الركوب على العروبة لبسط الهيمنة والفساد غربان القومية لا تجيد سوى النعيق

ثائر الزعزوع- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

 ـ استحوذ  حافظ أسد وصدام حسين على عجلة القومية وقررا إدارتها وفقاً لطموحاتهما، وأفكارهما، ولما يمكنهما من تحويل سوريا والعراق إلى مزرعتين هزيلتين عاث بهما الخراب والفساد.

ـ ألقى العديد من البعثيين المنشقين بكامل المسؤولية على ما يسمونه بالحل الأمني متجاهلين دور حزب البعث في ما يحدث،  وفي هذا مخالفة للواقع الذي يؤكد أن كلاً من المؤسستين الحزبية والأمنية كانت تكمل إحداهما الأخرى في تناغم قل نظيره.

 ثائر

لا يزال البعثيون يقفون على أطلال حلم ميشيل عفلق القديم، ويغنون معه أغنيته الغريبة عن أمة عربية واحدة ورسالة خالدة، لم تكن موجودة ولم يكتب لأي فصل من فصولها النجاح، وقد أنفق بعضهم سنوات طويلة من عمره متخبطاً بين الشُعب والفروع الحزبية التي تحولت بفعل الهيمنة إلى دكاكين تبيع الوهم، ولا تنتج غير فكر عفا عليها الزمن، ولعل تهاوي المشروع القومي مع ظهور الشخصيات الاستبدادية والتي أنتجها البعث لا أحد سواه كان فرصة مناسبة للكثيرين لمراجعة شكل هذا الحزب وأفكاره ومبادئه، فقد استحوذ كل من حافظ أسد وصدام حسين على عجلة القومية وقررا إدراتها وفقاً لطموحاتهما، وأفكارهما، ولما يمكنهما من تحويل سوريا والعراق على التوالي إلى مزرعتين هزيلتين عاث بهما الخراب والفساد، وتمكن المقربون من “القائدين” أياً يكن انتماؤهم من الاستيلاء على حصة من تلك المزرعتين، وقد أدى الخصام والخلاف بين “القائدين” وربما الزعيمين وهي تسمية يتلذذ الأتباع بإطلاقها على صدام والأسد، أدى الخصام إلى القطيعة فما كان من شأن تلك القطيعة سوى أن تفكك الفكر البعثي بأكمله وتحوله إلى مجموعة من الأناشيد والمقالات والمحاضرات التي ينتفع منها بعض من يمكن تسميتهم بمرتزقة الفكر القومي، وقد كان الاحتلال العراقي للكويت ومن قبله الاحتلال السوري للبنان فرصة مناسبة لكشف الزيف الكبير الذي يختفي خلفه أولئك، إذ كيف يمكن تصديق أكذوبة القومية بعد أن أقدم الزعيمان القوميان على احتلال بلدين عربيين، وعلى تحويل ذينك البلدين إلى مستمعرتين تهتفان للزعيمين الخالدين.

ومع اندلاع شرارة الثورة السورية تساقط ما تبقى من أقنعة يضعها “مرتزقة القومية” على وجوههم فهم انحازوا بكل ما أوتوا من قوة للوقوف مع طاغية الشام وريث حافظ أسد الذي لم يكن بعثياً قبل توليه الرئاسة، بل ثمة معلومات مؤكدة تشير بأنه كان من أنصار الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقد تم ضمه للحزب المتعفن لتمكينه من وراثة أبيه، كما تنص بذلك المادة الثامنة من الدستور الذي وضعه حافظ أسد والذي يحصر اختيار رئيس الجمهورية بحزب البعث باعتباره قائداً للدولة والمجتمع.

اختار قلة من البعثيين أن ينحازوا للثورة الشعبية، وفعلاً أعلن عدد منهم انشقاقه عن الحزب والتحاقه بصفوف الشعب، حسب بيان انشقاقه، لكنهم ظلوا محافظين على ولائهم المطلق لفكرة البعث، معللين النفس بأن يلقى تسويقهم لفكرة القومية سوقاً رائجة في سوق الأفكار التي ترد كل يوم على الثورة. فظل الكثيرون منهم يعتبرون الخطأ الكبير في سوريا هو في الحل الأمني، لا في بنية النظام بأسره، ولم يوجه أي منهم نقداً ولو صغيراً للفكر البعثي الشمولي الاستبدادي، المسؤول بشكل كامل عن إنتاج الديكتاتورية وعن إفراغ الدولة من محتواها الأخلاقي والإنساني وألحاقها بمشاريه طوباوية لا معادل موضوعياً لها على أرض الواقع، وظلت عباراتهم عن أن الفكر البعثي فكر عظيم ولكن الخطأ في التطبيق تلاحقهم أينما ارتحلوا، بل إن الكثيرين منهم رفضوا إلقاء اللوم على حافظ أسد واعتبروا أن “غباء” ولده هو ما أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه، مستخفين بذلك بعقول الناس وبالتاريخ القريب الذي يوثق عشرات المجازر وأسماء عشرات آلاف المعتقلين الذين لم ير الكثيرون منهم النور طيلة فترة حكمه التي امتدت ثلاثين سنة، بل إن النائب السابق لرئيس الجمهورية عبد الحليم خدام والذي انشق عن النظام أواخر عام 2005 ما زال ينظر بشيء من الإعجاب إلى شخصية حافظ أسد ويعتبره رجل سياسة ذكياً، متناسياً أن الأسد الأب مسؤول عن قتل عشرات آلاف السوريين في حماه وحلب وحمص ودير الزور إبان ما يعرف بأحداث حماه، كما أنه مسؤول عما حدث في لبنان من سرقة وتدمير واعتداء واعتقالات وإعدامات، لا تزال لجان التحقيق الدولية تبحث في شأنها.

ولاحقاً أيضاً ألقى العديد من البعثيين المنشقين بكامل المسؤولية على ما يسمونه بالحل الأمني متجاهلين دور حزب البعث في ما يحدث،  وفي هذا مخالفة للواقع الذي يؤكد أن كلاً من المؤسستين الحزبية والأمنية كانت تكمل إحداهما الأخرى في تناغم قل نظيره، فقد ارتضى البعث الذي يعتبر نفسه قائداً للدولة والمجتمع، ارتضى أن يتنازل عن دوره لسنوات طويلة لمصلحة المؤسسة الأمنية والتي بدورها حافظت للبعث على مكتسباته، فسارا جنباً إلى جنب في كل ما فعلاه، وقد تحول عدد من المسؤولين الأمنيين إلى مسؤولين حزبيين، محمد سعيد بخيتان نموذجاً، فلماذا لم يلعن المنشقون عن النظام حزب البعث؟

يطرح هذا السؤال نفسه بعد ثلاث سنوات من عمر الثورة، والحقيقة أن الإجابة عليه قد تبدو غريبة، فهؤلاء المنشقون اعتبروا أنفسهم بريئين من المشاركة في الحل الأمني، والذي يتحمل المسؤولية كاملة، لكنهم ضمنياً يبرئون ساحة الحزب، ويعتبرونه ضحية حال كحال جميع السوريين، فقد سرقت الأجهزة الأمنية الحزب من الناس، وهذا ما يقولونه دائماً، ولكن الحقيقة تقول إن الحزب والأجهزة الأمنية كانا في حالة انسجام دائما، وقد شكلت “الفصائل البعثية المسلحة” رديفاً ممتازاً للجهاز الأمني في حقبة الثمانينات، وعملت بالتوازي معه لضرب السوريين، وللسيطرة على الأوضاع وإعادة الشعب المنفلت إلى حظيرة النظام، وقد حاولوا غداة الثورة أن يفعلوا ما فعلوه في السابق لكن توسع رقعة الانتفاضة وضعهم في موضع صعب وقد تهدلت كروشهم بعد سنوات الاسترخاء التي عاشوها في “ظل سيادته” ولم يعودوا قادرين على حمل السلاح، لكنهم دون أدنى شك ظلوا قادرين على التحريض، وتوزيع وثائق الوطنية، وتمجيد القائد “الخالد” وابنه “المهلم” والدفاع بشراسة عن تلك الرسالة الخالدة التي لم ير منها أحد شيئاً.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً