معارك يبرود وحلب تقرر مصير جنيف والإبراهيمي

_39سلام السعدي ـ العرب: يبدو مصير العملية السياسية في سوريا على المحك. بعد البداية المتعثرة للجولتين الأولى والثانية، والانشغال الدولي بالأزمة الأوكرانية. فضلا عن إعداد النظام السوري لانتخابات رئاسية سوف تؤول لتجديد ولاية الأسد، وسينهي ذلك، كما صرّح الإبراهيمي، كل الآمال المعقودة على جنيف. ويعوّل البعض في هذا الصدد على موقف روسي يثني الأسد عن إجراء الانتخابات الرئاسية، وهو ما ينتظره الإبراهيمي بالفعل لكي يتابع وساطته، فهل تقوم روسيا بذلك؟

باستعراض سريع لمواقف روسيا، نجد أنها كانت تتحرك بين دعم مطلق للنظام، وإبداء نوع من الضغوط في المفاصل الحساسة لتجنب مزيد من الصدام مع الولايات المتحدة. وافقت روسيا، بمرونة غير معهودة، على قرار مجلس الأمن الدولي 2118، الذي تضمن ترتيبات تسليم السلاح الكيماوي والحل السياسي في آن، وأشاع جوا من التفاؤل في أوساط المعارضة السورية، انطلاقا من حدوث تغيير جوهري في الموقف الروسي، خصوصا وأنه نص على تطبيق وثيقة جنيف1، بدءا بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية.

وعزز انعقاد النسخة الأولى من مؤتمر جنيف من التفاؤل السائد، ففي حين بدا موقف نظام الأسد أبعد ما يكون عن قبول الحل السياسي، أظهر في نفس الوقت مدى تخبطه وهلعه من بدء المحادثات. وكان الصمت الروسي طيلة المؤتمر كفيلا بتعزيز التفاؤل أيضا، قياسا إلى إصرارها طيلة ثلاث سنوات على تصريحات داعمة لنظام الأسد.

وجاء موعد النسخة الثانية من المؤتمر لتشيع أجواء معاكسة تماما للتفاؤل الذي كان سائدا. بدأت التصريحات الروسية تخرج إلى العلن، لتظهر دعما مطلقا إلى النظام ولرؤيته العدمية للحل السياسي، بما هو استسلام الثورة للشروع في مكافحة “الإرهاب”. انقلبت روسيا على بنود جنيف وعلى قرار مجلس الأمن، بل وزادت من دعمها للنظام السوري في الجوانب العسكرية وفي الإعداد لمعارك جديدة أهمها معركتي القلمون وحلب.

قد يكون تصاعد التظاهرات في أوكرانيا ضد الرئيس الموالي لروسيا في ذلك الوقت قد غيّر حساباتها للحل السياسي في سوريا ودفعها إلى التعنّت بعدم التفريط بالورقة السورية. ذلك في حال صدقت النوايا الروسية عندما وافقت على قرار مجلس الأمن. لكن الأرجح أنها كانت تخادع، وتمتص الغضب الأميركي والعالمي الناجم عن استخدام السلاح الكيماوي من قبل نظام لم يلحظ أن للعالم خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها.

ويظهر ذلك من خلال المساندة التي تبديها روسيا لمختلف معارك النظام وخططه الإستراتيجية التي بدأت تحقق بعض النجاحات، خصوصا خطة حصار المدن وقصفها بالطيران والبراميل إلى حين استسلامها وعقد «هدنة»، يقوم بعدها النظام بنقل جزء من قواته فيها إلى جبهات مشتعلة ليحقق تقدما ميدانيا، وصولا إلى إحكام حصارها ثم نقل قواته إلى جبهة أخرى.

وهو ما يحدث اليوم حول مدينة يبرود، إذ يحاول النظام حصار المدينة عبر الاستيلاء على المناطق المحيطة بها. كما يحاول ذلك في حلب، والتي سيؤدي نجاح النظام في التقدم فيها إلى حصار المناطق المحررة فيها.

هكذا، تحولت معركتا يبرود في القلمون، والشيخ نجار في حلب، إلى معركتين مفصليتين. وإذا أضفنا بعض المواقع التي تشهد صراعات عنيفة في جنوب وشمال البلاد، فربما يترتب على سيرها جميعا، نتائج جوهرية، تبدأ بزيادة أو تخفيف المعاناة على المدنيين، وصولا إلى صمود أو كسر شوكة النظام وحزب الله، وبالتالي تثبيت أو تحطيم الآمال الروسية المعقودة على الحل العسكري، وانتهاء بدفع الروس الأسد، لترشيح نفسه أو منعه من الترشح.

إن دحر النظام عن محيط مدينة يبرود، وعن المدينة الصناعية في حلب وإبعاد شبح الحصار عنهما، ربما يعيد إحياء الحل السياسي على المستوى الدولي. أما سقوط تلك المناطق فسيكرس رؤية النظام وروسيا للحل، بما هو استسلام للمعارضة، ويجعل روسيا تمعن في تبني تلك الرؤية.

ولا يشعر المجتمع الدولي وفي مقدمته أميركا بأي تهديد في حال نجاح مخططات النظام، إذ أنه من النفاق بحيث يعلن مساندته للثورة السورية، ويشيع خططا خاصة بتقديم الدعم لها على المستوى الإعلامي، بينما يمارس العكس في الميدان، حيث يمنع السلاح عنها ويتساهل مع الإبادة الجماعية الحاصلة.

هكذا، يكون لزاما على قوى الثورة السورية، أن تتجاوز خلافاتها الضيّقة. فلا حل سياسي مأمول دون عمل جاد على الأرض. إذ يثبت النظام السوري، أنه بنية صلبة متعنّتة غير قابلة للتفاوض دون تهشيمها وتحطيم أجزاء منها على أقل تقدير.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً