قراءة عودة الحياة للامبراطوريات من جديد سوتشي القيصرية والصعود للأسفل

 القاشي

ـ روسيا العظيمة تعيد أمجادها القيصرية والسوفيتية بعروض مبهرة في حفل افتتاح دورة الألعاب الشتوية الـ22 “سوتشي 2014 .

ـ من يريد ان يعرف ماذا تعني سوتشي للروس انفسهم  لا يجب ان يتوجه بسؤاله لاصحاب المليارات والمناصب الذين يشكلون أقل من 10% من نسبة الشعب الروسي.  بل يجب ان يتوجه بسؤاله الى ملايين السكان المغمورين في القرى والمدن النائية ومئات الآلاف من المثقفين والمتعلمين الروس الذين آثروا على الهجرة.

أيهم القاضي- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

 هكذا يرى المروجون للمجد الروسي الجديد عودة العملاق الروسي من اوسع أبواب التاريخ، ليأخذ مكانه من جديد. روسيا “البوتينية” تزاحم أعتى  دول العالم بعروض نارية خلابة ومبهرة أمام أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة.. حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين افتتاح دورة الاولمبياد الشتوية والتي كلفت الخزينة الروسية ما يقارب الاربعين مليار دولار. وهذا المبلغ يعادل بحسب المؤرخين تكلفة جميع دورات الالعاب الاولمبية الشتوية مجتمعة منذ انطلاق اولى الدورات بدايات القرن المنصرم.

من يتابع  قنوات الاعلام الروسي سواء الداخلية أوالخارجية يلاحظ الترويج الكبير الذي حظيت به الشعلة الاولمبية  قبل وصولها الى سوتشي. فمن قعر بحيرة بايكال، الى القطب الشمالي وجبل إلبروس، ومن عربات القطار التي قطعت روسيا بمساحاتها الشاسعة، الى التحليق في المحطة الفضائية الدولية. كما أن الشعلة أخرجت إلى الفضاء المكشوف “طبعا من دون نار” كدلالة على العظمة الروسية الصاعدة في خضم التغييرات المهولة التي تطرا على السياسة العالمية ككل.

هل هكذا تقاس النجاحات؟ طبعا لا..  فللصحفيين الغربيين كانت رؤيتهم ” المغرضة”  عندما وطأت اقدامهم القرية الشتوية في سوتشي والتي كلف بناؤها مبالغ طائلة تفوق الخيال .. مراسلو CNN  والـBBC     وغيرها من ابرز عمالقة الاعلام الغربي  لاحظو و”بعفوية ” هشاشة هذه القرية التي بنيت على عجل.. من غرف الفنادق التي تفوح منها رائحة الصباغ الرخيص،  والمياه الصفراء النتنة التي تتدفق من صنابير المياه، الى قطع البورسلان المتساقطة في الحمامات  بسبب مواد البناء الرخيصة ” اوربما المسروقة”  وعشرات الابنية والغرف الغير مكتملة، حيث يمكن الملاحظة وبالعين المجردة انها بنيت على مبدأ ” أبصق وألصق” .. ناهيك عن الصروح الرياضية التي ستجري بها الالعاب الشتوية، والتي قيّمتها اللجنة الدولية على انها “صالحة للاستخدام” . ولا أحد يستطيع الحكم على جودتها طبعا قبل أن تبدأ المنافسات.

لماذا  التركيز على السلبيات فقط ! هكذا يتسائل الكثيرون وخاصة من محبي “المجد الروسي الصاعد” في اشارة الى أن هذه الاخطاء قد تحدث في أي دولة، وأنها ليست مقياسا لقدرة النظام الحاكم في روسيا بالمقارنة مع انجازاته الاخرى. لكن المراقبين والمهتمين بالشأن الروسي لديهم رأي آخر. فأولمبياد سوتشي كانت بمثابة تحدِ معلن للرئيس بوتين في مسألة مكافحة الفساد. وكل من تابع التصريحات الحكومية بداية الاعلان عن فوز روسيا باستضافة الاولمبياد الشتوية آنذاك، كان يعتقد بأن سوتشي ستكون نقطة اللاعودة باتجاه بلاد خالية من الفساد المالي والسرقات بالمليارات، لكن الفشل كان بالمرصاد. وهذا ما اثبتته سوتشي.

 من يريد ان يعرف ماذا تعني سوتشي للروس انفسهم  لا يجب ان يتوجه بسؤاله لاصحاب المليارات والمناصب الذين يشكلون أقل من 10% من نسبة الشعب الروسي.  بل يجب ان يتوجه بسؤاله الى ملايين السكان المغمورين في القرى والمدن النائية ومئات الآلاف من المثقفين والمتعلمين الروس الذين آثروا على الهجرة الى اوروبا وامريكا الشماليا واستراليا، وهنا الحديث يجري عن الهجرة في العشر سنوات الاخيرة فقط.

ليس فقط الاشخاص يهاجرون من روسيا، بل كبرى شركات النفط والغاز والصلب تنقل مقراتها ايضا الى المناطق الحرة في بعض الدول، للتهرب من الضرائب  وتوفير مبالغ بمئات المليارات  لتزداد ثروات “الاوليغارخي” الروس، بدلا من ان يعود ريع هذه الضرائب على الشعب .

هل امجاد الدول والشعوب تقاس بألعابها النارية المبهرة، والتي تنظمها على الاغلب شركات آسيوية ممكن إستئجارها وباسعار منافسة. أم تقاس بمدى احترامها لشعوبها ولحقوق سكانها، ومستوى الطبابة والتعليم والخدمات والتقاعد. كيف لدولة ينخرها الفساد في جميع مؤسساتها وتزداد فيها الفوارق الطبقية والصراعات العرقية  أن تكون عظيمة.. ما الجدوى من أن تكون روسيا من اكبر مصدري الاسلحة  وراعية لكبرى الصراعات الاقليمية اذا كان شعبها يعيش في حالة من الفقر والعوز؟؟

طوبى للدول التي تبني امجادها باحترام شعوبها لا غير!

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً