رسالة القلمون: التقسيم هدف النظام وإيران

2d58dd9fce6a47d8842b1ea9e5726161عبد الوهاب بدرخان ـ الحياة: لحظة دخول مقاتلي «حزب الله» مدينة يبرود السورية تزامنت مع وصول الأخضر الابراهيمي الى طهران. والأكيد أن المبعوث الدولي – العربي سمع من المسؤولين الايرانيين ما يفيده بأن معطيات البحث في التفاوض على حل سياسي تغيّرت. فقبل اسبوعين من افتتاح مؤتمر «جنيف 2»، كتبت وكالة أنباء «فارس» مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي أن معركة القلمون «وجودية» وأن المنتصر فيها «سيسيطر على ستين الى سبعين في المئة من الارض السورية، وفي إمكان الأطراف الداعمة له الحضور الى جنيف بموقف قوي». وفي أكثر من مناسبة، أشار الايرانيون الى أن أي حل سياسي يجب أن يخضع لموازين القوى على الأرض، ولذلك رفضوا الموافقة «علناً» على «عملية انتقالية» في سورية، وفقاً للشرط الاميركي قبل دعوتهم الى جنيف. وإذ حقق الايرانيون ما توعّدوا به، فلا شيء يمنعهم من إملاء شروطهم، وليس أقّلها نسيان بيان جنيف والمفاوضات، للتفكير في صيغة اخرى للحل السياسي، خصوصاً أنهم غدوا حالياً الطرف الدولي الوصي على سورية في غضون الغيبوبة الاوكرانية للثنائي الروسي – الاميركي، وبعدما سقط ما كان بينهما من «تفاهم».

نقل ديبلوماسيون اوروبيون عن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف أن بلاده «تستطيع» المساعدة في حلّ الأزمة السورية، وأنها «جاهزة» لذلك، وأوضح مفصّلاً أن ايران «تضمن اجراء انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية وتشكيل حكومة تتمثّل فيها الأطياف كافة… شرط أن توقف السعودية دعمها للمعارضة». وكان ظريف نفسه أبلغ نظيره الاميركي على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ أوائل شباط (فبراير) الماضي أنه «غير مخوّل» الحديث عن سورية، ومع ذلك تبرّع للديبلوماسيين الاوروبيين بـ بـ «الضمانات» ظاناً أنه يعطي صدقية لـ «الانتخابات» التي يقترحها، لكنه أراد انتهاز لقائه معهم لإطلاق رسالة اخرى الى السعودية. لكن بداية كلامه كانت كالآتي: «لا تُتعبوا أنفسكم، النظام السوري لن يسقط، وبشار الأسد باق، والمعارضة لم تعد تستطيع وقف استعادة النظام سيطرته».

الواقعي في هذا الكلام هو ما يتحقق عسكرياً على الأرض، لكن الايرانيين (والروس أيضاً) ليسوا سذّجاً ويعرفون بالتأكيد أمرين: الأول، أنهم يدافعون عن نظام لن يستطيع الاستمرار من دونهم، وأنهم مضطرون لمواصلة حضورهم المباشر (مع «حزب الله» والميليشيات العراقية) للتأكد من امكان بقائه. والثاني، أن أي حل سياسي، ولو ابتعد حالياً، لن يتبلور إلا في اطار دولي وليس بالإملاءات الايرانية فحسب. أما غير الواقعي على الاطلاق في ما يحصل فهو الصمت الغربي عن هذا الدور الايراني الذي تُرك يتوسّع ويفجُر في سورية من دون حتى أن يشار اليه كـ «تدخل خارجي» أو يعتبر عنصر تعقيد للأزمة. بل على العكس، يجرى التعامل معه وكأنه، بالضرورة، «جزء من الحل»، وهو ليس كذلك، كما لو أن الحل يمكن أن يتجاهل التركيبة الديموغرافية للشعب السوري.

بـعدما تمـكّن الايرانـيـون وأنــصارهم من خوض معركة القلمون وإنهــائها، اصـبحـت في النـظـام ورقـة تـتيـح له الادعــاء بـأن التطوّرات الميدانية ذاهــبة في الاتجـاه الذي أراده دائماً، أي الحـسـم العـسكري. ولعله يدرك في الوقت نفـسـه أن أعـداءه – الذين اعتبرهم أطراف «المـؤامـرة الـكـونـيـة» عليه – هم مَن مكّنه من هذا الإنجاز يوم أحجموا عن تسليح «الجيـش الحر» وقـد كان على بعد خطوات من إسـقاط النـظـام عـسـكرياً وبـالقدرات العادية التي توافرت له من ترسانات النظام وقعت تحت سـيـطرته، ويوم لم يكن للمجموعات الارهابية المرتبطة بتنظيم «القاعدة» أي وجود يُذكر. بعدئذٍ راح «أعداء النظام» و «داعـمو المـعارضـة»، بالأخص الاميركيين، يقدّمون حـجـجـاً شـتّى تبريراً لسلبيتـهم. قـالوا إنـهم لا يريدون تكرار تجربة العراق بتـفكـيك الدولـة والمؤســسـات (كما فعلوا)، لكنـهم لـم يمـلكوا أي خــطة لـترجـمة ذلك باستـمالـة روسيا التي تبيّن أنها كانت تخادع في حل سياسي عبر مفاوضات جنيف. وقالوا أيضاً إنهم لا يريدون أن تقع الأسلحة، اذا قُدّمت، في أيدي جماعات التطرف والارهاب، وقد منحوا هذه الجماعات كل الوقت اللازم للانتـشار والتوسـع والحصول على ما تشاء من أسلحة، وبلغتهم التقارير والمعـلومات التي تؤكد أن معــظـم التـنظيمات الارهـابيـة أُخـرج أفراده من سـجون النـظام وظـلّ علـى صـلـة مـعه كـمـا أن تنـسـيق تنـظــيم «داعـش» مع النظام كان ولا يزال بالغ الوضوح.

على رغم أن العلاقة بين «داعش» و «القاعدة» معلنة، وأنه جسّد الارهاب الذي يخشاه الاميركيون وسواهم، فضلاً عن تسببه بأكبر الخسائر والأضرار لـ «الجيش الحر» والمدنيين في مناطق المعارضة التي اخترقها، إلا أن المعنيين من حلفاء النظام وخصومه داوموا على الاشارة الى «جبهة النصرة» باعتبارها المصدر الأخطر للارهاب. مردّ ذلك الى ان «النصرة» أعلنت أيضاً ولاءها لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري، ومن الواضح أن هذا الولاء هو ما أمّن لها تسليحاً وتمويلاً لم ينقطعا في أي مرحلة. ثم إن نسبة السوريين هي الغالبة فيها وإذا وجد أجانب في صفوفها فإنهم منضبطون بخطّها. وبعدما اشتُبه بارتباط بعض أفرادها بالنظام بادرت الى إبعادهم. كما أن نشاطها القتالي برهن مثابرة وفاعلية في الكثير من الجبهات، وأقام بعض فروعها تنسيقاً ناجحاً مع «الجيش الحر» وسائر الفصائل المقاتلة. كل ذلك طرح على المعارضة اشكالية صعبة حالت دون النأي عنها أو المبادرة الى عزلها، خصوصاً أنها الوحيدة التي واصلت النهج الهجومي فيما اضطرّت الفصائل الاخرى للاكتفاء بخطط دفاعية نظراً الى نقص في تسليحها. مع ذلك يتبيّن اليوم وقد يتضح أكثر لاحقاً أن اعلان تنظيم «النصرة» عن وجـوده في سورية وارتباطه بـ «القاعدة» كان لحظة ستصبح فارقةً في عمر الثورة السورية، اذ بدّدت كل أمل في حصول المعارضة على سلاح نوعي، وفي ما بعد قطعت لفترة طويلة حرجة كل إمداد عسكري. من هنا السؤال المطروح على المنظّرين والمؤدلجين السوريين لـ «النصرة»: هل كانت سورية قضيتهم، وهل يعون أو يبالون بأن ولاءهم لـ «القاعدة» وزعيمها أساء الى قضية الشعب السوري أم أسدى خدمة للنظام وحلفائه؟ في أي حال، النتائج تتحدّث عن نفسها.

مع انتهاء معركة القلمون يتأمن للنظام رسم حدود الدويلة التي سيطالب بها في حال أتاحت المساومات على الحل اعادة النظر في خريطة سورية. بالنسبة الى الايرانيين أيضاً اصبح الهدف من حربهم السورية واضحاً بل محقّقاً، فالدويلة الممتدة من دمشق الى الساحل تمنحهم موطئ قدم على المتوسط وساحةً صالحة للاستمرار في ممارسة النفوذ في المشرق العربي ولمواصلة التحدي الشكلي لإسرائيل والغرب تحت مسمّى «المقاومة» أو «الممانعة» على رغم أنهما فقدا أي معنى استراتيجي. لكن أي حسم عسكري لا يمكنه استعادة الحكم لبشار الأسد على كامل سورية، فهذا خيار لم يعد واقعياً في أي سيناريو يمكن تصوّره، لأن الحسم العسكري لا يكفي لصنع حل سياسي، وهذا النظام لن يكون قادراً على ادارة حل سياسي أو الإيفاء بمتطلباته الاقتصادية والاجتماعية.

لذلك يتأكد أكثر فأكثر أن هدف النظامين السوري والايراني هو التقسيم، واذا لم يكن مضموناً في ضوء المعطيات الراهنة فإنهما يراهنان على موافقة اسرائيلية لتفعيله، طالما أنه يخدم مصالحها البعيدة المدى. ولا شك في أن معالم المرحلة المقبلة في الحرب هي التي ستوضح هذا التوجّه، فالصراع سيستمر داخلياً حيثما سيتاح للمعارضة ان تقاتل، لكن النظام وحلفاءه سيعملان لمفاقمة مشكلة النازحين في بلدان الجوار باعتبارها من أوراق الضغط لفرض الحل التقسيمي.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً