دير الزور المحافظة يتصارع عليها الموت

جابر بكر -مجلة رؤية سورية ع 27 / كانون الثاني 2016م

Unbenannt
تتسابق القوات المتطرفة على ضفتي محافظة دير الزور لتسجيل أكبر عدد من الانتهاكات بحق المدنيين، فقوات النظام تسد الطريق على المدنيين كي لا يفروا من الحصار، وقوات تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش” تحاصر المنطقة الواقعة تحت سيطرة النظام وتمنع عنها كل شي، ولا وجد لأي “منفذ بري إلا من خلال مطار دير الزور الذي يسيطر عليه النظام ويمنع استخدامه لانقاذ هذه الاحياء” بحسب تعبير مدير مرصد العدالة لأجل دير الزور جلال الحمد، الذي أكد بأن واقع المدينة اليوم يمكن وصفه، بـ “أكبر مأساة نسبة الى طول مدة الحصار وعدد المحاصرين والمساحة المحاصرة والتي لاتتجاوز 4 كيلو متر مربع”.

عام على الحصار
حصار تسبب إلى اليوم بوفاة أكثر من عشرين شخص بسبب الجوع والمرض من أصل قرابة مائتي ألف مدني موزعين على أربع أحياء هم الجورة والقصور والبغيلية وهرابش الذي قصفه التنظيم يوم ٢٢ كانون الأول ٢٠١٥، مستهدفا مدرسة تشرين للبنات ممّا أدّى إلى ارتقاء 16 طالبة بالإضافة إلى أحد المدرّسين وجرح العشرات، في الحي الذي ينضم لبقية الأحياء الأربعة ضمن المنطقة المحاصرة منذ بداية شهر كانون الثاني ٢٠١٥، فبعد عام على الحصار بات ألاف المدنيين مهددين بالموت جوعا.
لا تقل نسبة النساء والاطفل بين المحاصرين في تلك الاحياء الخاضعة لسطيرة النظام عن 60٪، والحال في الضفة المقابلة أي بأرض التنظيم ليست بأحسن حال، فلا نهاية للتضيق وقتل الناس بحجة الكفر، وإلغاء المدراس وتجنيد الأطفال، ولذا توجه مرصد العدالة برسالة عقب قرار مجلس الامن 2254، إلى ستيفان ديمستورا والهيئة العليا للتفاوض في محاولة لاستغلال هذا الظرف، على أمل إيصال المساعدات لمحاصر يعيش نصفهم على ربطة خبز واحدة ويكاد يقتلهم البرد والمرض في ضل عدم قدرة المستشفيات على العمل بشكل طبيعي وأيضا انقطاع الكهرباء منذ أواخر شهر أذار عام ٢٠١٥، وانقطاع المياه بشكل متكرر.
وطالب المرصد بعثة الأمم المتحدة المرافقة للمبعوث الدولي ديمستورا والهيئة العليا للمفاوضات، بإيجاد الآليات المناسبة وبشكل عاجل لإدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة الخاضعة لسيطرة النظام السوري في دير الزور، وتذكير الفريق الدولي لدعم سورية بالضغط على الأطراف السورية وخاصة النظام السوري للالتزام بقرار مجلس الأمن وعدم وضع العراقيل أمام المنظمات الإنسانية والسماح لها بإدخال المساعدات إلى الأحياء المحاصرة في دير الزور، واعتبار الأحياء المحاصرة في دير الزور أحياء منكوبة والعمل على إنقاذ المدنيين دون تأخير.

روسيا تحمي نفط “داعش”
بالطبع لم وربما لن يسمع أحد نداءات لا المرصد ولا المدنيين في تلك البقعة المهملة من الخريطة السورية التي تشهد حربا متعددة الأطراف، كان أخرها التدخل الروسي بأسراب طائراته التي نشرت قيادتها مقاطع مصورة تظهر استهدافها لقوات التنظيم التي تسيطر على أبار النفط التي يتمول منها التنظيم في دير الزور، وكأنها تقول بأنها تحارب الارهاب لمساعدة المدنيين المحاصرين، ولكن الواقع وبتحليل الخبراء لتلك الصور وبحسب التقرير النهائي لتلك الجهود تبين بأن القصف الذي وقع يوم 23 شهر تشرين الثاني ٢٠١٥، والذي قيل أنه استهداف طائرات حربية روسية لخزانات نفط عملاقة، لم يكن إلا استهداف للبنية التحتية لتلك الأبار والحقول، فالهدف في حقل العمر، ١٧ كيلومتر عن مدينة الميادين شرق دير الزور، لم يكن المدينة السكنية العمالية للحقل ولا البوابة، مناطق تواجد عناصر التنظيم، بل الخزانات التي لا يمكن لكائن بشري التواجد بداخلها إطلاقاً.
لم ينتهي المسلسل هنا، فالهدف المدمر ليس إلا خزانات هي اليوم خارج الخدمة منذ بداية الثورة السورية، فالخزانا (401-402 -403) يبلغ ارتفاع الواحد منها 18 متراً وبقطر 25 متراً، وكما يقول خبراء النفط فهذا الإهمال سيشكل مادة (sludge‎) داخل خزانات النفط الخام ويخشى بعد انفجار هذه الخزانات من انتشار أشعة “بيتا وغاما” التي تسبب ضرراً للسكان المحليين والحيوانات والتربة في المناطق المجاورة للحقل والتي قد تستمر أثارها لسنوات قادمة.
ووفق تقدير الخبراء فإن إنتاج حقل العمر خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة يتراوح بين 10 إلى 15 ألف برميل يومياً، وهو نتاج ضخ 17 بئراً، وإن استهداف الخطوط الواصلة بين الخزانات كان سيؤدي لذات النتيجة إن كان المقصود منع استثمار التنظيم للنفط وليس ضرب البنية التحتية والتي تحتاج لمئات ملايين الدولارات لإعادة إعمارها.
وكذلك حال الضربات البقية على حقل الملح أو موقع العزبة بمحافظة دير الزور، ليتبين أن طبيعة الضربات الجوية الروسية وطريقة استهدافها للحقول لا تدع مكاناً للشك أن المستهدف هو البنية التحتية وإجراء أكبر قدر ممكن من التخريب للمنشئات النفطية وليس مجرد ايقاف عملها عن ضخ النفط للتنظيم أو قتاله كما تصرح القوات الروسية، وفق تقرير مرصد العدالة لأجل دير الزور، ويبقى الهاجس الأكبر هو المواد المشعة التي تسربت من هذه الخزانات والتي ستضر بالبشر والزرع وكل أشكال الحياة ولسنوات قادمة في ديرالزور.
وهنا تتجلى خطورة التدخل الروسي على حياة المدنيين في تلك المنطقة حيث لا يفرق الطيران الروسي بين مدني أوعسكري ولا أهمية لأي قيمة إنسانية حيث يقصف المواقع المأهولة بالسكان بدون تردد، وخطورة التدخل الروسي عل مستقبل البنية التحتية وخاصة النفطية منها والتي لامبرر لاستهدافها سوى الرغبة في التدمير وإعادة سورية إلى العصور القديمة، وبالطبع يستفيد الروس من عدم إدانة قصف المواقع التي يسيطر عليها تنظيم الدولة ويجدونه مبرراً لاستهداف كافة المواقع، رغم أن وجود التنظيم في المحافظة بحسب تعبير المرصد لا يبرر قتل المدنيين واستهداف التجمعات المأهولة بالسكان ويدعو إلى تجنيب المدنيين ويلات هذه الحرب التي لا قِبَلَ لهم بها.
ما بين “داعش” والأسد وبوتين يصيب أهالي دير الزور مزيدا من الضُر والمعاناة والفقر والموت جوعا مرات وبحجة الإرهاب مرات أخرى.

 

شاهد أيضاً

البيان الختامي لمؤتمر “الرياض2”: رحيل الأسد مع بداية المرحلة الانتقالية

  اتفق المجتمعون في مؤتمر “الرياض2″، اليوم الأربعاء، على “تشكيل وفد واحد للتفاوض غير المشروط …