كيف يطمئن لبنان إلى دوام أمنه واستقراره عندما يسمع الأسد يسخر من “النأي بالنفس”؟

اميل خوري- النهار: هل يستطيع لبنان ان يظل صامداً سياسياً وامنياً واقتصادياً اذا طالت الأزمة السورية واشتدت ليحمي نفسه من تداعياتها، أم ان النار ستنتقل اليه بعدما سمع اللبنانيون الرئيس بشار الاسد يسخر من سياسة النأي بالنفس ويتساءل: “ماذا يفعل لبنان عندما تمتد النار اليه؟ وعندما سمع الامير السعودي تركي الفيصل يحذر من “ان لبنان بات على حافة حرب اهلية مع استعداد “حزب الله” للمجازفة بالاسس التي بني عليها النظام اللبناني من أجل منع انهيار نظام بشار الاسد”؟ وهل يكفي ليطمئن اللبنانيون سماع بيان للرئيس الاميركي في مناسبة ذكرى تفجير مقري “المارينز” والمظليين الفرنسيين وقد جدد فيه “التزام الولايات المتحدة الاميركية استقرار لبنان وسيادته واستقلاله والاستمرار بدعم الشعب اللبناني المطالب بحكومة تعبر عن طموحاته وتقوي قدرة لبنان على الدفاع عن مصالحه القومية وتلبي التزاماته الدولية”، في حين ان هذه الذكرى تذكر اللبنانيين بتخاذل القوة المتعددة الجنسية، التي جاءت الى لبنان لحل ازمته، واذ بها تهرب منه على اثر هذا التفجير فضلا عن تفجير مبنى السفارة الاميركية ايضا في بيروت، ولم تعمد لمواجهة الارهاب الذي تحداها ولم يخف من مدافع المدمرة “نيوجيرزي” التي وصفت بالعملاقة والقادرة على احداث تدمير شامل حيث تقصف. والذكرى الثلاثون لتفجير مقري “المارينز” والمظليين الفرنسيين تذكر اللبنانيين ببداية تخلي الولايات المتحدة الاميركية عن محاولات انقاذ لبنان من الحروب المستعرة فيه والعمل في الخفاء على تلزيم انقاذه لسوريا بأي ثمن، فكان أن دفع لبنان هذا الثمن وصاية سورية عليه دامت 30 عاماً خلافاً لما نص عليه اتفاق الطائف، وانتهاكاً لسيادته وانتقاصاً من حريته واستقلاله.
لذلك فالسؤال المطروح الذي يثير قلق اللبنانيين هو: هل تمتد النار السورية الى لبنان ما دام المجتمع الدولي لا يهتم بإخمادها على رغم انه يدعي الاهتمام بمصير دول الجوار ولا سيما لبنان ويريد استمرار الامن والاستقرار فيها”.
الواقع ان من ينقذ لبنان من تداعيات الازمة السورية مهما طالت واشتدت هم اللبنانيون أنفسهم اذا كان موقفهم واحداً وليس كما هو حالياً، فئة منهم مع النظام السوري وتشاركه في القتال دفاعاً عنه، وفئة ضد هذا النظام بحيث بات يخشى أن يتقاتلوا في الداخل وتقع عندئذ الحرب الاهلية التي طالما وقعت بين اللبنانيين من أجل الآخرين لأن ارتهانهم للخارج جاء اليهم بالفتن والحروب والويلات والازمات ولم يتعظوا بعد. فحرب الاستقلال عام 1943 وقعت بسبب انقسامهم بين مناصر لفرنسا ومناصر لبريطانيا.
وحوادث 1958 وقعت بسبب انقسامهم بين مناصر للرئيس عبد الناصر ومناهض له. وحرب السنتين وقعت عام 1975 بين مناصر للفلسطينيين المسلحين في لبنان ومناهض لهم، وقد تحولت حرباً للآخرين في لبنان دامت 15 سنة. وها ان اللبنانيين ينقسمون اليوم بين مؤيد للنظام السوري ومعارض له، وليت هذا الانقسام ظل سياسياً ومذهبياً وبالكلام فقط انما تحول تدخلاً مباشراً في الحرب الدائرة في سوريا بحيث بات يخشى ان تنتقل الى داخل لبنان فتكون طرابلس جبل محسن وباب التبانة بمثابة عين الرمانة والشياح. لذلك، فان ما ينقذ لبنان من تداعيات الازمة السورية مهما طالت واشتدت هم اللبنانيون أنفسهم اذا التزموا فعلاً لا قولاً سياسة النأي بالنفس وليس سياسة أمن سوريا من أمن لبنان، في حين أن أمن لبنان لم يكن ولا مرة من أمن سوريا لا في الحروب مع اسرائيل ولا في مواجهة اجتياحاتها لأراضيه، أو سياسة وحدة المسار والمصير بين البلدين، تأكيداً لقول الرئيس حافظ الاسد: “ان في لبنان وسوريا شعباً واحداً ولكن بدولتين”… فاذا كان في لبنان من يزال يؤمن بكل ذلك فلا شك انهم سيكونون مسؤولين عن امتداد النار السورية الى لبنان واشعال حرب أهلية تقدم خدمة مجانية لإسرائيل. فكما ان اسرائيل تخلصت من السلاح الكيميائي السوري وتأمل ان تتخلص من السلاح النووي الايراني كشرط من شروط التقارب مع اميركا، فان حرباً مذهبية اذا ما وقعت في لبنان سوف تقضي على سلاح “حزب الله” بعد أن تكون قد دمرت لبنان. فأي خدمة أجلّ من هذه الخدمة المجانية لإسرائيل؟ ان على الزعماء في لبنان ان يتفقوا منذ الآن على تطبيق سياسة النأي بالنفس التي يدعوهم اليها الاشقاء والاصدقاء كي يبقى لبنان خارج النار السورية، ولا معنى لأي اتفاق على ذلك اذا جاء بعد خراب لبنان. وقد يكون هذا ما يحاول “حزب الله” فعله، أي أن يعلن تأييده حياد لبنان بعد أن تنتهي الازمة السورية وينتهي دوره فيها، وقد يكون هذا الحياد حيال الخارج فقط، أما في الداخل فلا حياد بل صراع أشد على السلطة خصوصاً اذا لم يتفق على صيغة لحياد تحميه وهل تكون الصيغة السويسرية أم الصيغة النمسوية أم الصيغة الفنلندية؟
ثمة من يعتقد بأن “حزب الله” يبقى الطرف الاقوى في الداخل مهما انتهى اليه حل الازمة السورية اذ انه يستطيع اشتراط تعديل اتفاق الطائف على نحو يعطي الطائفة الشيعية دوراً أكبر من دورها الحالي، بحيث يشعر بأن الدولة في لبنان له فيها رأيه وكلمته في الانتخابات الرئاسية وفي الانتخابات النيابية وفي تشكيل الحكومات. وما لم تقم مثل هذه الدولة فانه قد لا يتخلى عن سلاحه بل يتخلى عنه لدولة يطمئن اليها. وقد ذهب البعض الى حد توقع مقايضة التخلي عن سلاحه باختيار رئيس مقبل للجمهورية يرضى به كما تخلى عن المقعد الوزاري المخصص للشيعة للطائفة السنية لتسهيل تشكيل حكومة ميقاتي ولتكون حكومة الحزب… فهل تقوم في لبنان دولة الحزب او حزب الدولة فيصبح سلاحه سلاحها، وسلاحها سلاحه؟!

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً