أوباما في السعودية: مترادفات استغفال معلَن

30qpt998صبحي حديدي ـ القدس العربي: قبيل زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السعودية، ثمّ خلال ساعاتها المعدودة، دارت بين واشنطن والرياض لعبة مركّبة من الاستغفال والإغفال والغفلة؛ عمادها موضوعات غير مترابطة مثل تسليح المعارضة السورية، وحرّية الصحافة، وحقوق الإنسان والمرأة في المملكة. ورغم قلق السعودية من مقاربة أوباما لملفّ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية عموماً، ومفاوضات الاتفاق الدولي حول برنامج طهران النووي خصوصاً، فإنّ اللعبة لم تشمل هذا الجانب، الهامّ تماماً، في قمّة روضة خريم.
الاستغفال بدأ من تقرير نشره دافيد إغناتيوس، المعلّق المخضرم في ‘واشنطن بوست’، يستبق زيارة أوباما بمعلومات تقول إنّ الرئيس الأمريكي أخذ يعيد النظر في اقتراح سابق قدّمه كبار مستشاريه، وأثنى عليه أعضاء كبار في مجلس الأمن القومي الأمريكي، في أواسط العام 2012، حول تزويد المعارضة السورية ‘المعتدلة’ بأسلحة نوعية ومتطورة. ورغم أنّ الفكرة بدت أقرب إلى رشوة مسبقة، مفضوحة ومكشوفة، تُعطى على سبيل حسن التمهيد للزيارة، فإنّ الكثيرين وقعوا ضحية الاستغفال، فسارعوا إلى شراء الإشاعة/الأكذوبة وترويجها؛ قبل أن يتولى بن رودس، مساعد مستشارة الأمن القومي وعضو الوفد الأمريكي الزائر، ثقب البالون الذي أطلقه إغناتيوس.
وأمّا الإغفال، فقد دار حول الصحافي الأمريكي مايكل ولنر، مدير مكتب واشنطن لصحيفة ‘جيروزاليم بوست’ الإسرائيلية، والذي رفضت السفارة السعودية منحه تأشيرة دخول إلى المملكة، في عداد الوفد الصحفي الذي رافق أوباما. ‘خيبة أمل كبيرة’، إزاء القرار، صدرت أوّلاً عن مساعدي سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي؛ قبل أن تكرّ السبحة فتتوالى الاحتجاجات الشديدة من رابطة مراسلي البيت الأبيض، التي أصدرت بياناً أدان الإجراء السعودي بوصفه اعتداءً على المراسلين أجمعين، ثمّ على حرّية الصحافة كقيمة كونية مقدّسة. ولنر، نفسه، كتب افتتاحية في صحيفته لم تترك ‘مجالاً للشكّ’ في أنّ حجب التأشيرة استند على وظيفته وديانته اليهودية؛ فأغفل، عامداً، حقيقة أنّ المملكة موئل عشرات الصحافيين اليهود، وبينهم دافيد ماكوفسكي زميله في الصحيفة إياها، والذي كان يراسل من جدّة!
الغفلة، ثالثاً، كانت من نصيب ناشطات سعوديات راودهنّ الأمل في أنّ أوباما سوف يثير، خلال لقائه مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، مسائل حقوق الإنسان في المملكة، عموماً، والحرّيات العامة التي تُحجب عن المرأة بصفة خاصة. أو، في أضعف الإيمان، أن يبدي تضامنه مع السعوديات القلائل اللواتي غامرن، في مناسبة قمّة خريم، بانتهاك العرف السائد، وتحدّي المطوّعين، وقيادة السيارة جهاراً. هنا، أيضاً، توفّرت ‘خيبة أمل كبيرة’ لأنّ أوباما اكتفى بتنظيم حفل خاصّ سريع، سلّم خلاله جائزة الشجاعة، التي تمنحها وزارة الخارجية الأمريكية، إلى الدكتورة مها المنيف، المدير التنفيذي لبرنامج الأمان الأسري الوطني، وذلك نيابة عن زوجته ميشيل أوباما. وسوى هذا، لم ينبس أوباما ببنت شفة، حول أيّ حقّ!
وبعيداً عن مترادفات الاستغفال والغفلة والإغفال هذه، ظلّ تراث العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، والسعودية في المقام الأوّل، جاثماً مثل حجر ثقيل على طاولة المباحثات في قمّة خريم؛ وتابعت ‘الركائز′ القديمة مفاعيلها على الحاضر، وكأنها جديدة ومستجدة. خلال عقود الحرب الباردة كانت ستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تعتمد كثيراً على مبدأ احتواء الخطر السوفييتي بمصطلح كوني تحظى فيه الدول ‘الصديقة’ برعاية دفاعية وأمنية خاصة، وتتحمّل الأخيرة في المقابل سلسلة ‘مسؤوليات’ تبدأ من أبسط أشكال المساندة الدعاوية ضد الخطر الشيوعي، ولا تنتهي عند صفقات الأسلحة والقواعد العسكرية. وكانت أسباب عميقة موروثة (النفط، أمن إسرائيل، تعطيل أيّ مشروع نهضوي ديمقراطي عربي…)، تضفي أهمية كبرى على طبيعة هذه الدول الصديقة، وتستدعي نوعية خاصة من الفعل الإجرائي التكتيكي والستراتيجي.
ركيزة تالية فرضها انتهاء الحرب الباردة، حين جرى إدخال تعديل جذري على مصطلح الاحتواء، بحيث باتت البؤرة الإقليمية هي التصغير (المحسوب بدقة ميدانية عالية) للعالم القديم المنشطر إلى معسكرين وقطبين. وتلك النقلة في الستراتيجية دشنها جورج بوش الأب، ثمّ تابعها بيل كلينتون، قبل أن يُخضعها جورج بوش الابن لبعض التعديلات الطفيفة التي فرضها انفجار القوميات والإثنيات في المعسكر الاشراكي السابق، فضلاً عن بلوغ فلسفة المحافظين الجدد ذروة عظمى في تأطير موقع أمريكا الإمبريالي ضمن نظام العلاقات الدولية.
ركيزة ثالثة هي أنّ أهمية النفط الخليجي ظلت آخذة في التزايد، حتى بعد التطورات الدراماتيكية المتمثلة في اعتماد معظم الدول الغربية سياسة التخزين الستراتيجي للخام، وسحب ملفات حصص الانتاج والأسعار من يد الدول المنتجة، وتلزيمها للأسواق والبورصات، فضلاً عن وضع منظمة الـ’أوبك’ أمام أمر واقع ينتهي إلى تحجيمها عملياً. القضايا المتصلة بأمن الخليج واستقراره، في الركيزة الرابعة، ظلّت حيوية بذاتها، وبمعنى لا يختلف كثيراً عن حسابات نظام القطبين، ولكنها باتت أكثر عرضة للتأثّر بالتطورات المعاصرة المترافقة مع صعود إيران، من جهة؛ وتحوّلات ‘الربيع العربي’، من جهة ثانية؛ وإيقاع التطرّف أو الاعتدال في بارومتر الإسلام السياسي، من جهة ثالثة.
بمعزل عن هذه الركائز، كانت زيارة قصيرة لا تتجاوز 24 ساعة كافية لـ’تأكيد الشراكة’، و’تجديد التحالف’؛ وكذلك، طبعاً، ذرّ ما يتيسّر من رماد في العيون!

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً