معركة الساحل خلاصة حرب

_192عبد الناصر العايد ـ العرب: كثيرون توقعوا أن تفتح معركة الساحل آفاقا جديدة في الصراع المسلح الدائر في سوريا، ولكن قلّة هم الذين توقعوا أن تذهب هذه المعركة بعيدا كما يجري اليوم.

فالمفترض أن هذه المعركة ممنوعة بقرار دولي، وتاليا لن يكون بين أيدي المهاجمين ما يكفي من العتاد والسلاح لاستكمالها إن فتحت، وأنَّ النظام والطائفة العلوية قد تحرزا لهذه المعركة بما يكفي لوأدها في مكانها فور اندلاعها.لكن يبدو أن هذا التحليل قد سقط بالتقادم وتوالي الأحداث، ونحن إزاء وضعيـة مختلفة بعد ثلاث سنوات من الحرب.

لقد كان أثر نقل الاشتباكات إلى المناطق التي يرتكز عليها النظام جغرافيا، حيث قاعدته الاجتماعية الأوسع، بتضاريسها الوعرة واكتظاظها بالمدنيين الموالين للنظام، و حيث تتعذر المغامرات والمقامرات العسكرية الكبرى من قبيل استخدام السلاح الكيميائي، معروفا سلفا، لكن ما لم يكن بالحسبان هو تصاعد النزعة الانتقامية ذات الأساس الطائفي بين العناصر المقاتلة، وتحولها بعد كل هذه الحرب والمجازر التي ارتكبها النظام ضد مكون طائفي هو السنّة، لتبلغ مستوى النزعة الانتحاريـة الجماعية، التي تطلب الموت لغريمـها ليشـاركـها المأسـاة التي أصابها بها، وبالأدوات ذاتها التي استخدمها حين بدأ حربــه قبل ثلاث سنوات مطالبا بثأر الحسيـن، لكن دون نفاق ولا تزييـف أو ادعاءات وطنيــة وقوميــة جوفــاء.

فالصور القادمة من جبال الساحل السوري وشواطئه تقول صراحة أن من وصلوا إلى هناك هم طلاب ثأر، وتتزايد حدَّة مشاعرهم الانتقامية تطرفا كلما دنوا من غريمهم، وهذا يعوّض، جزئيا، عن نقص الذخائر والعتاد فيما لو حصل، لكن الوقائع الثابتة حتى اليوم تقول إن النظام قد كدَّس ترسانة من الأسلحة في المنطقة الساحلية، وأن المهاجمين يستولون على كميات هائلة منها مع كل انتصار يحققونه، وهو ما يشكل دافعا إضافيا للتقدم.

من ناحية أخرى، يبدو أن النظام قد أفرغ بالفعل منطقة الساحل ممن يمكن أن يحملوا السلاح للدفاع عن مناطقهم، وظنَّ أن كونها مناطق مؤيدة ومرتبطة به وجوديا سبب كاف لتستبسل في الدفاع عن نفسها وعنه، وهو أمر غير صحيح.

فالمدنيون هم المدنيون، ليس لديهم لا إرادة القتال ولا مهاراته، وسيدفعهم خوفهم على عائلاتهم وأطفالهم من غول الانتقام الطائفي الأعمى إلى الفرار، حدث هذا ويحدث في مختلف المدن والقرى “السنيَّــة” حين هاجمها الطائفيون المسلّحون، سواء من قوات النظام، أو من قوات «حزب الله»، أو الميلشيات الشيعية.

وهذا يستدعي أن تعود القوى المسلحة الحقيقية للدفاع عن هذه المنطقة، وقد بدأت طلائع الانسحابات من كل من إدلب وحماة وبعض ريف حمص بالفعل، لكنها لم تتمكن حتى الساعة من عرقلة تقدم المهاجمين الذين يجيدون استغلال التضاريس الوعرة والبيئة الطبيعية ليتسللوا كمجموعات صغيرة ويتكاثفوا حول هدف محدد حتى يسقطوه.

وسواء توقفت المعركة الحالية في الساحل أم لا، فإنها ستكون السابقة التي لها ما بعدها، وستفتح شهية الكثير من المجموعات المقاتلة للعمل هناك، وستغدو في مرحلة من المراحل الجبهة الأخيرة، وربما الوحيدة المشتعلة، فيها سيلتقي من خاض هذه الحرب وخاضت فيه، ليفرغوا مخازن الرصاص الأخيرة، وسيضطر النظام إلى سحب أبناء المناطق العلوية تدريجيا من الجبهات البعيدة ليحموا مناطقهم، وسيفسح المجال بذلك لاستقدام مزيد من المقاتلين الشيعة من خارج سوريا، الأمر الذي سيزيد من تصاعد الاستقطاب المذهبي في عموم المنطقة، وستفد مجموعات أخرى من الإقليم إلى المنطقة العلوية التي ستصبح قطب الرحى في هذا الصراع، الذي سيمتدّ، في هذه الحال، زمنا غير معلوم.

تبدو هذه المعركة خلاصة منطقية للحرب التي تدور في سوريا منذ ثلاث سنوات. فنيران الطائفيّة لا بدّ أن تطال من أوقدها، والحرب حين تشتعل في الوطن الواحد، دون أن يبذل الجميع كل ما بوسعهم لإطفائها، فإنها لا بدّ وأن تشمل البيت كلَّه.

وأخيرا تفرض المعطيات الديمغرافية والحقائق السياسية نفسها، وفي المشرق العربي، حيث السفور الفظ للتمايزات الطائفية والمذهبية آخذ في التصاعد والغلوّ، وأصبح الاعتراف باستحالة أن تحكم أقلية دينية مهما امتلكت من أدوات البطش والإبادة الجماعية، والإقرار بأولوية الأكثريات، جنبا إلى جنب مع ترسيم واضح لحدود الأقليات وحقوقها، هو شرط أول للاستقرار، واستئناف “السياسة” كفعاليـة إنسانيـة عقلانيـة بلا أوهام ولا تخريف ولا دجل، والدخول في مشروع نهضة ديمقراطيـة، تحمله تلك الأكثريات على عاتقها، مادام المشروع الوطني أو القومي الجامع قد سقط إلى الحضيض.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً