أزمة أوكرانيا: عجز الغرب و«ثأرية» بوتن

2035034924عبد الوهاب بدرخان ـ العرب القطرية: ابتلعت روسيا شبه جزيرة القرم ولا تزال الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تبدي كل الاستهجان للفظاظة التي يعاملها بها فلاديمير بوتن. هذا يعني شيئاً واحداً مقلقاً: أنها لم تحسن قراءة الرجل وسياسته وطموحاته والأساليب التي لا يتردّد في اتّباعها لتحقيق أهدافه، فضلاً عن «ثأرية» دفينة من الصفعات الغربية المتوالية لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، من العراق إلى ليبيا مروراً بالبلقان. وفي الاستغراب إدانة لتقصير دول الغرب، بمقدار ما تستوجب «العدوانية» الروسية الاستنكار، ذاك أن الإعلام ومراكز البحث لم تتوقف عن عرض نتائج درسها لشخصية بوتن ولتطلعاته الاستراتيجية، ثم إن موسكو أفصحت دائماً عما تريده في جوارها الجغرافي لموازنة تمدّد النفوذ الغربي، ولم تفوّت أي فرصة للاستيلاء على أيٍّ من «الجمهوريات» الصغيرة المتاخمة لها، وتريد وضع يدها على جورجيا بعدما فرضت سطوتها على معظم دول القوقاز.
وعلى افتراض أن الأماني شيء والسياسات الفعلية شيء آخر، فإن الطريقة التي أدارت بها روسيا سياستها تجاه سوريا كانت بالغة الوضوح في انفصالها عن منظومة «القيم الجديدة» التي يعتمدها الغرب، وفي ارتكازها إلى منهج متكامل يتغطّى بقشرة ومظهر «قانونيين». فباسم القوانين الدولية أقفلت مجلس الأمن واستخدمت «الفيتو» لتعطيل تنفيذ هذه القوانين. وطوال ثلاثة أعوام حاججت موسكو بأن القانون لا يمنعها من شحن الأسلحة إلى النظام السوري، مع علمها بأنه يوجهها لقتل شعبه وتدمير مدنه، وحتى عندما ضغطت بقوة لترجيح الحل السياسي عن طريق المفاوضات في جنيف واشترطت وقف تسليح المعارضة فإنها لم توقف تسليح النظام ودعمته لاستكمال حلّه العسكري. وفي عملية الاستيلاء على القرم تمترست موسكو وراء القوانين التي تجيز لها ضم شبه الجزيرة، سواء بـ «حقها» التاريخي فيها أو بالاستفتاء – المهزلة الذي عجّلت بإجرائه قبل أن تبدأ المبارزة الدبلوماسية بحثاً عن «حل سياسي» للأزمة الأوكرانية.
صحيح أن دول الغرب لم تكن معنية بقضية الشعب السوري، ولم تجد مصالح تدافع عنها في سوريا، ولذا تركت لروسيا وإيران تتصرفان. إلا أن تغاضيها عما حصل ويحصل في سوريا ما لبث أن وضعها أمام تحدٍّ مشابه في أوكرانيا، مع فارق أن دول الغرب خاضت في هذا البلد ما سمّته «معركة الديمقراطية» وأيقنت مساء الجمعة 21 فبراير أنها انتصرت بعدما وقّع فيكتور يانوكوفيتش على اتفاق تضمّن إذعاناً لكل مطالب المعارضة. وفي اليوم التالي هرب الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا، ولم يمضِ سوى يومين فرضهما موعد اختتام ألعاب سوتشي الأولمبية الشتوية حتى بدأ الرد الروسي، المبرمج بدقة، وانتهت مرحلته الأولى بالاستفتاء ثم بموافقة مجلس «الدوما» على ضم القرم. وفيما راحت دوائر الغرب تبحث عن وسائل للرد المضاد لم تخفِ المصادر الأميركية «إعجابها» بالطريقة الروسية المحترفة في فرض الأمر الواقع.
سيكون على أوكرانيا أن تبدأ الاعتياد على صعوبة العيش من دون القرم، وسيتبيّن أن قرار نيكيتا خوتشوف منحها شبه الجزيرة عام 1954 لم يكن فقط لأنها في إطار الاتحاد السوفيتي، بل لأن القرم حيوية لأوكرانيا واقتصادها وأمنها. ولعل السبب نفسه جعل بوريس يلتسين يثبت هذا القرار عام 1991 لتبقى القرم صلة الوصل بين روسيا وأوكرانيا، ما يُفترض أن يضمن عدم انتقال هذه الأخيرة إلى الفلك الغربي. غير أن واقع ما بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي عنى أن تعتمد أوكرانيا على قدراتها الاقتصادية، وهو ما لم ينجح خصوصاً مع وجود فساد مستشرٍ ومتجذر في أوصال دولتها، لذلك نشب نزاع غربي – روسي على تقديم رعاية لها، وطبعاً لقاء النفوذ عليها. وكان بوتن بالغ الافتخار حين أعلن أن ضم القرم تصويب للتاريخ، لكنه يعلم أن ما أقدم عليه هو خنق لأوكرانيا التي تخسر جنوبها عملياً.
لكن ما بدأ للتوّ هو الخطر على شرق أوكرانيا. إذ لم يضِع بوتن الوقت، ولم ينتظر أي مشاورات أو اتصالات مع واشنطن أو برلين، بل طلب فوراً ضرورة تعديل الدستور الأوكراني لينص على «نظام اتحادي». كان هذا التعديل أحد بنود اتفاق يانوكوفيتش – المعارضة، ولم تكن الصيغة الاتحادية مطروحة آنذاك. لكن المطلب الروسي يشير إلى أن بوتن باشر وضع ملامح التسوية الممكنة مع الغرب، فهو يريد نوعاً من الحكم الذاتي لمناطق الشرق التي لا ينوي ضمّها وإنما يريدها تحت النفوذ الروسي. وبالتالي فإنه لا يدعو إلى حوار مع الغرب من أجل «الحل الدبلوماسي» بل يعلن الحل الذي يعتبره ممكناً وعملياً، أي تقاسم النفوذ مع الاعتراف بأن ملف القرم قد حسم.
منذ نشوب الأزمة لم يتوصل الغربيون إلى أفكار محددة للشروع في البحث عن حل سياسي. إذ بدا أن «الحرب الصغيرة» كما يسميها بوتن أخذتهم على حين غرّة، فهو تحرك بسرعة إلا أنهم لم يغيّروا وتيرة مقاربتهم للموقف. قد يكونون اعتقدوا أن الروابط المالية والاقتصادية التي نشأت وتوسعّت بين غرب أوروبا وروسيا من شأنها أن تبقي ردّ الفعل البوتني ضمن المعقول، لكنه أظهر العكس، فحساباته تقول أن غرب أوروبا المأزوم اقتصادياً إذا أراد أن يفرض عقوبات على روسيا فإن الأضرار ستصيب الطرفين معاً، بل إن الأوروبيين قد يتضررون أكثر على المدى القصير سواء قلّصوا التعاون أو حاولوا البحث عن مصادر أخرى للطاقة أو جمّدوا الأرصدة الروسية في بنوكهم. وقد اتضح من العقوبات الأولية أن الأميركيين والأوروبيين مربكون، فالحرب الباردة عادت بأسوأ عوارضها وإذا أرادوا خوضها فلا بدّ أن يدفعوا الثمن… من أجل أوكرانيا.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً