“كم هم لطفاء”

56سما حسن – غزة- بناة المستقبل

أنا لاجئة. سألتني المعلمة ذات يوم وكنت أرتدي المريول المخطط باللونين الأزرق والأبيض: انتي لاجئة ولا مواطنة؟

أجبتها وأنا لا أعرف ردّاً، وأخشى أن أختار إجابة تكون خاطئة فأتعرض لعقاب أو تقريع أو سخرية، وكنت وما زلت كما أنا الآن، حسّاسة هشّة كجناح فراشة: ما بعرف…

سألتني وصبرها على وشك النفاد: أبوكي شو بيشتغل؟.

كان هذا السؤال الذي أنقذني حيث أشرت بيدي الصغيرة: بابا معلم في المدرسة اللي هناك…

كان أبي معلماً في مدرسة تابعة لوكالة الغوث الدولية “الأونروا” وتقع مدرسته مقابل مدرستي، ولذا كان يصحبني مع إخوتي كل صباح إلى المدرسة، ولكن في ساعات العودة كنت أعود مع صديقة وحيدة وهي جارة لي أيضاً وسيراً على قدمينا لأن أبي كان يتوجّه لعمله الإضافي بعد انتهاء دوامه المدرسي.

عرفت أنني لاجئة حين كتبت ذلك المعلمة في دفتر الأحوال والحضور والغياب والذي يزيّنه على الغلاف شعار الأونروا، ولم أكن أعرف أن هذا الشعار سيوصم كل أوراقي الثبوتيّة بعد ذلك، من شهاداتي المدرسية حتى بطاقة فحص الحمل أثناء حملي بأولادي، وبطاقات التطعيم الخاصة بهم أيضاً، وهناك بطاقة أخرى يطلبها مني أولادي في بداية كل عام دراسي وأحتفظ بها في حقيبتي.

كنا نمرّ أنا وصديقتي من شوارع وأزقّة المخيم أثناء عودتنا إلى بيوتنا، وكانت صديقتي أكثر حذاقة مني بمراحل، فهي تحفظ هذه الأزقّة بحكم حياتها في المخيم، فيما يقع بيتي على بعد شارعين من المخيم على أطراف المدينة، وكانت صديقتي تتركني على باب بيتها وأكمل طريقي وحيدة حيث بيتنا.

لم أعشْ في بيت المخيم، فأصبح بيت صديقتي بالنسبة لي مغارة علي بابا التي أحلم بدخولها، وبدأت أخطّط لذلك، وفي كلّ مرّة نصل لبيتهم، أطلب منها أن تسقيني ماء، وأتذوّق رشفة من الماء الذي تحضره لي في كوب معدني مشقّق الأطراف، وأحدّث نفسي: يعني ميّتهم زي ميّتنا؟..

وأحببت فقر صديقتي وبيتها المتآكل حيث كان بيت عائلتي فيلا صغيرة مجهّزة بكل وسائل الراحة، وتحوّلت إلى مشفقة عليها، وبعد ذلك متضامنة معها، حين طلبت من أمي ألا تشتري لي حذاءً جديداً وأظل أروح وأجيء بحذائي بعد أن تمزّق طرفه، أسوة بحذاء صديقتي التي استغلّت تضامني لتطلب مني أن نتبادل الأحذية في المدرسة، ونتبادلها ثانية عند باب بيتها، ولم أتوقف عن “عملية التبادل” تلك حتى اشتكت معلّمتي لأمّي واتّهمتني أمي بأني ساذجة وصرخت في وجهي: شو يحكوا الناس علينا، ابوكي معلم وكالة بيقبض بالدولار وأمك معلمة حكومة وكندرتك مقطّعة …

كانت هذه أول مرّة أعرف أن الأونروا تمنح أبي راتباً كبيراً، ولكني لم أفهم معنى ذلك إلا بعد سنوات … حتى تحجّر في قلبي معنى اللجوء، وأصبح مثل الأحافير التي تركتها الحيوانات المنقرضة على الصخور، واستطاع العلماء بذلك تحديد أعمارها، فكانت أمي حين يسألها أحد ما عن أعمارنا وسنة زواجها تردّ قائلة: اتجوزت بعد اليهود بسنتين “تقصد بعد نكسة 67” وولادي كلّهم خلّفتهم بعد اليهود طبعاً، أربعة ولدتهم في المخيم وفي غرفة واحدة، والأخير ولدته في البيت اللي في البلد…

وحين يسألها أحد آخر عن عمرها تقول: طلعت من البلاد وأنا لسه ع الحضن، امي كانت تحملني على كتفها وأوقفها جندي يهودي وقال لها: هاي مش بنتك. لأني كنت شقراء كتير زي اليهود…

وفي رد أمي إشارة أنها قد خرجت من قرية البلاد قضاء “يافا” وهي لم تكمل عامها الأول أو الثاني وبحاجة للحمل حيث لا تستطيع السير…

أما أبي فكان يحدد عمره بقوله: طلعت من البلاد “قرية صغيرة قرب المجدل” وأنا ابن خمس سنين وأبي حملني وراه على حماره…

وهكذا كانت البلاد والمخيم والنكبة والنكسة هي أحافيرنا…

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً