أميركا اندفاع في أوكرانيا وتردد في سوريا

_39سلام السعدي ـ العرب: قياسا إلى سياستها الدبلوماسية الناعمة في معالجة الأزمات خلال ولايتي الرئيس باراك أوباما، بدت أميركا مندفعة بما يخص الأزمة الأوكرانية من أجل التصدي للتدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم، واحتمالات توسعه إلى مدن أوكرانية جديدة وصولا إلى العاصمة كييف.

اتضح ذلك من خلال تفضيلها “التعاون” مع روسيا التي تغطي أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن العشرين في سوريا، في مقابل التهديد والوعيد لها جراء تدخلها في أوكرانيا.

تهديدها ذلك وصل إلى حد الإعداد لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على “القطب” العالمي الجديد، أو ما أراده “القيصر” فلاديمير بوتين أن يظهر كذلك، فظهر كقطب عنيد في سوريا، لكنه مهدد اليوم في أوكرانيا بالانحدار للعودة إلى موقعه الطبيعي في سلم القوة الدولي.

وبعد أيام من استعراض “العضلات” الروسي في شبه جزيرة القرم والسيطرة التامة عليها وحصار الثكنات العسكرية التابعة للجيش الأوكراني والتهديد بـ”العاصفة” ضدها في حال عدم استسلامها، تراجعت النبرة الروسية التصعيدية، وبرزت نبرة تطمينية، مفادها أن عملاً عسكرياً ضد أوكرانيا هو مستبعد حالياً.

الموقف الصلب من قبل أميركا وأوروبا كبح جماح الاندفاع الروسي وأوضح حدود القوة بالنسبة إلى روسيا، لكن الأخيرة عقدت العزم على عدم التسليم التام بما يخص بلدا شديد الأهمية على أمنها القومي من جهة، وعلى أمن الطغمة “البوتينية” الحاكمة من جهة أخرى.

هكذا سرّعت روسيا من تحركاتها لنزع فتيل الأزمة، وقدمت موعد الاستفتاء على مصير القرم إلى منتصف الشهر الحالي بعد أن كان مقررا في نهايته.

ففي حال اضطرت للتخلي عن أوكرانيا تحت وطأة الضغوط الدولية المتصاعدة، سوف تنتزع وبشكل “ديمقراطي” المنطقة الغنية بالنفط والغاز والفحم الحجري والنحاس والمعادن، والتي تضم أهم مرفأ على البحر الأسود يتموضع فيه الأسطول الروسي.

في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على هدوئها ولا مبالاتها بما يخص الأزمة السورية، فهي تقابل الدعم الروسي غير المحدود لنظام الأسد، والذي يتسبب بأبشع عمليات التطهير والقتل الجماعي للمدنيين، بنوع من الامتعاض الدبلوماسي والتصريحات المتذبذبة في حدتها، والتي تكشف حجم التردد، وربما التخبط كما يعتقد البعض بما يخص علاج الأزمة السورية، وهو استدعى انتقادات لاذعة للرئيس أوباما من قبل الصحافة التي عادت تصوره كرئيس ضعيف “أهان” صورة أميركا في العالم.

قد يعود التردد الأميركي في سوريا لعدة أسباب أولها، ارتفاع درجات عدم السيطرة على مجريات المعارك وعلى التشكيلات العسكرية المقاتلة، وهو ما يقلص من خيارات التدخل الأميركي في سوريا، إذ أن عدم إمكانية تطبيق الحل السياسي في ظل تعنّت النظام، وعدم قدرة أو رغبة روسيا في حمله على مشاركة السلطة، وليس تسليمها، يتطلب تغييرا حاسما في توازنات القوى بما يهدد مصير النظام، ويدفع المتعنّتين لقبول الحل السياسي.

وتصب التسريبات الصحافية عن خطط أميركية باتت جاهزة لدعم عسكري نوعي للكتائب المقاتلة في جنوب سوريا، حيث لا وجود قوي لتنظيم القاعدة، لكنها تبقى مؤجلة بسبب عدم حل التناقض القائم بين ضرورة تقديم الدعم للمعارضة والخوف من النتائج غير المحسوبة لذلك.

هكذا تنتظر الإدارة الأميركية ظروفا مواتية لتقديم دعم عسكري محدود لا يهدف إلى إسقاط النظام، بل إلى دفعه للرضوخ للحل السياسي.

وتتمثل الظروف المواتية في تجاوز حالة الفوضى الهائلة في صفوف المعارضة المسلحة وإعادة هيكلة الجيش الحر وتقليص نفوذ القوى الجهادية وإخراجها من المناطق التي ستحظى بالدعم العسكري، فضلا عن الانتهاء من تدمير السلاح الكيماوي السوري الذي شهد مماطلة متوقعة من قبل النظام، قبل أن يجري إفهامه مؤخرا بأن المسألة حاسمة ولا يمكن قبول المزيد من التلاعب.

ويبرز سبب وجيه آخر، يفسر التردد الأميركي، بل وربما عدم توفر الرغبة في حسم الصراع، ألا وهو تزايد تورط حزب الله وإيران في الحرب السورية.

ففي ظل صمتها شبه التام عن مشاركة حزب الله المباشرة والفعالة في ساحات القتال، تنظر إدارة أوباما بعين الرضى إلى هذا التورط وللخسائر الفادحة التي باتت تعصف بحزب “المقاومة” الذي تأسس لقتال إسرائيل وإذا به يستنزف قوته في تدمير سوريا وقتل السوريين، فضلا عن أن مشاركة حزب الله باتت تشكل مدخلا لإسرائيل من أجل شن مزيد من الغارات الجوية على مواقعه ومواقع النظام السوري بذريعة تدمير الأسلحة المتجهة إليه من دون أن يتجرأ على الرد تجنباً لفتح جبهة مع العدو “الثانوي” في حسابات الممانعة المتفرغة حاليا لسحق الشعب، العدو الرئيسي.

إن قتال حزب الله في سوريا هو استنزاف حقيقي وفعال أكثر من جميع المعارك التي خاضها الحزب مع إسرائيل على مدى سنوات طويلة، ولابد أن أميركا وإسرائيل تفركان أيديهما حبورا، ومن ثمة، فما الذي يستدعي تدخلا أميركيا؟.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً