ثلاث سنوات على الثورة السورية واللغز الأميركي

_5خير الله خير الله ـ العرب: أين صارت سوريا بعد ثورة شعبية دخلت عامها الرابع قبل أيّام؟ الأكيد أن سوريا التي عرفناها لم تعد موجودة. هناك بكل بساطة نظام انتهى، لكنّه يصر على أن تعني نهايته نهاية سوريا. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشعب السوري الذي يبدو أن عليه مواجهة مجموعة من التحديات على جبهات عدة.

لم تعد مشكلة النظام السوري مع نظام يريد إذلاله ولا يؤمن سوى بالقمع فحسب، عليه أيضا خوض حرب مع إيران وروسيا، فضلا عن إدارة أميركية تعتقد أن الانتهاء من البلد هدف بحدّ ذاته.

في كلّ الأحوال، يبدو أن النظام السوري قرأ جيّدا الرسالة الأميركية التي تلت التراجع عن توجيه ضربة قويّة له، حتى لو كانت محدودة، بعد استخدامه السلاح الكيميائي في حربه على شعبه. انتقل فورا إلى ارتكاب مزيد من المجازر متكلا على الدعم الإيراني غير المحدود وعلى السلاح الروسي. حلّت البراميل المتفجرة مكان السلاح الكيميائي، فيما تبيّن أن مؤتمر جنيف-2 لم يكن أكثر من مناورة استهدفت كسب الوقت لا أكثر والاستفادة من السذاجة الأميركية، التي يبدو أن لا حدود لها.

ما سمح به فشل مؤتمر جنيف-2 يتمثّل في أن النظام قرّر التقاط أنفاسه من جهة ومتابعة سياساته القديمة من جهة أخرى. لم يفهم الأميركيون، أو على الأصح رجال إدارة أوباما، على رأسهم أوباما نفسه، أن هذا النظام لا يمكن أن يتغيّر إلا تحت الضغط. لم يسلّم السلاح الكيميائي إلا تحت الضغط. لم يسلّم عبدالله أوجلان في أواخر التسعينات إلا بعد تهديد تركيا باجتياح الأراضي السورية.

لم ينسحب من لبنان إلا بعد تأكده من أن اللبنانيين عموما لن يقبلوا بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه باستمرار الوجود العسكري والأمني السوري في بلدهم الصغير.. مهما بلغت التضحيات التي سيقدمونها.

صدر القرار رقم 1559 في خريف العام 2004 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. رفض النظام السوري الالتزام بالقرار الذي كان يعني، بين ما يعني، مباشرة النظام سحب قواته من لبنان وعدم التمديد لإميل لحود الرئيس اللبناني وقتذاك، الذي لم يكن سوى رمز للوصاية على البلد وللخضوع لـ”حزب الله” ومن خلفه إيران.

اعتبر النظام نفسه “غير معني” بالقرار. أكثر من ذلك، مدّد النظام، مستخدما الوعيد والتهديد، ولاية إميل لحود وباشر، عبر من يستطيع الاعتماد عليهم، تنفيذ عمليات ذات طابع إرهابي بدأت بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، وصولا إلى اغتيال رفيق الحريري والجرائم الأخرى التي تلتها. لم يوجد ما يردع النظام السوري ومنفذي الجرائم الموجودين على الأرض اللبنانية في غياب الضغط المباشر والفعلي.

مثل هذا الضغط المباشر، وليس التهديدات اللفظية الفارغة من كلّ مضمون، هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تضع حدا لمسلسل آخر من الجرائم يتعرّض لها الشعب السوري منذ أربعة عقود وحتى قبل ذلك، أي منذ قيام النظام الأمني السوري في عهد الوحدة مع مصر ثم انقلاب البعث في الثامن من مارس 1963، ثم بدء وضع الضباط العلويين يدهم على السلطة في 1966 وصولا إلى استفراد حافظ الأسد بها في 1970.

في غياب الضغط المباشر الذي يمكن أن يتمثل في إقامة مناطق آمنة تحمي السوريين من القتل، وفي ظلّ المساعدات الإيرانية بالمال والرجال، وفي ظلّ تدفق السلاح الروسي الذي تدفع طهران ثمنه، كان طبيعيا أن يسعى بشّار الأسد إلى ولاية رئاسية جديدة.

لو أعطب الأميركيون مدرّجات مطار واحد تنطلق منه الطائرات التي تلقى البراميل المتفجّرة على السوريين، لباتت حسابات النظام من نوع آخر.

في ظلّ التخاذل الأميركي الذي لا يتمثّل في التغاضي عن جرائم النظام فحسب، بل يشمل أيضا التفاوض مع إيران في شأن ملفها النووي بدل التركيز على ما تفعله في سوريا وغيرها، لم يعد ما يمنع النظام السوري من التأكيد أنّه لا يتقن سوى لعبة واحدة. إنها لعبة التهديد والابتزاز التي يدفع ثمنها هذه الأيّام الشعب السوري نفسه بعدما دفع اللبنانيون في الماضي ثمنا غاليا.

بالنسبة إلى النظام، لم يتغيّر شيء. كان يبحث منذ البداية عن شرعية. إلى اليوم لا يزال يبحث عن هذه الشرعية التي يعتقد أن القتل يمكن أن يوفرّها له. منذ متى يمكن للقتل أن يوفّر شرعية لنظام ما. هل كان هذا النظام سيوجد يوما في السلطة من دون القتل، ومن دون الانقلاب العسكري الذي نُفّذ تحت غطاء البعث؟

أن يلجأ بشّار الأسد إلى مجلس الشعب السوري لمنع أي شخص من الترشح ضده في الانتخابات الرئاسية المقبلة يندرج في سياق البحث عن الشرعية. تكمن المشكلة بكلّ بساطة في أن لا وجود لإدارة أميركية تقول له أن كفى تعني كفى، وأن مجرّد التفكير في ترشيح نفسه للرئاسة ضرب من الجنون؟

بعد مرور ثلاث سنوات كاملة على الثورة السورية، لا يزال الموقف الأميركي لغزا. ما الذي يريده باراك أوباما؟ كيف يمكن لرئيس أميركا التأكيد المرّة تلو الأخرى أن لا مكان لبشار الأسد في سوريا الجديدة من جهة، وأن يغض الطرف عن البراميل المتفجرة وعن سلسلة المجازر التي يتعرّض لها السوريون يوميا من جهة أخرى؟

كيف يمكن لأميركا أن تتفرّج على ما يمكن اعتباره التطور الأخطر في الشرق الأوسط في السنوات العشر الماضية. يتمثّل هذا التطوّر في قرار “حزب الله” القاضي بزجّ نفسه، بناء على طلب إيراني، في الحرب على الشعب السوري؟ كيف يمكن لإدارة أميركية، أية إدارة أميركية، تجاهل أنّ هناك حزبا لبنانيا بات يضع الانتماء المذهبي فوق الانتماء الوطني.

لم يعد هذا الحزب، وهو ليس أكثر من لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، يقيم أي اعتبار للحدود الدولية للبنان. فهمنا أن الإدارة الأميركية ليست مهتمة بالشعب السوري ودماء أبنائه. هل باتت قلة الاهتمام هذه تنسحب على لبنان أيضا؟

إنه بالفعل لغز أميركي يسمح لنظام لا يمتلك أية شرعية من أي نوع كان بمتابعة مجازره.. والبحث في الوقت ذاته عن شرعية.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً