نقاش سوري في «عنصرية» اللبنانيين ومناهضتها

logoحسان القالش ـ الحياة: مســـألة اللاجئيـــن السوريين في لبنــــان، وكيـــف يُصــار إلى رؤيتها والتـــفاعل معها سلباً أو إيجاباً، هي في الأساس مسألة وجودية ومشكلة مــــن مشاكـــل الكيانية اللبنانية، فالفريقان معاً، الكاره للاجئيـــن، والـــمرحب بهم، إنما يعبران عن أزمة الكــيـــان اللبناني عبر مرآتِه الأثيرة: العلاقة مع سورية.

فإذا كان الفريق الأول، وعبر حملات فايسبوكية، استخدم في حملته مفردة تعبر عن التطرف في العداء كـ «النازية»، فالأمر لا يتعدى كونه تعبيراً عن عجز مطلق عن ابتكار الحلول المناسبة، سواء عبر المؤسسة النيابية مثلاً أو مؤسسات المجتمع المدني، أو هو «ضيق»، بالحد الأدنى، كما أسمته زميلتنا بيسان الشيخ في معرض تناولها للمسألة في هذه الصفحة (29-3-2014). هذا فيما السمة الغالبة على التحرك الفايسبوكي للطرف المقابل هي الاعتذار عن الطرف الأول الممزوج بمشاعر «الشفقة» تجاه موضوع المسألة نفسها. على أن هذه الاعتذارية بذاتها هي مَكمن الضعف عند هذا الطرف، إذ تُعبر عن اعتراف بوجاهة ما لمطالب خصمه.

بيد أن الخوف الكياني اللبناني ليس مسألة لبنانية خالصة تتعلق باللبنانيين فقط، إنما تتعداهم إلى السوريين أنفسهم، على المستوى الشعبي، كفاعلين ومثيرين لهذا الخوف. ذلك أن معظمهم ينظرون إلى لبنان ويتعاملون معه على أنه جزء من سورية، أو على أنه كيانٌ هش في أحسن الأحوال، غير حاملين على محمل الجد سيادته وحدوده ومصالحه. وهذا الأمر إنما ينسحب على شريحة من المثقفين السوريين أيضاً. وهذا ما يعود بمجمله إلى تاريخ العلاقات بين البلدين منذ إعلان لبنان الكبير في 1920. فعلى رغم الاعتراف السوري باستقلال لبنان، اللاحق في 1943، بقي السوريون يضمرون رفضاً لهذا الاستقلال ولم يوفروا أية مناسبة للتعبير عن شعورهم الفوقي تجاهه، وهذا ما نجده في علاقة الآباء المؤسسين للكيان السوري برياض الصلح الذي حفظ سيادة بلاده واستقلالها باتخاذه مسافة استقلالية بينه وبين حلفائه وشركائه السوريين. هذا من دون ذكر ممارسات نظام عبد الناصر الوحدوي السوري والوصاية المديدة لنظام البعث على لبنان.

وأن يكون لبنان واللبنانيون اليوم، أي الدولة العاجزة والمجتمعات المحتقنة معاً، في مواجهة تحـــديات الكــــارثة البشرية السورية، فهذا ما يختلف عن كل من حالات تركيا والأردن في تعاطيهما مع الكـــارثة ذاتها. ذاك أن الدولة في تركيا والأردن، هي مـــن يتــخذ القرارات ويرسم السياسات في ما يتعلق بهــــذه المشكلة، بشكل تبقى فيه تحت السيطرة وقيد الانضـــباط. لا سيما وأن تركيا، والأردن بنسبة أقل، أقدر على مواجهة التحديات الكيانية التي تفرضها المسألة السورية بالعموم، ومسألة اللاجئين بشكل خاص.

وإذا كان صحيحاً أن اللاجئين السوريين يلقون هناك ترحاباً ومعاملة أفضل، فيما يتعرضون في لبنان لمعاملة توصف بالعنصرية والفوقية، فهذا لا يعني أن لجـــوءَهم إلى لبنان مشابه للجوئهم إلى تركيا أو الأردن، فـــضلاً عن حرية التنقل والنشاط السياسي للسوريين فــيهما. ذاك أن نشاط السوريين في الأردن وتركيا يتم في أغلبه تحت أَعين أجهزة الدولة فيهما، ما يجـــعل تأثيره على الداخل، السياسي والأمني، محدوداً وقابلاً للاستيعاب، وهذا ترف لا يملكه لبنان، دولةً ومجتمعاً. ومن جهة أخرى يشعر السوريون بالمرارة وبالغدر أيضاً، فقد سبق لهم أن استقبلوا لاجئين من دول الجوار في أكثر من مناسبة، كانت آخرها في 2006 أثــناء حرب إسرائيل على حزب الله، حيث كان الاستقبال حاراً وشعبياً للاجئين معظمهم من جمهور الحزب. لكن الواقع أن حرارة الاستقبال جاءت نتيجة تأثر المزاج الشعبي السوري يومها بدعاية حزب الله الذي لم يكن قد انكشفَ للسورين بعد. وكم تباهى سوريون يومها بأنهم طَردوا ضيوفاً لبنانيين لأنهم تطاولوا على «السيد» الذي شردهم بحربه العبثية مع إسرائيل.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة وسخرية القدر، فضيوفُ الأمس هُم من يَقتلون مُضيفيهم في ديارهم… هُم من يَستعدونَهُم في ملجئِهم اللبناني عبر البروباغاندا التي شوهت صورتهم وحقيقتهم، والتي كان حلفاؤهم شركاء فيها. وبديهي هنا، في مواجهة السلاح والبروباغاندا، ألا يمتلك الطرف الآخر إلا الاعتذار، فهُم ضحايا مثلنا أيضاً.

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً