الفكر وصناعة السياسات الدولية

– كانت أخطر هذه الممالك النخبوية الفلسفية المعاصرة مملكة نيتشه الذي ثار على الهيغلية وقدم أفكاراُ مختلفة عن الوعي وعن تصور الذات ودرس الأخلاق بعيداً عن الأفلاطونية والمسيحية والميتافيزيك ، ويعتبره بعض الدارسين ملهماً للفكر الوجودي ومؤسساً للحداثة .

– غالباً ما تكون السياسة بنتاً غير شرعية لكثير من الفلسفات المعلنة والخفية معاً.

 ـ ذكر هتلر في كتابه (كفاحي) أنه تأثر بكتاب وجده بين كتب أبيه يتحدث مؤلفه فيه عن الحرب الفرنسية جعله يتساءل في فترة مبكرة من عمره عن الأسباب التي جعلت أباه وغيره من الألمان النمساويين يفشلون في الدفاع عن ألمانيا .

ـ حين التقيت روجيه غارودي في دمشق حاورته حول  اعتناقه الإسلام وهو الماركسي الملحد كما كنت أظن، فاكتشفت أن فهمه للماركسية شديد الاختلاف عن فهم من عرفتهم من الماركسيين الآخرين الذين سمعنا من كثير منهم قولهم (الدين أفيون الشعوب)  سألت غاردوي عن ذلك فقال هذا أكذوبة.

ـ المفارقة أن بعض الفلسفات التي نشطت لتحل محل مثاليات هيجل وماركسية كارل وشيوعية لينين وما كان فيها من حرص على معاني العدالة والتزام بحقوق العمال والفلاحين والعبيد، جاءت تعلن مبادىء لاأخلاقية، وتجد من يقبلها ويروج لها في عالم السياسة

333د. رياض نعسان أغا- بناة المستقبل- العدد السادس مارس 2014

لعل الإسلام كان أرحب في قبوله للفلسفة التي انطلقت في الغرب خارج الكنيس والكنيسة، فقد قبلها في أروقة المساجد، وانتشر الرواقيون كما كانوا في عهد اليونان  يفكرون ويناقشون، رغم أن الصراع سرعان ما  احتدم  بين تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت، ولقد كان من حسن حظي أني قرأت في مرحلة مبكرة من شبابي كتاباً بعنوان (  قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن ) للشيخ نديم الجسر ، ووقر في عقلي قوله ( الفلسفة بحر على خلاف البحور ، على شواطئه الغرق ، وفي أعماقه النجاة ) وذاك ما حبب إلي الفلسفة.

ولم تكن الفلسفة هامة عند كثير من رجال الدولة المشغولين بالحكم ، فهم لايملكون الوقت للغوص في تلك الجدليات التي لانهاية لها حول الوجود والعدم وحول الميتافيزيقيا، ولكنهم لايدركون أنهم ينفذون بشكل خفي وسري (وباطني أحياناً )  عقائد مثيرة  بثها المعلمون في عقولهم من الصغر، وتسللت إليهم من تراكم معرفي زرعته في نفوسهم أحاديث جانبية هامسة يتناقلها الآباء والأمهات، ثم جسدها المدرسون في مقولات تنقش على الصخر عقائد ومعلومات يمنحها المربون هالة قدسية تجعلها غير قابلة للنقاش، وكثير من الساسة تأثروا بكتاب قرؤوه في فترة مبكرة، ورأوا فيه ما أثار وعيهم فبقيت تعاليمه راسخة في نفوسهم دون أن يناقشوها، فأما الذين يناقشون تلك المسلمات فهم فئة قليلة تلقى نفوراً من العامة الذين يكرهون من يتفلسفون.

وعلى سبيل المثال  أذكر أن هتلر ذكر في كتابه ( كفاحي ) أنه تأثر بكتاب وجده بين كتب أبيه يتحدث مؤلفه فيه عن الحرب الفرنسية البروسية وهذا الكتاب جعله يتساءل في فترة مبكرة من عمره عن الأسباب التي جعلت أباه وغيره من الألمان النمساويين يفشلون في الدفاع عن ألمانيا ، وبدأت تتكون عقيدة هتلر القومية النازية، ولاينسى هتلر أن  يذكر تأثره بكتيب صغير وضعه بين يديه صديقه أنتون دريكسلر  عنوانه  ( يقظتي السياسية ) وبما أن هتلر شغل العالم في القرن العشرين كان لابد للباحثين من السؤال عن الحاكم الحقيقي ( الفليسلوف ) الذي صاغ هذه الظاهرة ، ويجد الباحث أسئلة ودرسات كثيرة عن تأثر هتلر بفلسفة القوة عند نيتشه ، وبنظرية داروين ، وبما كتبه مارتن لوثر عن اليهود، نعم أولئك هم الفلاسفة والمفكرون من يصنعون التاريخ وهم جالسون وراء مكاتبهم يفكرون ويكتبون .

وحين نقرأ سيرة موسوليني نجد حديثه عن تأثره بكتاب (نفسية الجماهير) للفليسلسوف الفرنسي غوستاف لوبون ،  ونجد تأثره بشوبنهاور ونيتشه، ويجد الباحث أن أفكار الفاشية ( من العهد اليوناني القديم ) ماهي إلا فلسفات تدعو إلى إحياء مجد الأمة وإلى بلوغ الكمال وترى أن الطبقة العليا في المجتمع هي طبقة السادة وهي تجسد الدولة التي يحق لها أن تتدخل في خصوصيات الفرد مادامت مهمته أن يخدم الدولة، وتدعو الفاشية إلى إلغاء حق الكرامة الشخصية وحق الحرية بل وحق الحياة أيضاً، ولم يكن هذا الفكر بعيداً عن دعوات الفلاسفة الكبار الذين حكموا العالم بمثل هذه الآراء التي دفعت البشرية طوفاناً من الدماء للتخلص من عنجهيتها وغرورها واستبدادها، فكثير منهم يرون في العامة قطعياً وغوغاء وجماهير مغيبة تحتاج إلى من يقودها ويوظف طاقاتها لخدمة قوة الدولة، ولطاعة سادتها الكبار، وهذا لايمنع  تعاطف بعض الفلاسفة  مع العبيد وحضهم على الثورة للتخلص من العبودية، وحين تصل الفلسفة إلى تفاصيل الحياة اليومية وما يتعلق بالدفاع  عن حقوق البسطاء في العيش الكريم والمساواة ، يسارع العامة لالتقاط أفكارها وللتعلق بمقولاتها، وهكذا يفتح الفلاسفة أنفاقاً سرية يتسللون منها إلى عقول الناس ويصوغون لهم معتقدات مقبولة تلبي احتياجاتهم أو تضرب على أوتار حساسة في وجدانهم، أو تفتح أمامهم أبواباً كانت مغلقة فيدخلون وينبهرون ويتمسكون بما وقر في نفوسهم؟ هكذا كانت فلسفة ماركس وأنجلز ولينين مثلاً ، حيث تمكنت من استقطاب العمال والفلاحين الذين وجدوا فيها دعوة لتحسين حياتهم والحصول على حقوقهم، غير عابئين على الغالب بما قال فيورباخ عن المادية وبما قال هيجل عن الجدلية  (والماركسية جماع بينهما ) وغير مهتمين كثيراً بالجدل حول قوانين الماركسية المؤسسة ( نفي النفي ووحدة صراع المتناقضات وتحول الكم إلى كيف ) إلى آخر ذلك من قوانين الديالكتيك والحتمية، وهذا لاينفي أن المثقفين الماركسيين درسوا هذه الفلسفات واستوعبوها كلُّ كما أراد أن يفهم، و لقد كنت في عهد بعيد من الشباب الأول أظن أنهم توحدوا في الفهم، لكنني  حين التقيت روجيه غارودي في دمشق ذات يوم ( وقد استقبلناه في لقاء خاص في هيئة الإذاعة والتلفزيون )  حاورته قليلاً حول  اعتناقه الإسلام وهو الماركسي الملحد كما كنت أظن، فاكتشفت أن فهمه للماركسية شديد الاختلاف عن فهم من عرفتهم من الماركسيين الآخرين الذين سمعنا من كثير منهم قولهم (  الدين أفيون الشعوب ) لقد سألت غاردوي عن ذلك فقال هذا أكذوبة،وتحدث عن هيغل وقال إنه صوفي، وهو يمثل البعد الميتافيزيقي للماركسية، وهو يرى الدين أكمل صورة لوعي الذات، ومقره القلب وهو ما يحقق إنسانية الإنسان ويؤكد وجوده، عبر القيم الدينية التي تجعله يتعلق بصفات الله في مسعاه إلى الكمال، والكمال المطلق لله وحده.

ولا أستبعد أن يرد كثير من الماركسيين على مقولة غارودي وعلى صوفية هيغل، فالفلسفة أخذ ورد، وسيذكر الماركسيون أن ماركس رأى الدين (زفرة العقول البائسة) وأنه خرج عن الهيغلية حين رأى المادة سابقة  للوعي، بينما كان هيغل يرى الوعي أسبق، ولكن فلسفة هيجل كانت مثالية في وعي ما سبق المادة من قيم الجمال والحق والرحمة ومثل هذه المثاليات  لاتجد ما يكافئها في المادة كي تكون انعكاساً لها كما رأها ماركس، فكيف إذا امتد الوعي إلى عالم الميتافيزيك؟

لقد استقت جمهوريات الشيوعية أسسها الفكرية من تزواج فكر ماركس وهيجل ولينين  وقبل هؤلاء من مؤسسي الفكر المشاعي  الكبار ( إذا صح التعبير) أقصد من أفلاطون مؤسس الجمهورية ومن مزدك  مؤسس المزدكية الفارسية ومن توماس مور صاحب المدينة الفاضلة ومن عشرات الفلاسفة الذين أسهموا في تطوير الفكر المادي والماركسي، كل هؤلاء كانوا ملوكاً غير متوجين لجمهوريات عديدة حكمتها الفلسفة و لكن بقي الشعب قطيعاً يقاد كما يريدون.

ولست هنا في معرض الحديث عن فلسفة معينة، فإنما أريد الإشارة إلى عمق التداخل بين الفلسفة والسياسة التي تبدو بنتاً غير شرعية لكثير من الفلسفات المعلنة و الخفية معاً، وعلى الغالب تنشأ السياسة منحرفة وتبتعد كثيراً عن الأخلاق التي يعلنها الفلاسفة مبادىء عامة تبقى نظريات على الورق عند الممارسة العملية.

لكن المفارقة أن بعض الفلسفات التي نشطت لتحل محل مثاليات هيجل وماركسية كارل وشيوعية لينين وما كان فيها من حرص على معاني العدالة والتزام بحقوق العمال والفلاحين والعبيد، جاءت تعلن مبادىء لاأخلاقية، وتجد من يقبلها ويروج لها في عالم السياسة، وهي على الغالب تتابع نموها وتأثيرها دون ضجيج، لأنها تتجه إلى النخب مرة أخرى، وتؤهلها لتكون هي طبقة السادة الحاكمين ويكون البقية عبيداً لهم.

لقد كانت أخطر هذه الممالك النخبوية الفلسفية المعاصرة مملكة نيتشه الذي ثار على الهيغلية وقدم أفكاراُ مختلفة عن الوعي وعن تصور الذات ودرس الأخلاق بعيداً عن الأفلاطونية والمسيحية والميتافيزيك، ويعتبره بعض الدارسين ملهماً للفكر الوجودي ومؤسساً للحداثة.

لقد استخف نيتشه بالمسيحية وأخلاقها، وسخر من دعوتها لطيبة القلب ورأى ذلك ضعفاً، وهو الذي انبهر منذ مطلع شبابه ببسمارك، وتعلق بكتابات فيلسوف التشاؤم شوبنهاور، ويعد كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) منعطفاً في دراسة الأخلاق وقد اعتبره نيتشه انجيله الشخصي، ويبدو أن الرجل كان مصاباً بخلل عقلي فأنت تقرأ في سيرته أنه كان يدعي تقمص شخصيات يسوع وبوذا والاسكندر المقدوني ونابليون ( على نحو تشبه به جبران خليل جبران ) الذي ألف كتاب (النبي) وكان يدعي أنه يتقمص عدة شخصيات كما قرأت في رسائله الشخصية اللطيفة لماري هاسكل، وكان جبران كذلك   مصاباً بالصرع،  وحسب المرء أن يعلم أن نيتشه كان يمجد الفرد ( السوبرمان ) وحده، ويعتبر المجتمع مكلفاً بخدمة العباقرة والمتميزين ( النخب ) ليكتشف خلل نظرياته الأخلاقية التي أسست أعظم ممالك التاريخ المعاصر،و يتضح تأثيرها على  جمهوريات  هتلر وموسوليني كما أسلفت،و للأسف تعود هذه الفلسفات اليوم لتصير المرجعية الخفية  للسياسة الدولية التي  تقودها النخب أيضاً وتوزع الثروات الإنسانية على الأقوياء وحدهم،  وعلى ذكر كلمة (الإنسانية)  يبدو مثيراً موقف نيتشه من مفهوم الإنسانية، لقد كان يكره هذا التعبير ويرى التضحية من أجل الآخرين استجداء للشفقة، ويرى المسيحية انتحاراً للعقل، ويمكن اختصار فلسفة نيتشه بكلمتين هما ( إرادة القوة ) ومن أطرف ما قرأت من نقد لنيتشه قول أندريه جيد ( إن نيتشه كان يغار من المسيح ، يغار إلى حد الجنون ) وقد قال عنه جورج لوكاتش ( إن نيتشه هو  مؤسس اللاعقلانية في المرحلة الأمبريالية) ورغم كل ما قيل وكتب لتبرئة نيتشه من كونه ملهم الفاشية والنازية فإن مبادئه الأخلاقية هي التي تسود اليوم ولكن بزي جديد، فحتى الإرهابيون يستقون خروجهم على القانون العام من اعتقادهم بأن امتلاك القوة والسير على الجماجم هو طريق نشوة الانتصار، ولايمكن لي أن أستعجل الحكم على فكر نيتشه وفلسفته فأرفضها جملة وتفصيلاً أو أقبلها جملة وتفصيلاً، فالرجل متقلب المزاج، وكثيراً ما يخلط الحق بالباطل، فما يعنني هو الإشارة إلى  تحول هذه الفلسفة  إلى جمهوريات تقود العالم اليوم و تستمد من نيتشه أسوأ أفكاره، وأنا لا أنكر وجود لمحات مضيئة في فكر نيشته، فجنون الرجل ذكاء عبقرية بالتأكيد، وهو نتاج شعور عارم بالتفوق، كما أنني أرى ،ني أنني مواقفه ضد الكنيسة مرهونة بتاريخها وبطبيعتها الحاكمة في أوربا، ولذلك نجد عند نيتشه آراء  مختلفة ومناقضة لموقفه العام من الدين، ولاسيما حين يتحدث عن الثقافة الإغريقية أو حين يتحدث عن الثقافة الإسلامية، وقد كتب عن ذلك صديقي  المفكر الدكتور بنسالم حميش في مقالة هامة له في مجلة العربي بعنوان ( هكذا تكلم نيشته عن الإسلام ) وأشار إلى انتقاد نيتشه للحروب الصليبية ( مثلاً ) وأشار إلى قوله  «لقد حرمتنا المسيحية من حصاد الثقافة القديمة، وبعد ذلك حرمتنا أيضاً من حصاد الثقافة الإسلامية، إن حضارة إسبانيا العربية، القريبة منا حقاً، المتحدثة إلى حواسنا وذائقتنا أكثر من روما واليونان، كانت عرضة لدوس الأقدام «وأؤثر ألا أنظر في أيّ أقدام»!كما أشار إلى إعجاب نيتشه بقول الإسلام بناسوتية المسيح بن مريم وتحريف حوارييه وصحابته للإنجيل القديم، وكذلك بقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) «لارهبانية في الدين»، وبحضه على رعاية حق النفس وطهارة البدن وتحريمه شرب الخمر (انظر إرادة القوة، ص137).

ومقالة المفكر بنسالم جديرة بالدراسة لما فيها من تعمق في هذا الجانب ، وبوسعي أن ألخص موقف نيتشه من الإسلام برأي مهم قاله الشاعر الباكستاني الكبير محمد إقبال عن نيتشه وينبغي تذكره : ” لقد أغمد نيشته  خنجره في صدر الغرب المسيحي وبنى أصنامه على أسس الإسلام فقلبه مؤمن وإن كان عقله منكرا”.

لكن هذا الجانب ليس موضوع بحثي، ولن أبرىء نيتشه من خطأه الفكري الفلسفي الضخم في اعتماده إرادة القوة فوق إرادة الحق ، فقد أسس فلسفة تسود سياسات العالم اليوم، وأرجو أن أتابع الحديث عن تجلياتها الراهنة التي امتدت عبر فلسفات باتت أكثر حضوراً في إمبراطوريات عصرنا الراهن .

 

شاهد أيضاً

روان الناصر .. طفلة في الغوطة يأكل حصار النظام جسدها

  نالت ظروف الحصار المريرة، التي تفرضها قوات نظام الأسد على الغوطة الشرقية بريف دمشق، …

اترك تعليقاً