم يكن سامر يغفل عن هذه الحقائق ، بل إنه يعرف أن أباه يكن ازدراء لأكرم الراعي ويصفه بالمرابي الجشع ، ولم يكن سامر يهتم لشيء مما يقال عن أكرم ، ولا يعنيه أحبه الناس أم كرهوه ، فالحياة لا تقودها المشاعر الساذجة ، وإنما تقودها القوة الدافعة ، ولكي يحقق المبتغى لابد له من قوة يتكئ عليها ، أوشك أن يرى في أكرم الراعي نموذجاً للرجل الذي يقود الحياة كما يهوى بدل أن تقوده الحياة إلى الحضيض ، وأما نادر فهو الجسر الذي لابد من عبوره .

                                     ****

لم يكن أهل البلدة يغفلون عما يفعل أبناؤهم الشباب الذين تفجرت صدروهم غضباً حين حدث الانفصال ، ولم يكن بوسعهم أن يعبروا عن غضبهم بأكثر من التظاهر وتوزيع المنشورات التي تعلن تعلقهم بالوحدة ، ورفضهم للانفصال ، كان الأستاذ شكري يتزعم هؤلاء الشباب ويثير فيهم نيران الغضب ، وقد استجاب له عدد كبير من طلاب الثانوية ، وقد انضم إليهم بعض العمال وعلى رأسهم حسان الساجي الذي يعمل أجيراً عند نجار شيوعي ، فأما شاعر المجموعة وفنانها اللامع فقد كان سمير وردان الذي تجرأ على إعداد جريدة حائط كان يعلقها على جدار في بهو  المدرسة فيلتف حولها الطلاب يقرؤون ويتناظرون، ثم يسارع مدير المدرسة راضي المعلم فيأمر بنزع الجريدة بعد أن يطمئن إلى أن الطلاب والمدرسين قد قرؤوها ، فإذا جاء رجال المباحث السياسية وجدوا المجلة قد أزيلت .

في ساعات الفجر الأولى يلتقي الشبان الذين صار اسمهم ناصريين في حقل ظاهر البلدة، ينسخون المنشورات التي كتبها شكري ، ثم يوزعونها على أبواب المنازل والمساجد قبل أن تطلع الشمس ، لكن حسان الساجي  أصر ذت ليلة على أن يضع المنشور في حديقة فيلا أكرم الراعي ، تسلل إلى سور الحديقة وقفز من أعلى السور إلى ساحة المنزل ، وظن أن القوم نيام ، ولم يخطر له أن نادر ساهر سارح تحت سرحة من أشجار الحديقة الوارفة .

سمع نادر صوت ارتطام على أرض الحديقة ، كان يتوجس خطراً على أبيه ، لكنه يستبعد أن يجرؤ أحد على اقتحام بيته ، تربص نادر ورأى من خلال الشفق شبحاً يخترق الحديقة إلى  باب المنزل ويضع تحت الباب أوراقاً تهاوى بعضها من داخل قميصه ، فسارع نادر إلى اختطاف فأس من الحوض قبالته ، وباغت بها الشبح المتسلل الملثم ، صارخاً به ( قف عندك ولاك ؟ ) التفت حسان الساجي وقد أذهله الصوت ، فإذا نادر الراعي يشهر خلفه  فأساً ويكاد يهوي به على رأسه ، وهو يصرخ ( ياقاسم ، ياعباس ، تعالوا أمسكوا الحرامي )   حاول حسان أن يفر لكن  نادر ضيق الفسحة على حسان في زاوية من ردهة المدخل ، حتى تفرسه ، فقال حسان:

–  اطمئن ، أنا لست لصاً .

نهزه نادر بطرف فأسه على بطنه وهو يصرخ به ( فماذا تكون إذن أيها المجرم )  رد الضربة حسان بلكمة قوية بقدمه على صدر   نادر فأرداه، وأوشك  حسان أن ينفلت لولا أن نادر أمسك به من قدمه فرماه ، وتناثرت المنشورات التي  يخبئها حسان تحت قميصه ، وقد تمكن نادر منه حين اعتلاه فنزع عنه لثامه ، وذهل حين عرفه : ويلك!! حسان الساجي !! يخرب بيتك !! وصلت بك الوقاحة أن تطف  على بيتنا ؟ ماذا وضعت تحت الباب ؟  ما هذه الأوراق ؟؟ كان حسان قد أسقط في يده ، وحاصره قاسم وعباس اللذين هبا لنجدة نادر ، ووجد نفسه محاطاً بثلاثة فؤوس ، وباغتته صفعة قوية من  يد نادر  ، بينما أمسك  به الرجلان الفيلان يجرانه ، وصوت نادر يجأر (  هاتوه ، حتى الكلاب صارت تشتغل بالسياسة ) وانهال نادر بصفعة ثانية على وجه حسان الذي قيده الرجلان بذراعيهما القويتين : من تظن نفسك يا كلب ؟ إبراهيم هنانو أم سلطان باشا  ؟ ياقاسم ، جر الكلب إلى الداخل ، سنلهو به الليلة .

أفاق أكرم بيك على ضجيج الأصوات الغريبة التي ملأت  فناء الفيلا الصامتة ، وفوجىء بهذا الهرج والمرج في الصالة ، صرخ مرتاعاً :  ما الأمر يا نادر ؟ جاءه صوت نادر مرتاحاً : لا تقلق يا أبي ، وجدنا كلباً يحاول تسلق سور بيتنا ، فربطناه وجئناك به ، تقدم أكرم فإذا شاب يجره قاسم وعباس على الأرض ، وحوله تتناثر أوراق ملأت الصالة ، يقرأ إحداها نادر فتأخذه الدهشة وهو يقول ساخراً : ماشاء الله !!  تريدون إعادة الوحدة من باب بيتنا أم من باب مؤخرتي  ،  لماذا اخترت بيتنا يا ندل ؟ هل صار بيتنا بلا حرمة في هذا البلد الجاحد ؟ رد ياكلب يا سافل ؟)  نهض حسان وقد أرهقه شعوره بالمذلة والهوان ، يعتصر آلام جسده الذي تلقى ضربات مؤلمة ، والدم ينزف  من أسنانه ، ويكاد نادر يباغته بضربة ترميه ثانية لولا أن انطلق صوت أكرم مدوياً ( كفى يانادر ) وهو يقترب  من حسان فيتأمله ، ويسأله ببرود وهدوء ( من أنت يا ابني ؟ ما اسمك ؟ ) يجيب حسان باعتزاز رغم مذلته ( أنا حسان الساجي ) ويعلق نادر ساخراً :

هذا ابن آذن المدرسة محمد الساجي ،أجير نجار  يريد أن يصير زعيماً ، جاء يدس منشورات على باب بيتنا .

تفرس أكرم ملامح حسان وهو يدنو منه برفق ويحوقل  :

–  لاحول ولا قوة إلا بالله ، أبوك رجل طيب ، لم أسمع أنه اعتدى على أحد ، أما كان بوسعك يا ابني أن تدق الباب فنفتح لك وتعطينا المنشور باليد ؟ أليس أفضل من أن تدخل البيت مثل اللص ؟ اجلس ياابني .

عجب نادر من تصرف أبيه ،  ومن رفقه بحسان وقال متهكماً ( يا أبي ، أنت تعامل لصاً ، هذا نذل لا يفهم إلا بضربة حذاء تصفع وجهه ) .

لكن أكرم يؤنب نادر:

عيب يانادر ، ما هكذا نعامل من يدخل بيتنا ، هذا شاب مندفع ، لقد أخطأ ، ولكننا لانرد الخطأ بخطأ ، اجلس يا بني ، وهدىء روعك ، ياقاسم ، هات كأس زهورات لضيفنا .

لم يستطع حسان أن يفهم سر هذا اللطف المفاجىء من الرجل الذي رسم له في مخيلته صورة تنين ، لكنه اضطر أمام ما لقي من تهذيب الرجل ، أن يجيب بلطف :

أنا آسف ياعم ، أعترف أنني أخطأت ، وأرجو أن تسمح لي بأن أنصرف .

انفجر نادر غاضباً وزمجر (ستنصرف إلى السجن يا ندل ) لكن أكرم حسم الأمر بصوت قوي النبرة ( قلت كفى يانادر ) نهض أكرم واقترب من حسان يربت على كتفه قائلاً بصوت  وديع ( لاتظن يا بني أنني ضد الوحدة ، لقد أجبرنا أن نقف هذا الموقف ، أنت غر يا ابني ، ولاتعرف من الوحدة سوى أنها أمنية عند الناس ، لكن هل كنت تجرؤ على توزيع منشوراتك أيام مباحث السراج ؟ ما أظن ذلك ، كان أبوك سيترحم عليك  ، الآن أنت تنعم بالحرية ، امض لشأنك ، وأرجو أن تطرق الباب في المرة الثانية وأن تعطيني المنشور باليد ، سأرحب بك ، وسأدعوك إل فنجان قهوة ، وسنتناقش في مضمون المنشور إن شئت ، لاتنس يا حسان أنني قادر على سجنك ، فأنت تقتحم بيت عضو في البرلمان ، وله حصانة ، لكنني لن أفعل كي أؤكد لك أننا مع الحرية ومع الديموقراطية ، سلم على أبيك ) كان نادر ينصت واجماً ، لكن حسان لم يكد يصدق أنه صار خارج الدار .

فأما نادر فقد وقف ينظر إلى أبيه باستغراب ويسأل عاتباً : أيستحق منك ولد تافه سافل كل هذا التكريم ؟ قال أكرم وهو يرفع سماعة الهاتف : أنا أشتغل في السياسة يانادر ولست بلطجياً ، كان يدير قرص الهاتف ، ويبدأ حديثه الذي زاد نادر استغراباً :

يبدو أنكم فلتم الحبل على غاربه ياحضرة الرئد ، وصل الأمر إلى يقتحم أحد الصعاليك بيتي ويضع منشورات ضد البلد على باب بيتي .

فهم نادر سر لطف  أبيه ، وأدرك أنه ما يزال غراً في السياسة حقاً ، وشعر بنشوة حين تداول أهل البلد أن المباحث السياسية تبحث عن حسان الساجي وتقتحم مدرسة الجلاء لتعتقل المشاغبين الذين يوزعون المنشورات في الليل .

كان سمير وردان قد اختار أن يضع المنشورات في المدرسة كي يقرأها الطلاب في الصباح ، وقد فوجىء بها الأستاذ راضي مدير المدرسة ، لكنه لم يتوقع أن يقتحم رجال المباحث مدرسته ، قال للمساعد بكري :  المدرسة حرمة ، ولا أسمح لكم أن تدخلوها ، لكن المساعد قال : نحن لن نحملك المسئولية يا أستاذ راضي ، فنحن نعرف مكانتك ، لكننا نحمل المسئولية لآذن المدرسة محمد الساجي ، لابد أنه هو الذي أعطى مفتاح المدرسة لهؤلاء الصعاليك ، وربما فتح لهم بابها بنفسه .

لم يخطر لحسان أن أباه المسن المريض هو الذي سيدفع ثمن ما فعل ، جاءته أخته رجاء على عجل تدنو من باب محل أبي مصطفى النجار ، وحين رآها تتقدم صعق ، ما الذي يدعو رجاء بنت الأستاذ راضي أن تأتي إلى محل نجارة ، كانت عينا رجاء متوهجتين ، قال وهو ينظر إليها بقلق  : خيراً يارجاء ! ما الذي جاء بك إلى المحل ؟ قالت بصوت حزين  وهي تغص بالدمع في مقلتيها ( المباحث اعتقلوا أباك)  جمد الكلام في فم حسان ، لكنه تمتم مذعوراً : ما علاقة أبي كي يعتقلوه ؟ كان أبو مصطفى النجار قد اقترب ، وفهم الأمر ، وعلق ساخراً : قلت لي إن أكرم بيك كان لطيفاً معك ، الظاهر أنه أراد أن يقطع رأس الأفعى ، بدل أن يقطع  ذنبها  .

شعر حسان بدوار أفقده رؤيته ، ماذا لو أنه ذهب إلى أكرم بيك ، وطعنه بسكين يشق بطنه ،أو  غرز سكينه في بطن نادر على مرأى من أبيه ؟ لن يشفي غضبه غير أن ينتقم ، لكن شكري الرزين عنفه بقسوة وهو يقدم له فنجان قهوة ( لايخور الرجال عند أول مشكلة ، تماسك ، ولاتنس أن أباك قضى شبابه مجاهداً وحارب الاحتلال الفرنسي ودخل السجن مرات ) لكن حسان يرتعد قلقاً على أبيه وينظر بأسى مرير إلى شكري وهو يقول ( لكن أبي اليوم مسن ومريض ، أخشى أن يضربه المساعد بكري ، إنه جلاد محترف لايعرف الرحمة ) .

كان راضي قد غادر المدرسة غاضباً ترتجف شفتاه وهو يتمتم بدعاء إلى الله ، أن ينقذ أبا حسان من قبضة بكري ، وقف أمام مدير التربية بشموخ وكبرياء وصوته يهدر ( هل وصل الأمر أن تستباح حرمة المدارس في عهدك يا أستاذ وجيه ؟ أين الحرية التي تتحدثون عنها ؟ وما ذنب آذن المدرسة كي يعتقله  رجال المباحث ؟ ) نهض الأستاذ وجيه من وراء طاولته ورفع نظارته السميكة عن عينيه وغرز بصره في وجه راضي وهو يقول بصوت هادىء ( لا يا أسـتاذ راضي ، لم تستبح حرمة المدارس ، وإنما خرجت عن مهمتها التربوية ، صارت برلماناً تتصارع فيه الأحزاب ، وتقرر فيه الحكومات ، صار آذن المدرسة زعيماً سياسياً يوزع المنشورات السياسية ضد نظام الحكم ، ماذا تريدني أن أقول للمحافظ ؟ لا أجد غير أن أقدم استقالتي وأعترف بأنني عاجز عن ضبط المدرسة التي يقودها الأستاذ راضي ) أطرق راضي وهو  يكتم غضبه ، ثم رفع بصره إلى صديق العمر الأستاذ وجيه وقال بصوت حزين ( ليتني لم أسمعك يا أستاذ وجيه ، لا أريد أن  أفقد آخر الرجال المحترمين في بلدي).

                                  ***   

بكى ماجد وهو يتابع الحديث الذي سجله للتلفزيون وهو يبث على الهواء ، وتذكر قول السيدة مريم ( يا ليتني مت قبل  هذا وكنت نسياً منسياً ) فأما ميساء فقد اكتفت بالبكاء فلم يوقف دموعها الصامتة إلا رنين جرس الباب وقد هرعت لتفتح ، لكن الباب انفتح ودخل أخوها نضال وقد فوجىء بوجودها ، وفوجئت بأن القادم رجل آخر فيه شيء من ملامح أخيها المعتقل .

كان نضال محطماً كتمثال حجري سقط من هضبة عالية وتناثرت شظاياه ، قال لأبيه بصوت محشرج محتقن بغضب مكبوت ( كيف تعترف يا أبي أني تورطت وحملت سلاحاً وأنت تعلم أني لم أفعل شيئاً من هذا ؟ )  رفع ماجد رأسه المنكسر وتمتم بهدوء حزين ( تذكر المثل العربي الشهير : مكره أخاك لابطل ) .

قالت ميساء : كنت قلقة عليك وعلى أبيك ، لكنني الآن قلقة على مازن ، ذهب إلى تركيا ولا أدري إن كان سيصل سالماً إلى دمشق .

أطرق نضال وقال ( كان عليه  ألا يغامر فهو يعرف  أنه ملاحق ومطلوب).  

علقت ميساء بقلق  ( أخشى أن يكونوا اعتقلوه ، ولاأعرف أحداً كي أسأل عنه ).

رن هاتف نضال وهرع يرد لكنه سرعان ما خرج من الصالة ليتابع حديثه الهاتفي الذي زاد من قلق ميساء وتوترها .

أنهى مكالمته ورأى ميساء تدنو منه وتسأله بريبة ( من كلمك ؟) نظر إليها بتردد واجف، لكن نظرتها التي ازدادت توهجاً قلقاً جعلته يرد برتابة ( إنها رنا بنت عرفتها في الجامعة وعاملتني بجفاء لأنني ابن مسؤول في الدولة، لم أرها من سنين، الآن تبارك لي خروجي من المعتقل، لكنها قالت لي كلمة موجعة ) . سألته ميساء بفضول ( ماذا قالت ؟) رد باضطراب واهن  ( قالت الآن أصبحت رجلاً ، الثورة مصنع الرجال ).

                                      ***

شاهد أيضاً

الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” يكرم في إفريقيا وينال جائزة الإدارة العالمية للقيادة

  حصلت مؤسسة الدفاع المدني السوري ” الخوذ البيضاء”، على جائزة الإدارة العالمية للقيادة عن …

اترك تعليقاً