الربيع العربي ..أصل الفوضى و فصلها

 

ahmad-barqawi_15

د.أحمد برقاوي- بناة المستقبل- العدد السادس ـ مارس آذار 2014

يطل علينا العقل الكسلان والعقل المزيف بأسئلة خالية من معنى السؤال , السؤال من حيث هو قفزة في المجهول ودال على قلق معرفي , فيما سؤال العقل الكسلان و المزيف سؤال شامت وعارف للحقيقة لكنه يخفيها وراء لغوٍ غبي .

من هذه الأسئلة اللا أسئلة : أليس وجود الفوضى في بلدان الربيع العربي تأكيد أهمية السلطة التي كانت و التي بذلت الجهد الكبير لقمع الحركات الاصولية و تحقيق الأمان اليومي ؟.
هذا ” السؤال ” الأيديولوجي المعبر عن السلط المنهارة إنما يهدف إلى الدفاع عن القديم وما ينطوي عليه من فساد وقمع واستبداد باسم الدفاع عن الاستقرار و الأمن الذي كان .

سؤال كهذا عقيم لأنه لا ينطوي على إمكانية جواب .

دعونا نطرح الأسئلة الصحيحة : كيف تأتى لمجتمع كان مضبوطاً من قبل السلطة أن انفلت هذا الانفلات بعد زوال هذه السلطة ؟.

من لا يرى إمكانيات الفوضى قابعة أصلا في قلب المجتمع ومن لا يرى مسؤولية السلطة الحاكمة عن ولادة هذه الإمكانيات عبر فترة طويلة من زمانها السلطوي فأنه لا علاقة له بفهم السيرورة الاجتماعية – التاريخية . وإلى هذا كان يشار دائماً من قبل القوى الديمقراطية – العلمانية التي سجن بعض رموزها في كل بلدان الربيع العربي .
دعونا ننطلق من فرضية تقول : إن أي مجتمع في هذه المرحلة من التاريخ الإنساني , وبخاصة المجتمع الأكثر عرضة لرياح التأثير العالمي يحرم من تكوين شخصيته السياسية والثقافية والمدنية بشكل حر فإنه في لحظة من انهيار السلطة سيتفجر وتتخلخل حتى بناه التقليدية ويمر بفترة طويلة من الفوضى إلى حين وصوله إلى حالة لم يعد معها بد من رسم ملامح مجتمع الشخصية الحرة .
ماذا فعلت تلك السُلط الحاكمة والتي لم تستفد من انهيار المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي و زوال الدولة التسلطية فيه.

فالسلطة المستبدة منعت ظهور الحزب بوصفه تعبيراً عن اتجاهات المجتمع . فغياب الحياة الحزبية الحرة حرم أبناء المجتمع من حال الانتماء السياسي ومن حال تنظيم المجتمع في حركات حزبية هي بالأصل غير عنفية . و عولت على أحزاب شكلية وذات وظيفة سلطوية فلكلورية .
وهكذا فحرمان المجتمع من الجماعات الحزبية دفع المجتمع إلى البحث عن عصبيات غير سياسية ( الطائفة – المنطقة – العشيرة – العصابة – العمل السري ) وأخطر من هذا وذاك خلقت الجماعات غير المبالية . واللامبالاة هنا هي احتجاج صامت على السلطة .
و الحزب ليس مجرد تنظيم سياسي بل هو تنظيم مجتمعي ثقافي يتعلم فيه الفرد السياسة وأسلوب الحياة السياسية و الاعتراف السياسي المتبادل . فحرمان المجتمع من الحياة الحزبية حرمان المجتمع من السياسة , وحرمان المجتمع من السياسة حرمان السلطة من الماهية السياسية, وتحولها إلى غول مجتمعي .
وهذا الغول المجتمعي – بوصفه خائفاً و مخيفاً منع ظهور شخصية المجتمع المدنية كما منع ظهور شخصيته السياسية .
فإما إنها منعت ظهور المجتمع المدني ( النقابات , الجمعيات , المنتديات , منابر التعبير الأهلية – صحف مجلات …الخ ) أو أفرغت المجتمع المدني من وظيفته التعبيرية و التمثيلية والمصلحية .
وهي إذ حرمت المجتمع من تعبيراته المدنية حملت الناس على البحث عن ما يسد حاجاتهم للاجتماع المدني – المصلحي , فلم يجدوه إلا في الجامع و الجمعيات الدينية . وللقارئ العربي أن يتخيل أربعين عاماً من الحرمان النقابي وأربعين عاماً من الانتماء للخلاص الديني .
كما قاد حرمان المجتمع من الشخصية المدنية يعني إعادته إلى ما قبل الدول الحديثة نت جهة والحيلولة دون وجود قوة لاجمة لتغول السلطة , وترك السلطة حرة في عبثها و تدميرها للمجتمع .
وقد ترتب على حرمان المجتمع من شخصيته السياسية و المدنية أن فقدت النخبة المجتمعية والثقافية و السياسية و دورها إن وجدت , أو منعت السلطة ظهور أي فاعلية لها وفتحت الباب أمام سيطرة النخب العسكرية و الأمنية و المالية المتحالفة مع السلطة والتي أثرت بسبب هذا التحالف و الفساد

……
وهكذا وعندما صار القمع و العذاب الذي ولدته السُلط الفاسدة و القمعية المتخلفة أكبر من طاقة المجتمع على تحمله , ثار المجتمع دون شخصية سياسية و شخصية مدنية ونخب قادرة على توجيه حراكه .
فصار أن نشأت الجماعات كيفما اتفق : من الجماعات الأصولية العنفية , إلى الأصولية السلمية , إلى الجماعات الديمقراطية , إلى الجماعات الإجرامية , إلى الجماعات المحلية , إلى الجماعات السلطوية ( الشبيحة ) , بل وتحولت السلطة نفسها وبقاياها إلى جماعات تشليح وسرقة وقتل .
وليس غريباً أن نجد التشابه الكبير بين النموذج الليبي و العراقي و السوري , والتشابه بين النموذج المصري و التونسي وحضور مشكلات هذه الدول في النموذج اليمني على نحو ما .
لقد ولّدت هذه السلط المتأخرة تاريخياً جماعات البروليتاريا الرثة ( الحرافيش ) بأعداد كبيرة , وحطمت قلب المجتمع أي الفئات الوسطى . وخلقت جيشاً من العاطلين عن العمل , وفئات عنفية من الأمن , وزعامات محلية من المخبرين , وجماعات المجرمين القانونيين وغير القانونيين , وكل هذه الفئات كانت على أُهبة الاستعداد لتعبر عن ذاتها بأشكال مختلفة في اللحظة التي تنهار فيها الدولة التسطلية.

وإذا كان النموذج التسلطي في سورية هو أبشع النماذج واكثرها دموية و أبرزها تأخراً تاريخياً فهذا لا يعني أن السلط الأخرى التي انهارت كانت مختلفة من حيث الجوهر عن هذه السلطة .
وهذا الذي يفسر لنا ظهور المجتمع المنهار أصلا قبل أن يعبر عن انهياره بهذه الصورة .
أبعد هذا يتحسرون على أمان هش و مجتمع قد يحمل بذور انفجاره و سلطة مدمرة للحياة ؟!!.

شاهد أيضاً

برهان غليون: عقدة الأسد

  برهان غليون: العربي الجديد ذكرت لي إحدى المشاركات في فيلم وثائقي فرنسي عن اغتصاب …

اترك تعليقاً