قبل دمشق بقليل…مدينة للحزن الزعتري يحييكم بقدر ما تستحقون

 

ـ كتل بشرية ترى أطفال تحولوا إلى رجال يعملون, ونساء تحولت كل واحدة منهن إلى خنساء جديدة.

ـ عند النقطة الطبيّة ترى الأهوال . يحدثك أبو خالد عن معجزة , عن ماء يخترق الصخر الأصم وخرج فراتاً عذباً شريفاً. لم تبق جهة إلا و حاربت عمل النقطة الطبية.

العريضي

د. يحيى العريضي- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

 يأخذك الطريق شمالاً باتجاه دمشق ؛ تعرف أنك ستقطع خمسين ميلاً دون أن تصل إلى تراب سورية … حتى الآن …

تشعر و أنت متجهاً شمالاً وكأنك عائد إلى دمشق. على بعد عشرة كيلو مترات ترى غيمة بيضاء تحوّلت إلى بحر من الخيم. هناك ترى الدراعوي والحمصي والحموي والإدلبي و الحسكاوي والرقاوي. صرخوا في سورية : “واحد واحد واحد؛ الشعب السوري واحد”. هناك في سورية من أراد ان يعدمهم عقوبة على تلك الصرخة. وحده المخيم سمح لهم بعيش الصرخة لا إطلاقها فقط. ساكنوا الخيم, أطعموا أهل سورية قمحاً وتفاحاً وعنب. إنهم الأن في صحراء قاحلة … سحابةً يأبى مطرها أن ينزل إلا في سورية.

  كتل بشرية ترى أطفال تحولوا إلى رجال يعملون , و نساء تحولت كل واحدة منهن إلى خنساء جديدة. تتسلل العيون إلى داخل الخيمة … ترى هرماً افترش قطعة اسفنج عارية تحولت لمجرد وجودها تحت مؤخرته إلى عسجد و حرير يشرّف ضمائر العالم الأشوه.

تقرأ حيث استطاعوا أن يكتبوا لوحات تفنن مبدعوها بخطها : {الله}، {حمص}، {أسواق الشام}، {أدلب الحرة}. تدخل طريقاً ترابياً طويلاً , ترى سهماً و تحته بخط فيه إبدّع رباني: {مسجد عائشة }. وجوه تبتسم؛ تقرأ ورائها ألف طبقة من الحزن والسخط والتصميم والكبرياء الذي لم يتمكن التشرد من كسره . تكتشف الثقة والتمرد والتواضع والشهامة، عندما تلقي التحية و تسأل سؤالاً . بعد المعلومة ، يقول لك المجيب : “تفضّل”

تصل إلى خيمة شكسبير. نوّار بن فرحان بلبل – الفنان السوري المحترم يدرّب أطفال الزعتري على تقديم مسرحيتين لشكسبير ( ساكتب لاحقاً عن عظمة الأنسان السوري )

ورد خمري مزيّن بالخرز صنعته أم علي في زاوية من خيمتها. تبيع الورد و تطعم أطفالها بشرف وتقول : ” هؤلاء أولاد شهيد , لا اقبل لهم الذل، أو مد اليد إلا الله الذي يستقبل اباهم في جنّاته . أريدهم مرفوعي الرأس في سوريتهم الجديدة .

رجال أشراف مثل الشيخ أبو خليل ابراهيم الحريري يرتبون أمور تصريف ما تنتجه بعض نسوة المخيّم و يعبرون عن فخرهم بأخواتهن اللواتي تجاوزنا خنساء العرب .

عند النقطة الطبيّة ترى الأهوال . يحدثك أبو خالد عن معجزة , عن ماء يخترق الصخر الأصم و يخرج فراتاً عذباً شريفاً. لم تبق جهة إلا و حاربت عمل النقطة الطبية… التي أعانت عشرات الألاف . من العدم ومن الضيق تخلق الوفرة والفرج. قوانين تُستصدَر بلحظتها للتضييق على عمل النقطة؛ أدوية تُصادر , تهديدات بالسجن و سلسلة لا تنتهي من أجل خنق إي بوابة شفاء أو علاج لمن يحتاج… ومع كل ذلك لا تغيب البسمة عن وجه أبي خالد.

قصص نجاح و أنجاز و ثبات و قوة … و كل ما يحدث يقول لك إن ذلك ليس أكتر من حالة مؤقتة …. كيفما كانت الظروف سنبقى , سنصبر , و سنعود حتماً. المخيم محطة سنحولها إلى مدرسة و مسرح ومصنع نصهر فيه أرواحنا لتعود جبّارة إلى وطن الجبارين سورية ولن نكون إلا أحراراً.

أهل المخيم يرسلون التحية لمن يستحق، وهم قلائل جداً. رغم عدم بوحهم، وبسبب أخلاقهم الرفيعة يتعففوا ويترفعوا عن ذكر من يسيء لهم ولنفسه باسم عذابهم وأوجاعهم. يوفرون غضبهم ويحولونه إلى طاقة وتصميم على العودة لبناء سورية غداً. في أعماق الذاكرة غيمة سوداء مطرها دم ودموع وآلام تَسبْبَ بها من يترفعون حتى عن ذكر أسمائهم. لسان حالهم يقول: الموت ولا المذلة ؛ وغدنا في سورية ليس هنا…. وبعون الله.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً