التشابك والانفكاك بين الأزمتين الأوكرانية والسورية

_17غازي دحمان ـ العرب: صار لزوما على أي تحليل سياسي يتناول الوضع الدولي وتفاعلاته الصراعية والتسووية، الانطلاق من الأزمتين الأوكرانية والسورية وفحص تفاصيلهما للوصول إلى قراءة للصراع الدولي وتطوراته المحتملة.

ليست خافية التقاطعات الكبيرة بين الأزمتين سواء لجهة محركات الحدث نفسه، ثورات شعبية ضد أنظمة استبدادية، أو لمكونات الحدث وبناه، مجتمعات ذات طبيعة تعددية، وكذا لجهة الفواعل الخارجية، حيث يشكل الروس إحدى أهم التقاطعات بينهما، وكذا الحساسية الإقليمية والجيوسياسية، حيث تعتبر أوكرانيا معبر روسيا للغرب الأوروبي ومنطقة نفوذها في ذلك الاتجاه، كما تعتبر سوريا معبر إيران إلى المشرق العربي والصلة صوب مسارب نفوذها.

التقاطع الأهم، يكمن في حصول الأزمتين على خط زمني ذي خصوصية مميزة، حيث تزدهر تطلعات بعض الدول مدعومة بحالة نهوض قومية خاصة من أجل تحقيق مكانة مميزة في تراتبية القوة الدولية، مرتكزة في طموحها هذا على الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي الحالي وحالة السيولة التي ينطوي عليها في ظل افتقاده لقوى مركزية فاعلة، أو بالأحرى لقوى لديها الاستعداد والإمكانيات لتولي ضبط الصراعات العالمية وتحمل تكلفتها، ما يسمح لبعض قوى الصف الثاني “مثل روسيا وإيران” التقدم إلى مجال التفاعل الدولي باعتبار أنهما قوتان تمتلكان مداراً تأثيرياً خالصاً.

تفترض تلك التقاطعات وجود نمط تغذية خاص بين الأزمتين يفرضه سياق الصراع بحيث تؤثر انعكاسات الأحداث داخل كل جبهة على حدة، والتغذية هنا في الغالب تغذية راجعة، بمعنى أن أي تطور يحصل على الجبهة السورية ينعكس مباشرة في طبيعة الإجراءات والمواقف في الجبهة الغربية “أوكرانيا” والعكس صحيح.

ففي حين يشكل العمق الجغرافي والحضاري والاجتماعي لأوكرانيا عنصرا محددا في الاتجاهين الروسي والغرب الأوروبي، بحيث يجعل من إمكانية اتباع سياسات حدية أمر محفوف بمخاطر لا يمكن للطرفين التحكم في تداعياتها، لذا فإن التفاعل في إطار الأزمة الأوكرانية يبقى غالبا تحت سقف تلك المحددات وخاضعاً لواقع المصالح وحالة الاعتماد الكبيرة بين اقتصاديات الأطراف المتصارعة “روسيا وأوروبا الغربية” لذا فإن حبال لعبة حافة الهاوية على المقلب تبدو قصيرة ولا تمنح لاعبيها رفاهية الاستمرار وقتاً طويلاً فوقها، وربما يساعد ذلك على البحث عن مشتركات توافقية ومساحات للتفاوض، ويفرض مرونة على أطراف اللعبة، غير ذلك يعني اندفاعا صوب ساحات الحرب مع سابق تصميم.

لا تمتلك الحالة السورية مثل تلك المزايا، فالحرب فيها يمكن حصرها ضمن مجال جغرافي لا يؤثر في الأمن الروسي والأوروبي بشكل مباشر، كما أنها تتبع مداراً حضاريا مختلفاً، وحجم المصالح التي تتيحها للطرفين إما أن يكون متدنيا أو يمكن الاستعاضة عنه بخيارات أخرى، ولعل ذلك ما يرفع منسوب الحدية في الأزمة السورية.غير أن مزايا الحالة السورية تلك تحمل في ثناياها بذور حل أزمتها ذلك أن ميزة فقرها بالمصالح وبعدها الجغرافي يمكن أن يشكّلا نوافذ لتسهيل الخروج من بعض التبعات مقابل الحصول على مصالح أهم في أماكن أخرى. ومن هنا لا يستبعد المهتمين بالأزمتين أن تجري روسيا مفاضلة بين الساحتين الأوكرانية والسورية في حال تم تقديم مثل هكذا عرض، أو في حال اشتداد الصراع في المقلب الأوكراني توفيرا للجهد والطاقة.

الأزمة الأوكرانية باتت رديفة لنظيرتها السورية، ثمة ارتباطات عضوية باتت تربط الأزمتين ولاشك أن ذلك الارتباط سيؤثر على مخرجات الحالتين، ولن يطول الوقت قبل أن تظهر نتائج ذلك الارتباط إلى حيز التفاعل الدولي بشكل لا لبس فيه.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً