هل ديمقراطية الثوارت ممكنة؟

 

ـ حاجة المجتمعات العميقة للحريات وللديمقراطية، وغياب قوى اليسار ثورية وتلوّث الموجود منها في دعم أنظمة شمولية، و انتسابها لتجربة اشتراكية، قِيل أنّها كانت شراً مطلقاً.. كل هذا ساهم في تراجع فهم الديمقراطية في سوريا.

ـ الديمقراطية لم تتحقق في أوربا أو أية بلاد أخرى، بلا ثورة صناعية، أو حماية إمبريالية مباشرة في مواجهة الصين كما في حالة كوريا الجنوبية

 555

عمّار ديّوب- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

ساد وتسيّد وعيٌ أن الثورات العربية تتقصّد هدف واحد هو الحرية والديمقراطية، أي الديمقراطية، ولكنّها لم تتحقق حالما نجحت الثورات، بل دخلت مجتمعاتنا بمشكلات في غاية التعقيد، ولم تزل تغوص فيها، فهناك ردّة للنظام القديم، وهناك ميل نحو الطائفية، وهناك تفكك مناطقي أو قومي، وهناك إشكال راسخ بين الإسلام السياسي والديمقراطية، وهناك قطاعات مجتمعية تثور وتثور، وبالتالي تبيّن أن الخفة التي لا تحتمل من قبل الليبرالية السائدة، أوشكت أن تغلق التاريخ في مشكلات بلا حلول؟!

القراءة التي ثبْتت هدف الديمقراطية، هي قراءة ترسخت في ظل انتفاء الصراع السياسي والمجتمعي من قبل، وحاجة المجتمعات العميقة للحريات وللديمقراطية، وغياب قوى اليسار ثورية وتلوّث الموجود منها في دعم أنظمة شمولية، عدا انتسابها لتجربة اشتراكية، قِيل أنّها كانت شراً مطلقاً، وداعبت هذه القراءة الرغبة في التحرر المطلق من كل قيد وشرط، وبالتالي بذرت أوهام هائلة في العقول، فلم يتم التدقيق في: ما هي شروط الديمقراطية كي تتحقق؟ فهل القوى السياسية الثورية ديمقراطية؟ وهل المجتمع فعلاً يقر قضية المواطنة والمساواة بين الحقوق والواجبات وبالتالي يبعد الدين عن السياسة ويسعى نحو الديمقراطية كنظام سياسي. وهل تطورت بينة المجتمع نقابياً واتحاداتٍ وأحزاب. وأصبح الديمقراطية هدف جماعي للطبقات الاجتماعية؟

الحقيقة تقول لقد تمّ أن الديمقراطية كسحر قادر على حل المشكلات، أي كمقابل مطلق للشموليات، رغم أن تونس ومصر وسورية، لم تغب عنها شعارات العدالة الاجتماعية جزئياً أو حتى البعد الوطني واعتبار فلسطين محتلة، ولكنها كانت جانبية لو قورنت بمسألة الحرية، أي مسألة الديمقراطية، بل كثيراً ما كانت المسألة أقرب للصرخة المطلقة؛ ففي سورية، كرّست كرد فعل ضد شعارات السلطة بتمجيد رئيسها.

الديمقراطية كسحر تبيّن أنّها وهماً كبيراً، حيث وبمجرد نجاح الثورات أو تعقد إمكانية نجاحها، وضعت أهداف أخرى غير الديمقراطية، بما فيها عودة النظام القديم ذاته؟! إذا أين الخلل؟ الخلل هو بالضبط في القراءة السياسية التي سادت، والتي كانت نتاج عقلية ضيقة ومحدودة لفهم المشكلات وفهم الأهداف؟

إذا كيف تكون الديمقراطية ممكنة.

الديمقراطية لم تتحقق في أوربا أو أية بلاد أخرى، بلا ثورة صناعية، أو حماية إمبريالية مباشرة في مواجهة الصين كما في حالة كوريا الجنوبية، وتُركت ماليزيا تشكّل تجربتها في ظل هذا الانقسام الدولي بين معسكرين؛ وتعززت عالمياً وبشكل واسع بعد الحرب العالمية الثانية في أوربا ذاته، بالضد من السوفييت ولإنهاء الصدام بين مطالب العمال وخطرها على النظام بأكمله وبين رأس المال. وقبل القرن العشرين، ترسخت نتيجة صراع مجتمعي كبير، قادته الطبقات العمالية في أوربا ضد البرجوازية بعد أن حسمتا الثورة البرجوازية شد الإقطاع؛ أقصد من هذا أن الديمقراطية ليست قضية سهلة ولا قضية سحر، بل هي تتطلب مستوجبات حتى تتحقق؟!

قطعاً لا أقصد أن علينا أن نرتقي بالوعي وندقرطه ومن ثم تحصل الثورات، فهذا تفكير ثقافوي وغير مادي، فالثورات لا تنتظر هؤلاء الثرثارون المنعزلون، ولا تعنيها قصص المثقف الذي وضع مسطرة في دماغه، وهي بضع معايير للثورات، فإن تطابقت الثورات معها كانت ثورات بالفعل وإن لم تتطابق لم تكن كذلك؛ هذا تفكير لا يمت للواقع بصلة، وهو شكل من أشكال الوعي الثقافي الذي ساد قبل اندلاع الثورات، ويتناسب تماماً مع فهم الأنظمة السابقة للثقافة كمسألة كلامية محضة، وتتعلق بالقراءة ثم القراءة، وأفراد لهم حياتهم الخاصة وبالتالي قُمع كل مثقف خرج عن السرب واتجه نحو فهم المجتمع بمشكلاته وإنتاج العقل النظري للمجتمع وقدم رؤى جادة عنها، أي تكلم عن مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسة والدين والتعلم وسواها.

الثورات العربية، جاءت بعد أن تبنت الأنظمة العربية الشمولية، السياسات الليبرالية، وراحت تنفتح نحو العالم الرأسمالي وفق شروطه العولمية، أي عبر التجارة الحرة، وعبر تطبيق وصفات البنك الدولي، والاستغناء عن تطوير الصناعة وتهميش الزراعة، ورفق تلك السياسية استمرار الشموليات ذاتها، فتراكمت مشكلات قديمة وحديثة، وازدادت أعداد العاطلين عن العمل بشكل فاق عن الثلاثين بمائة من السكان، وأصبحت الأجور بالكاد تتوازي مع الحاجات الأولى للمواطنين، وبالتالي وبمجرد قدرة الشعب التونسي على كسر جدار شمولية زين العابدين وخلال زمن قصير لم يتجاوز شهر واحد وبدون تحضير سياسي للثورة من قبل، اندلعت الثورات العربية في كافة الدول العربية وأخذت أشكال متعددة، ولم تخلو دولة عربية من هذه النشاطات. وكثير من الدول العربية سارع إلى تقديم تنازلات سريعة كزيادة الأجور، كي يتفادوا الثورات في بلدانها. ما قصدته هنا، أن الثورات كانت بجذورها ثورات شعوب مستغلة وقد انغلق أي أفق في تحسين أوضاعها الحياتية، وهناك شرائح مجتمعية وقوى سياسية اشتركت بالثورة لأهداف سياسية، ومشكلتنا معها في أن سيطرت على الثورات لكونها منظمة سياسياً وهنا نقصد تحديداً الأخوان المسلمين، وكذلك الجيش، وهو ما تمّ في مصر؛ إذا لم تكن هناك قوى سياسية فاعلية حينما حدثت الثورات، وبالتالي كانت عرضة لمختلف أشكال الانحراف ، ومنها ما يحاول إيقافها، وإعادة ضبط المجتمع وفق الشمولية من جديد.

فهل يُفهم مما قدمناه هنا أنني أنعي الثورات العربية وأقول بفشلها وبأن الديمقراطية غير ممكنة، وأن الثورات فكرة خاطئة كلية وعلينا العودة إلى حظيرة الأنظمة؟!

قطعاً الثورات مسألة تاريخية، وضرورة مجتمعية للطبقات الأكثر فقراً ولكل الطبقات الاجتماعية، وهي ضرورة لتجاوز كل مشكلاتنا بما فيها مشكلات الاحتلال الصهيوني لفلسطين أو الجولان أو بقية مشكلاتنا المتعلقة بهذا الخصوص. الثورات تخلخل القائم، والمستمر لأن الثورات لم يحن وقتها من قبل، وهي من هز عروشه وقاده إلى حتفه الأخير، حيث القبر.

الديمقراطية تكون ممكنة حين تُقدم ضمن الأهداف السياسية للثورات، وكجزء من الأهداف العامة، أي تحقيق البرنامج الاقتصادي والتعليمي والثقافي والسياسي، وما يقي ويجذر الديمقراطية كشكل للحكم القادم، هو القيام بمشاريع صناعية كبيرة، تؤمن فرصة عمل لملايين السكان، وتنظيم الأفراد في نقابات حقيقية، ينتخبونها هم مباشرة، وكذلك في مشاريع زراعية حديثة، تنظيم عمل الفلاحين، وتنهض بالسكان والأرض، وتؤمن بناء اقتصاد متين بالفعل ويخفف من مشكلات البطالة. وما يساهم في قضية الديمقراطية إيجاد فصل كامل بين الإسلام السياسي وتنظيم شؤون القوى السياسية في الدولة الجديدة، فإما أن ينضوى هذا الإسلام في السياسة ضمن مفهوم المواطنة وبناء الدولة العلمانية وبالتالي دولة الكل المجتمعي، وبغض النظر عن الدين والجنس والمنطقة والحزب السياسي ويتحول الدين إلى قضية إيمان وثقافة وقضية شخصية ومجتمعية لجماعة بشرية ذات دين معين، وحينها فقط يمكن أن يكون الدين جزء من البنية الثقافية للحزب الإسلامي فقط، وإما فإن هذا الإسلام السياسي سيشكل تعدياً ليس على الديمقراطية فقط، بل على حق الناس في الإيمان أو عدمه، ويقع في هذا المجال إحداث تغيير واسع في التعليم وجعله تعليماً حداثياً ومحايثاً لمشكلات الواقع بالفعل.

القوى السياسية بما فيها الليبرالية معنية تماماً بطرح رؤاها بعيداً عن السحر والضد البائسة، بل يقع عليها أن تقدم حلولها للصناعة والزراعية والتجارة والديمقراطية. ولكنها لن تفعل ذلك فهي تتلاق مع أنظمة مبارك وزين العابدين وبشار الأسد، في السياسيات الليبرالية وليس لديها أي بديل عنها، وهي لم تنتقد أصلاً تلك السياسات، ومشكلتها فقط في زيادة دورها السياسي والاقتصادي، وليس في حل مشكلات المجتمع الفعلية أي مشكلات النهوض باقتصاد حديث وحل المشكلات الاجتماعية والسياسية، وبالتالي ما يعزز من الديمقراطية ويجعلها ممكنة هي القوى السياسية التي تتبنى برنامجاً اقتصادياً صناعياً، ويؤمن فرص عمل لملايين السكان، وتتبنى مطالب سياسية تتيح المشاركة للمجتمع بالسياسة من زاوية النقابة والاتحاد والحزب الحديث وغيرها، وبذلك فقط يمكن للديمقراطية أن تكون ممكنة.

فهل هذا ممكن؟ لا أشك بتحقق ذلك، وإن تطلب الأمر تجدّداً للثورات.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً