الثورة السوريّة تدخل عامها الرابع

ـ عمر قدور : ما تسرب عن مخططات لإعادة الإعمار يسربها النظام آملاً بانتصاره لا يغفل أهمية ما تحطم، فهناك بند ينص على إقامة تماثيل لـ“مؤسسي سوريا الحديثة”

ـ سيمون نصار : نجحت الثورة السورية، هذه الثورة التي بدأها الأطفال ودخل إليها الكبار، ثم، شاهدها العالم من أقصاه الى أقصاه على الشاشات، التي تتناقل أشلاء الشعب السوري، في مشهد دموي، أصبح من عاديات العمل الإعلامي الدولي.

ـ إيمان جانسيز: لماذا على السوري دائماً أن يغادر؟. لماذا عليه أن يغامر ويراهن على حياته ومستقبله؟. لماذا عليه أن يقدم منزل العمر رهينة؟. لماذا عليه أن يكون كالغجر دائم النزوح، وهو ابن الحضارت المستقرة على ضفاف الأنهار؟. لم على السوري أن يتحدث همساً؟

ـ إبراهيم الحسين:الثورة في عامها الرابع. هذا يعني أنه عيد الميلاد الحقيقي للكثير من السوريين وأنا منهم. ذلك أن حياتنا الحقيقية، أنا ومن يشبهني، بدأت حين بدأت درعا تخلع ثوب العبودية وترميه في وجه النظام الذي طالما كرهناه.

ـ نزار السعد:لم يكن يُقلقني بالفعل، وهم يقتادونني للمرّة الثانية في سيّارة الأمن الجويّ، وضع والداي الكبيران في السن. فقد صارا بأمان الآن خارج البلد، ولن يتمّ إذلالهما بسببي. كنتُ مرتاحاً لمصيري مهما كانت بشاعته التي تنتظرني.

ـ خر الحاج حسين: حجم التغيير سيكون معادﻻً موضوعياً لهول الدمار. وهذا مايجب أن يجعلنا نمضي بقلوب غير هيابة

      عارف حمزة             

عارف حمزة- بناة المستقبل

كلّ شيء كان محكماً من قبل النظام السوريّ من أجل استمراريّته إلى الأبد؛ وقد عمل الأسد الأب عمله الكبير في بثّ نظريّته الأمنيّة داخل البلاد لمنع أيّ إمكانيّة لاجتماع عدد من السورييّن للتخلّص من سلطته الاستبداديّة. ومن جهة أخرى فقد عمل على ملاحقة كلّ منافسيه وقتلهم أو نفيهم أو تدجينهم. كما عمل على وضع الضباط الكبار تحت المراقبة الدائمة والإقامة الجبريّة كي يمنع أيّ إمكانيّة للتفكير بانقلاب عسكريّ، كما فعل هو في سبعينات القرن الماضي، أو كما كان الحال في فترة الانقلابات في الجمهوريّة السوريّة.
واستلم الأسد الابن تلك الوصايا الذهبيّة من والده ورجال المؤسسّة الأمنيّة اللذين بقي كثير منهم حوله بعد رحيل الديمتاتور. وكان لانطلاق الثورة السوريّة في الخامس عشر من شهر آذار من عام 2011 زلزالاً لكلّ تلك المؤسسّة الحديديّة، ولأولئك الرجال المخلصين لمبادئ المافية والوحشيّة والفساد.
لذلك لو نظرنا إلى الأرقام فحسب سنجد الجحيم الذي حلّ بالشعب السوريّ بعد مضي ثلاثة أعوام على اندلاع ثورتهم في وجه النظام الديكتاتوريّ. الأرقام تتحدّث عن مئتي ألف قتيل وتسعة ملايين نازح، بينما ليست هناك أعداد محدّدة عن أعداد المعتقلين في سجون وأقبية النظام.
في الجانب الآخر تدلّ هذه الأرقام على مدى الفزع الذي أصاب مؤسّات النظام الأمنيّة والمخابراتيّة، في تخلّص الشعب السوريّ أخيراً من عقدة الخوف. الشباب الذي نهض في وجه الاستبداد، لكي يُعيد الاعتبار لبلده سوريّا وكذلك لنفسه كشعب يستحقّ بناء دولته المدنيّة الديمقراطيّة المتحضّرة.
الثورة السوريّة تدخل عامها الرابع، وهنا مجموعة من الشهادات لشخصيّات تنظر إلى الثورة من جهات وزوايا مختلفة.

لحظة تحطيم التمثال
عمر قدّور*

في الخامس عشر من الشهر القادم “نيسان” يصادف مرور ثلاث سنوات على إسقاط تمثال حافظ الأسد في مدخل مدينة الرستن، قد يبدو هذا التفصيل هامشياً اليوم بعد أن أُسقطت تماثيل كثيرة وأُزيلت صور كبيرة وعملاقة، للأسدين الأب والابن، من العديد من المدن والبلدات السورية. لحظة تحطيم التمثال كانت لحظة شخصية فارقة لي، إذ طالما مررت مسافراً كملايين السوريين الذين عبروا ذلك الطريق، وكان ذلك التمثال بمثابة شوكة في الحلق، هو والتمثال الآخر الضخم الذي يُعرف بتمثال دير عطية، لا يقلل من ذلك أن كافة المدن والبلدات السورية فيها تماثيل مشابهة بناء على قرار حكومي قديم. تمثالا الرستن ودير عطية، بسبب وقوعهما على الطريق الدولي والمبالغة في إبرازهما، كانا بمثابة رمز لعدم قدرتنا على الفكاك من رموز الديكتاتورية أينما توجّهنا.
ما تسرب عن مخططات لإعادة الإعمار يسربها النظام آملاً بانتصاره لا يغفل أهمية ما تحطم، فهناك بند ينص على إقامة تماثيل لـ”مؤسسي سوريا الحديثة”. مرة أخرى، قد يبدو هذا تفصيلاً هامشياً، لكن وجود نية لإعادة نصب التماثيل يبرهن على أهميتها للديكتاتورية. الثورة بدأت بالنسبة إلى “كما الجميع” في الخامس عشر من آذار، غير أنني احتفلت بها للمرة الأولى يوم تحطيم تمثال الرستن، وانتصارها النهائي يعني فيما يعنيه لي أن أتجوّل في سوريا من دون أن تتلوث عيناي برؤية أي تمثال. نعم، لو لم تفعل الثورة سوى ذلك لكنت مديناً لها بما تبقى من العمر.

عمر قدور شاعر وروائي وصحافي سوريّ  

سقوط جمهورية الخوف

سيمون نصار *

نجحت الثورة السورية. نعم، نجحت هذه الثورة التي بدأها الأطفال ودخل إليها الكبار، ثم، شاهدها العالم من أقصاه الى أقصاه على الشاشات، التي تتناقل أشلاء الشعب السوري، في مشهد دموي، أصبح من عاديات العمل الإعلامي الدولي. أصبح الدراما السورية اليومية التي يتابعها العالم. ليست تلك الدراما التي كانت تنهل من التاريخ السوري، ويمول النظام بعضها. بل الدراما السورية الحقيقية، حيث التمثيل الحقيقي، حيث سوريا الحقيقية التي كانت تخفيها أطنان من أدوات التجميل وأطنان من الصمت وأطنان من الخوف. يسقط السوريون يومياً بالعشرات، يموتون بلا أي سبب واضح إلا ذلك السبب الذي بدأت الثورة من أجله. إسقاط حكم الديكتاتور الذي ورث الدولة عن أبيه الطاغية. هذا ليس هدفاً عادياً، لم يكن هذا الهدف عادياً في أي عصر من العصور التي شهدت طغاة. لكنه حين بدأ زرعه في الحقل السوري أنبت آلاف الشهداء.

نهض السوريون من نوم عائم. كانوا ينامون على حراب الذل طوال عقود وتحتهم برك المياه الآسنة والمستنقعات. كانت جدران منازلهم ترتجفُ من كلمةٍ إن قيلت صدفة خلفها. لكنهم نهضوا، وحين جاءتهم قدرة الوقوف على الحراب بدل التمدد عليها، عاجلهم الرصاص والموت والتعذيب في السجون، داواهم بالإغتصاب لنسائهم وبناتهم، وقلع الأضافر لأطفالهم والتنكيل بجثثهم، بالصواريخ البالستية التي بقي السوري طوال حياته يحلم أن تنزل على رأس اسرائيل فإذا هي تنزل على رؤوس أهله وأصحابه. بالأسلحة الكيميائية التي أطالت نوم أطفالهم في الغوطة. الغوطة نفسها التي هي رئة دمشق منذ ألفي عام. سمم رئة الشام وسلة أهلها الغذائية. نهض السوريون من نومهم العائم على كلمة واحدة على قبضة واحدة على شعار واحد وهذا سر نجاح ثورتهم العظيمة.

نهض السوريون نهضة واحدة. بنى الأسد سورية الرمادية طوال أربعة عقود، لكنها حين فجرها الأطفال في حارات درعا، تفجرت ألواناً وصراعات، تفجرت أمماً لا يجمع بينها سوى سوريا. ولعل الدم السوري الذي فتح قنواته على آخرها، جعل من دراما هذا الشعب، العمل الدرامي الأكثر مشاهدة على مدار ثلاث سنوات ناجزة. لكن ما فائدة هذا الدم؟ ما الفائدة في أن يموت الأطفال في درعا، اغتصاباً وتعذيباً. وأطفال حلب وهم ينامون في بيوتهم، يخرجون والغبار يأكل أجسادهم والشظايا تنتفُها؟. ما الفائدة الوجيهة لهذا الدم؟ حين نرى الدمار الحاصل في حمص والركام الذي طمر أهل اليرموك وجوعهم، قتلهم جوعاً في إستعادة جارحة وموغلة في الوجدان الفلسطيني لتجويع مخيم صبرا وشاتيلا في منتصف الثمانينات بقرار من النظام نفسه وتنفيذ المليشيات الشيعية نفسها. كأن الفلسطيني مطالب دوماً بإظهار تجاعيد جسده ووجهه سواء بالعمر أو بالجوع. واليوم يشاركه السوري في رحلة الظلم المستمرة.

نهض السوريون على قدم واحدة. قالوا للنظام أن القتل لا يجدي، وأن الدم الذي ننزفه بكرامة، أفضل من الخبز الذي نأكله بالذل. عاشوا عقودهم البعثية – الأسدية بالفقر والعوز، عاشوا من كرم الأرض السورية الواسعة. وها هم حين إنتفضوا على الظلم رووها بدمائهم ودماء أبنائهم.

نهض السوريون ونجحوا في نهضتهم. فالديكتاتور الذي يتحضر لإنتخابات رئاسية ولولاية جديدة، لم يتمكن هذه المرة أن يصل سوى لعدرا. سوى لتلك الضاحية حيث السجن الشهير، مع أني أحلم أن لا يصل سوى لساحة المرجة حيث كان والده يعلق المشانق. هناك حيث سيعلق كأي مجرم قاتل وسأفرحُ إن كنت هناك لا لأني أحب الموت، بل لأني أحب الكنافة وسوق الطيور وعصير التوت تحت جسر الثورة.

* سيمون نصار: كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في فرنسا

 

بزق وطين وحنين
إيمان جانسيز*

غادرت سوريا عام 2004 إلى الخليج هرباً وبحثاً عن حياة أفضل. وانقطعتُ بشكل متعمد عن أخبارها. وماذا يمكن أن تعني سوريا لامرأة تعتبر حتى ولادتها من منجزات الحركة التصحيحية، وتدرجت كغنمة من منظمة طلائع البعث إلى اتحاد شبيبة الثورة إلى اتحاد الطلبة.. إلى .. إلى… لم يوفروا أية وسيلة لتغييبها وتدجينها في مجتمع لجدرانه آذان تسمع، لكنه لايستطيع الكلام. مجتمع كل مافيه يثير الشك والريبة. كل العيون فيه قلقة ومضطربة، والأرواح تغوص في أسى غريب،  والأجساد تجرّ نفسها وتمشي الحيط الحيط ..
في الخليج تعلمت أن أعتد بنفسي ، وأن أكون فخورة بسوريّتي كآلية تعويضية ربما. وكنت لاأكفّ عن انتقاد ظاهرة “البدون”. وأتغنى بالمجتمع السوري الذي تعيش فيه كافة القوميات والطوائف في حب وانسجام مطلق. لم تكن إلا مصادفة قذفها في وجهي أحد الأصدقاء الخليجيين قائلا: سورية ليست “أنظم”. أنتم أيضا لديكم الأكراد محرومون من الحصول على الجنسية السورية إلا فيما ندر. ممنوعون حتى من التكلم باللغة الكردية. لم أصدّق هذا الكلام بداية، حتى بدأت رحلة تعلم مالم يريدوا لنا أن نتعلمه. وياللعار الذي شعرت به عندما علمت بانتفاضة الأكراد في نفس العام الذي غادرت فيه!. هكذا ببساطة لم أكن أعلم أن دماً سورياً ثائرا شجاعاً أريق في وجه الظلم. وهذا ماجعل المسافة بيني وبين سوريا أكبر، ولم يعد يربطني بها سوى طريق المطار، وأوغلت في البعد عنها. كانت باختصار بالنسبة إلي سوريا الأسد.
اندلعت الثورة، ولم تكن النيران التي تعتمل في داخلي أقل اتقاداً أبداً. هذا ما كنت أحتاجه لكي أعرف أنني لم أكن أرتب ملابسي وأغراضي في حقيبتي فحسب، بل كنت أيضاً أطوي سهول بلادي وجبالها ووديانها وحزنها في قلبي، وأحملها معي أينما اتجهت. كان حبهاعميقا في داخلي، أعمق من أن أراه. وياللمصادفة. يشاء القدر أن تكون حارتي الصغيرة “باباعمرو” أيقونة الثورة. وكان اسمها يملأ صفحات الجرائد والإنترنت وشاشات التلفزة. كل ذلك كان خارج التوقعات. من كان يدري أن القزم الذي مسخنا إليه سيتحول فجأة إلى مارد؟. كانت المدن الكردية من أوائل المدن التي قامت لنصرة درعا وحمص وإدلب. وكانت عامودا تصرخ: باباعمرو..وتحولت هي الأخرى إلى أيقونة الشمال. وقلت لو شاء الله ودخلت سوريا سأزور عامودا. لست أدري من طوع الآخر لرغبته أنا أم الصدفة. دخلت سوريا من الحدود الشمالية.، والتقيت بأسرتي في رأس العين. ولم يمض يومان على وصولي حتى حدثت اشتباكات عنيفة بين طرفين للأسف ليس النظام أحدهما. سمعت أبي يقول: ليس أمامنا سوى النزوح باتجاه عامودا. شعرت أن قلبي قفز بين أضلعي، وكنت سعيدة بكل ما أتعرض له من خطر. كان ذلك يشعرني على الأقل بما يشعر به السوريون.
كان الطريق إلى عامودا كنز مناظر؛ الطرق الترابية، الغيوم التي تلمس الأرض بأصابعها، سهول الحنطة التي حصدت قبل الأوان خوفا من النيران، مضخة الماء التي تجمع حولها أطفالاً كانوا يتكلمون الكردية، رائحة الطين المتجمع حولها، تحت أقدام الصغار الذين أعادتني وجوههم تلك إلى طفولتي حيث كان الكردي يعني لي عمر وشيرين وفريدة جيراننا، رفاق الجري في شوارع حارتنا الضيقة في باباعمرو. الليالي الطويلة التي قضيناها معا بانتظار عودة أهلهم من قطاف الزيتون الكردي. زيت عفرين وزيتونها. فستقها و مناديل نسائها الجميلات.أنغام البزق الحزينة. وجدة كردية عتيقة لا أعرفها.
وصلنا إلى عامودا. هاأنذا أتنفس هواءها الثقيل. ثمة حزن ثقيل عالق في هوائها. شعرت بالاختناق، وبأن أرواحاً هائمة تطوف حولي. أقمنا في منزل من اللبن واضح أنه هُجر للتو. على جدار الحوش كتب بخط طفولي: ارحل يابشار. في الزاوية مجموعة من الأحذية رتبت على عجل.. بينها حذاء رياضي للطفل مازال رباطه معقودا. مازالت الفرش الملونة مرتبة. كمبيوتر قديم. مجموعة من الجوارب عقدت على شكل كرة. كرت دعوة إلى عرس لم يمر عليه سوى أشهر. أسماء محفورة على باب الخزانة: عثمان.
قضيت ساعات وأنا أتقصى كل شيء في هذا المنزل الصغير، الذي علمت فيما بعد أن أصحابه في أزمير بانتظار حظهم في الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. قدموا منزلهم رهينة للسمسار الذي أمن لهم فرصة الخروج.
كانت عيون الجيران تنظر بفضول إلينا، عندما رأوا أنوار المنزل مشتعلة، ويبدو أن أحدهم أبلغ صاحب المنزل بوجود أغراب في منزله. استطاع الحصول على هاتف أبي، وبصوت باك ومرتبك أوصى بإطعام الدجاجات، أوصانا بمنزل العمر، فربّما يعود.
لماذا على السوري دائماً أن يغادر؟. لماذا عليه أن يغامر ويراهن على حياته ومستقبله؟. لماذا عليه أن يقدم منزل العمر رهينة؟. لماذا عليه أن يكون كالغجر دائم النزوح، وهو ابن الحضارت المستقرة على ضفاف الأنهار؟. لم على السوري أن يتحدث همساً؟. لم عليه أن يظل خائفاً؟. لم عليه أن يبكي بصمت، وأن يموت بصمت؟.
كل هذه الأسئلة كانت تدور في خاطري وأنا أغادر المنزل ، مودعة عامودا وأهلي. وكل ظني أن هذا اللقاء لا يجب أن يكون الأخير.. والسوري إذا شاء فعل. غادرتُ ولكن كتبت أنا الأخرى على الحائط، محاولة تقليد خط الصغير: قربانك سوريا.

إيمان جانسيز مدرّسة.    

معنى الثورة والشباب الكرديّ والأحزاب الكرديّة
إبراهيم الحسين
*

الثورة في عامها الرابع. هذا يعني أنه عيد الميلاد الحقيقي للكثير من السوريين وأنا منهم. ذلك أن حياتنا الحقيقية، أنا ومن يشبهني، بدأت حين بدأت درعا تخلع ثوب العبودية وترميه في وجه النظام الذي طالما كرهناه.
في تلك الأيام التي لن أنساها أدركت وللمرة الأولى أن ثمة وطن يشرّفني الانتساب إليه والعمل لأجله. وأنّ هناك أخوة لي يذوقون جزءاً من الظلم الذي طالما تجرّعته.

أذكر وبفرح شديد كيف كانت الراية الكرديّة ترتفع خفاقة في سماء دير الزور ودرعا وحمص، وكلّ المدن السورية، جنباً إلى جنب مع العلم الوطنيّ. وأذكر كيف نُصبت فيها بيوت العزاء بعميد الشهداء مشعل تمو. وأعتقد أنّ لا أحد سيدرك عظمة ذلك كالكرديّ الذي عانى الأمرين تحت سياط الحكم الأسديّ.

شخصياً، للثورة فضل كبير عليّ؛ إذ أعادت لي الرغبة في حياة ذات هدف. حياة أبعد ما تكون عن العبثيّة التي صبغت كل السنين الفائتة من عمري. لذلك أحببتها. باتت الملهم لي والبوصلة التي أوجه كل شيء إليها كي لا أحيد عن دربها.

وليس من باب الندم، أو الإقرار بالخطأ، وإنما من باب التوصيف، أقول بأنّ العاطفة هي التي تحكمت بي في أول أيام الثورة؛ إذ كنتُ، وكالملايين، أبشّر بأن النصر آت في أسابيع قليلة، وستعود دمشق لمن يحبّها، متخلصة من نظام اغتصبها عقوداً. كنا مدفوعين حينها بعشق مُسكر للحرية، فارتهنّا لعواطفنا سيما وأن الدهشة غلبتنا، ونحن نرى متاريس الخوف تسقط كلها بعد عقود من اللاحياة التي عشناها.

ولو حكمنا العقل حينها ولو للحظة لعلمنا أن الثمن كبير. كبير جداً. فالنظام الذي خبرناه جميعاً، والذي تغلغل في كل شيء سوريّ وعاث فيه فساداً، وبنى دولة القمع التي لا تضاهيها دولة على مرّ التاريخ الحديث، لن يتخلى عن الذي بناه ولو دمّر البلاد وأفنى العباد وهو ما تأكدنا منه لاحقاً .

غير أن الأمر- أي الارتهان للعاطفة – ربما كان في صالح استمرارية الثورة، لأن حسابات الخسارة حينها، وتقدير ضخامة الثمن، ربما كانت ستدخل الوهن لقلوبٍ عاشت أصلاً على الخوف والرعب.

ومع ذلك وعلى مدى الأعوام الثلاثة الفائتة أدركت أن كل ما يمكن دفعه من أثمان يجب أن تُدفع، لأن من العار حقاً أن يحكمنا نظام كشف عن كل وضاعته وصفاقته وإجرامه. كما أدركت أن هذه التضحيات ستكون نزهة بالمقارنة مع ما سيكون الحال عليه في حال نجاحه في إطفاء الثورة.

وإلى جانب الآلام التي تجرعناها ونحن نرى البلاد يدمرها عبيد الأسد، وإضافة للغصّة التي تحرق القلوب ونحن نتذكر شهداءنا الغوالي وأحبتنا الذين فقدناهم ، فإن هناك أمران تركا أكبر الأثر في نفسي. الأول كان ضعف الأداء السياسي الكرديّ في غمار الثورة، فبمعزل عن المشاركة الشعبية وخاصة الشبابية للكرد، كانت الأحزاب الكردية التقليدية متخبطة، وكان أداؤها أبعد ما يكون عن المتوقع، وهي التي كان يمكن لها أن تقود الحراك برمّته، للعوامل الذاتية والموضوعية التي كانت تتمتع بها في ظل خبرتها التنظيمية، ولكونها كانت عملياً التيار السياسي المعارض الوحيد في البلاد الذي يملك قاعدة شعبية تلتف حولها في الملمّات. وأما الثاني فهو انضمامي لصفوف اللاجئين. إذ بعد العمل في خدمة الثورة بشكل غير علني لمدة عامين ونصف، وجدت نفسي مكرهاً على مغادرة مدينتي التي أحب، وهجرة أهلي وأصدقائي، تاركاً خلفي أكثر من أربعين عاماً بما تحفل به من ذكريات وعواطف مرتبطة بالمكان.

اليوم ربما يكون الوهن قد تسرّب لنفوس الكثيرين لكنني لست منهم. الثورة ماضية بنقائها ورونقها كما بدأت. فهي ليست مادة تلوث، بل هي مجموعة قيم لا يعتورها خدش. هي كالصراط مستقيمة لاتنحرف. هي غربال تصطفي الثمين وتكشف الغث. هي الميزان والبوصلة. وأما الخبيث الذي طفا على السطح في بعض مراحلها فالمسؤول عنه أدعياء الانتماء لها، المنافقون الذين لمّا يدخل الإيمان بها إلى شغاف قلوبهم، أو الضعفاء الذين لم يصبروا أمام فتن أثارها نظام يموت ويستخدم كل طاقته للنجاة..

الثورة ماضية وستنجح؛ لأن نواميس الحياة تقول بأنّ الشعوب المضطهدة لا تُقهر وأن لا شيء يصمد أمام رغبتها في التغيير. ستنجح الثورة وسيكون أمامي أنا الكردي السوري بقية من عمر أنفقه في خدمة بلد تحكمه قيم العدالة والمساواة، ولا أشعر فيه أني (ربع مواطن) كما كنت عليه في زمن نظام أوغل في تهميش الإنسان، وفرّق بين الأعراق، وميّز بين المكونات والطوائف، وإن كان باذخاً في توزيع الظلم على جميعها.

إبراهيم الحسين قاضي انشق عن النظام وصحفي.

أقبية الوحشيّة 

نزار السعد*

لم يكن يُقلقني بالفعل، وهم يقتادونني للمرّة الثانية في سيّارة الأمن الجويّ، وضع والداي الكبيران في السن. فقد صارا بأمان الآن خارج البلد، ولن يتمّ إذلالهما بسببي. كنتُ مرتاحاً لمصيري مهما كانت بشاعته التي تنتظرني.
في المرّة الأولى قتل اثنا عشر معتقلاً تحت التعذيب. كان عدداً ينقص يوماً بعد آخر، وكان ذلك مخيفاً بالفعل. كنتُ أخاف. وكان البقيّة يبكون في نومهم. كنّا نتحمّل كلّ شيء لدرجة الإغماء وفقدان الوعي. ولكن عندما كنّا نعود محمولين على آياديهم الوسخة، ويرموننا مثل “شوال من البطاطا المتعفّنة”، في ذلك الوقت كنا نعود إلى شخصيّاتنا المتلهّفة للسلام.
لهذه الدرجة كان عملنا كأفراد يُخيف أولئك المتوحّشين.
عندما كانوا يبصقون في وجهي وينادونني بالخائن، كنتُ أنزعج وأريد مناقشتهم. وفيما بعد كنتُ أشعر بالفخر لأننا خنتُ هؤلاء الوحوش اللذين بلا أدنى جزء من الأخلاق، أو طبيعة الإنسان. وفي مرّات كثيرة كنتُ أحبّ أن ينادوني زملائي بالخائن، أو أن أناديهم بذلك!!!.
كنتُ سعيداً لأنني كنتُ أخون “ربّهم بشّار الأسد”. وكانوا يتوعّدونني بأنّهم سيحرقون ويعدمون أمثالي الخونة. كانوا يهددونني وكأنني عشرة آلاف شخص، ولست شخصاً فرداً أعزلاً مقيّد اليدين والقدمين والعينين تحت وحشيّة خمسة وحوش.
أنا أشعر، والثورة تدخل عامها الرابع، أنّ نظام بشّار الأسد سفط من أول أيام الثورة. ويوماً ما سنعرف جميع قبور جميع أصدقائنا اللذين ماتوا تحت التعذيب، أو القنص أو الحرب أو القهر، ونذهب لنحييّ جرأتهم وشجاعتهم التي أرادت أن تكون سوريّا وطناً وليس سجناً. جنّة وليس مزرعة للإقطاعييّن الجدد ومافيات النظام.
في العيد الثالث للثورة أحبّ سوريّا أكثر.
سوريّا صارت في عامها الثالث ونحبّ طفولتها وبراءتها بإصرار.

حجم التغييّر وهول الدمار

صخر الحاج حسين*

ربما تكون كلماتي القليلة صادمة. هي ليست شهادة بثورة الكون، بل بوح كنت أردده غالباً.
ماحدث ويحدث وسوف يحدث ماهو إﻻ جزء يسير مما يتمناه كل بشري ﻻ يرى في الحياة استحاﻻت. ﻻ شك أن الثمن باهظ، لكنه جدير أن ندفعه لقاء مايمكن أن نصبح عليه ولو بعد حين.
حجم التغيير سيكون معادﻻً موضوعياً لهول الدمار. وهذا مايجب أن يجعلنا نمضي بقلوب غير هيابة، وعقول تشرع ماتبقى من شغفها بالأفق، إلى تلك الضفة التي طالما حلم بها بنو البشر. إلى عدن حقيقية تجري فيها مياه سرقت لون السماء، وحيث يكون الحب حباً، وحيث تذوب اللغة وتتمنى و ﻻ يبقى من مفر سوى اللجوء إلى البداهة الأولى.

صخر الحاج حسين مترجم وصحفي سوري يقيم في دولة الإمارات.  

 

شاهد أيضاً

بوتين يستدعي بشار الأسد إلى حميميم ليلتقيه هناك

  وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الاثنين الى قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، بعد …

اترك تعليقاً