المبادرات السياسية قبل جنيف 2

ـ لجأ النظام إلى المناورات وإطلاق الدعوات المخادعة إلى الحوار وقرر تشكيل ” هيئة الحوار الوطني ” لكسب الوقت.

ـ استمر النظام في مشروع إصلاحاته فاقدة الجدوى من تغييرً للدستور , وسن قوانين , وإجراء انتخابات مجلس الشعب تجاوزتها الأزمة السورية بعد أن تجاوزها الزمن وغزارة الدماء والدمار وحجم النزوح الداخلي والخارجي.

ـ حاول النظام وكما ورد في خطاب الأسد, وفي مذكرة لوزارة الخارجية , استباق وتلافي الالتزام بمضمون مقررات جينيف1.

محمود-عيسى

محمود عيسى – بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

منذ اللحظات الأولى للحراك الشعبي الثوري , أطلق عليه النظام شتى التهم , ما قبل الوطنية والسلفية ,واستهان بالطموحات الشعبية للمطالبة بالحرية , وحاول حصرها بمطالب خدمية معيشية , ثم تلاها بإطلاق دعوات فارغة للحوار و مخادعة .

هو نظام الطغيان الذي لا يعرف معنىً للسياسة ولا للحلول السياسية منذ سيطرته على البلاد وحتى الآن . ولا أدل على ذلك من إصراره على نهجه المدمر و على تعاطيه مع كل المقترحات والمبادرات السياسية لحل المسألة السورية , بدءاً من رفضه الحل التشاركي الذي طرحته الحكومة التركية بين البعث والإخوان المسلمين .

لجأ النظام إلى المناورات وإطلاق الدعوات المخادعة إلى الحوار وقرر تشكيل ” هيئة الحوار الوطني ” وعقدت تلك الهيئة لقاءً تشاورياً على مدى يومي 10-11/2011 في مجمع صحارى والذي قاطعته كل قوى المعارضة وكان عبارة عن مونولوج داخلي مع بعض التنويعات , تحاور فيه السلطة نفسها .

وركز الخطاب الثالث لرأس النظام على موضوع “الحوار الوطني” وطرح فيه الحوار المباشر مع الشعب مباشرة في المحافظات , متجاهلاً القوى السياسية , وطارحاً الحوار تحت سقف الوطن أي تحت سقف النظام !!

  واستمر النظام في مشروع إصلاحاته فاقدة الجدوى من تغييرً للدستور , وسن قوانين , وإجراء انتخابات مجلس الشعب تجاوزتها الأزمة السورية بعد أن تجاوزها الزمن وغزارة الدماء والدمار وحجم النزوح الداخلي والخارجي ولاسيما أنها تهدف إلى إعادة إنتاج النظام ونهجه مع إدخال بعض الإصلاحات والتحسينات عليه .

 مبادرات الجامعة العربية

ظل صوت النظام الرسمي العربي صامتاً أشهراً على انتفاضة الشعب السوري . ولم يسمع إلا بعد ارتفاع الصوت الأمريكي مطالباً الأسد بالرحيل , وعقدت قمة لمجلس التعاون الخليجي , وسحبت سفراءها ونقلت القضية إلى الجامعة العربية , التي تحركت بمبادرة وجهتها  عبر وزراء الخارجية إلى كل من النظام والمعارضة . سارع النظام إلى مواجهتها بالازدراء المعهود واعتبر جلسة الجامعة ونتائجها كأنها لم تكن .

 لكنه اضطر للتوقيع على البروتوكول , والذي يعتبر جزءاً من المبادرة , تحت الضغط الروسي . وقبل وصول المراقبين دفع نظام الاستبداد العنف إلى مستويات غير مسبوقة في يوميات الثورة السورية . وكذلك سارع وزير خارجيته إلى التصريح بأن ” التوقيع على البروتوكول لا يعني الموافقة على المبادرة” .

  المبادرة التي تنص على إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الأحداث وكافة المعتقلين السياسيين , ووقف العنف , وسحب المظاهر المسلحة , والسماح بالتظاهر السلمي , والسماح بدخول وسائل الإعلام العربية والدولية , ثم الشروع بعملية سياسية بين السلطة والمعارضة  للاتفاق على قضايا الانتقال وشكل النظام السياسي  المقبل . وهي المبادئ التي ركزت عليها المعارضة الوطنية الديمقراطية منذ إطلاق رؤيتها منذ تشكل هيئة التنسيق الوطنية للحل السياسي ورفضها لمناورات النظام .

وكانت التفجيرات الإرهابية  في 23/12/ 2011 وتفجير 6/1/2012 عشية وصول بعثة المراقبين العرب محاولة واضحة لإفشال المبادرة وإدخال البلاد في نفق مظلم من العنف والخراب ,و القضاء على الطابع السلمي للثورة السورية والحد من مشاركة الفئات الشعبية الواسعة المناضلة من أجل الحرية والكرامة والعدالة والمساواة .

 وعمل النظام من جهته بعد وصول البعثة إلى إشغالها في تفاصيل الحياة الميدانية السورية , وإغراقها في المسيرات المؤيدة وقضايا الضحايا من أنصاره من عناصر الأمن والشرطة و الجيش , أما الضحايا الآخرين , ضحايا الشعب السوري , لا يدخلون ضمن اهتمامه محاولاً تصوير الأحداث الجارية في سوريا على أنها مجرد أعمال إرهابية تدعمها أطراف خارجية ضمن المؤامرة الكونية عليه .

 وكذلك فعلت بعض أطراف المعارضة السورية , حيث تعامل معها المجلس الوطني السوري كممر إلى التدويل جهاراً , لذلك رأيناه ينعي المبادرة والبعثة قبل وصولها ,ومنذ اليوم الأول لوصول المراقبين العرب طالب العديد من أعضاء المجلس الوطني بإعلان فشل البعثة وإنهاء مهمتها وسحب مراقبيها .

   وهي المبادرة التي تزامنت مع تفاهمات هيئة التنسيق والمجلس الوطني في القاهرة وأدت إلى الاتفاق على إسقاط النظام و ونبذ العنف والطائفية ,ورفض التدخل الخارجي . واتفقوا أيضاً على توحيد صوت المعارضة وتوجهاتها ,ورسموا ملامح سوريا الغد والمرحلة الانتقالية ,وكذلك اتفقوا على عقد مؤتمر سوري عام , وقدم الطرفان تصوراتهما التنظيمية له إلى الأمين العام للجامعة العربية , وأن يكون له الصفة التمثيلية للمعارضة السورية في الداخل والخارج , وتم إيداع نص الاتفاق لدى الأمانة العامة للجامعة العربية كوثيقة تأسيسية لعقد مؤتمر للمعارضة برعايتها .لكن قيادة المجلس الوطني تنصلت من اتفاق القاهرة في نهاية 2011 .وفشل غيرها  العديد من المحاولات لتوحيد المعارضة  من اتفاق القاهرة إلى استحقاق وفد المعارضة إلى جينيف2 الآن.

    توافق ناقص

ولأن التوافق الدولي لم يكن كاملاً ,وتحديداً التوافق الروسي-الأمريكي حيث اقتصر ذلك التوافق على إصدار بيانيين رئاسيين ,أمام ثلاثة فيتوات مزدوجة روسية – صينية , وكان البيان الرئاسي الثاني ,وراء مبادرة كوفي عنان , وهي المبادرة الأولى التي حظيت ببعض التوافق الدولي والدعم العربي والدولي والإقليمي , ولم تمثل الصفة  التمثيلية العربية للمندوب الدولي سوى تفصيل تجميلي . وكذلك رفض النظام ممثلها العربي ناصر القدوة .وهي تنطوي على وقف إطلاق العنف ,وإطلاق سراح المعتقلين ,وإغاثة المنكوبين , وإجراء عملية تفاوض تفضي إلى نظام سياسي ديمقراطي .

 التفاف وليس رفض

التف النظام على المبادرة بوسائل لا تبدو مناقضة لمنطوقها ,مواصلاً أساليب العنف والاعتقال , والضغط على المجتمع الدولي ,وابتزاز القوى الإقليمية والعالمية بالتفسيرات والصيغ اللفظية لتصبح بالمحصلة مبادرة محكومة بتعنته وسباقه مع الزمن , وإصراره على الإيغال في الحل الأمني العسكري والذي منع البعثة من تحقيق هدفها الأساسي في مراقبة التزام لنظام بتنفيذ المبادرة وبالتالي إفشالها .

 وكذلك فعلت الأطراف الإقليمية التي حاولت  وسعت إلى إعاقتها وإفشالها أو على الأقل ترجمتها على مقاس مصالحها السياسية الأنانية الضيقة .واستمرت اللامبالاة الدولية والإقليمية بسفك الدم السوري وتفكك المجتمع وانهيار الدولة في سبيل مصالحها .وكذلك استمر ضخ المال السياسي والسلاح ودعم الاتجاهات والقوى الإسلامية  المتطرفة .وساهم ضعف التوافق الروسي – الأمريكي لدعم المبادرة في جعل الأطراف الإقليمية أكثر تأثيراً في الداخل السوري وتشابكت تلك مع مواقف النظام في إبعاد وإقصاء المناخ السلمي المؤاتي لنجاح العملية السلمية التفاوضية . وأصبحت سوريا تحت رحمة التوازنات الدولية والإقليمية . وساهموا جميعاً في تخريب فرص نجاح المبادرة , ومن المؤكد أن النظام هو المسئول الأول عن إغلاق الأبواب حتى اليوم أمام الحلول السياسية ,وفتح المجال أمام تواصل العنف وتدهور البلاد إلى مآسي الحرب الأهلية تحت أكثر من حجة وذريعة .

      فعمدت الجامعة  العربية إلى سحب مراقبيها العرب وكذلك فعلت الأمم المتحدة بسحب المراقبين الدوليين , وعلى محدودية أعدادهم كانت أعداد الشهداء يومياً بالعشرات , وكذلك أعداد النازحين بالآلاف وبعد انسحابهم تضاعفت أعداد الشهداء و النازحين في الداخل والخارج .

  وتم إجهاض المبادرة , مبادرة عنان , وعجزت عن التحول إلى تسوية سياسية داخلية كانت تمثل فرصة للسوريين كبداية لتسوية سياسية , رغم دعم هيئة التنسيق لها ودعوتها الجامعة لزيادة أعداد المراقبين وتزويدهم بخبراء , وأجهزة متطورة وكذلك مطالبتها الأمم المتحدة بمضاعفة أرقام المراقبين الدوليين , وكذلك رغم دعوة رياض الترك إلى دعمها !

   المبادرات والتصعيد

    اصطدمت كل المبادرات بتصلب النظام وتعنته , بما فيها مبادرة  الشيخ أحمد معاذ الخطيب , رئيس الائتلاف الوطني الأسبق ,والذي اعتبر ” التفاوض واجب شرعي وسياسي “. وتقاطعت رؤيته تلك مع رؤية هيئة التنسيق التي طرحتها في مؤتمر الإنقاذ الذي عقد في 23/9/ 2012 . في تشكيل تيار واسع من القوى المعارضة داخل الوطن وخارجه تؤيد جهود الإبراهيمي من أجل التوافق الدولي . وهما اللتان انطلقتا من انسداد الحل العسكري وضرورة الخروج منه لإيقاف حمام الدم السوري .

ويحاول النظام تحويل كل مبادرة إلى فسحة إضافية لممارسة المزيد من القتل . ولا أدل على ذلك من التصعيد القمعي عشية وصول المراقبين العرب ,و الأيام الدامية التي عاشتها سوريا قبل العاشر من نيسان , تاريخ دخول مبادرة عنان حيز التنفيذ في 10/4/2012  , وكذلك ما يجري الآن على مستوى كامل البلاد قبل جينيف2 .

الإبراهيمي خليفة عنان

نعلم جميعاً تصلب المواقف الإقليمية أيضاً والتي رفضت التعاطي إيجابياً مع مبادرة عنان , وحتى أنها رفضت استقباله كمندوب دولي وعربي , كما فعلت السعودية مع طلبات عنان المتكررة لزيارتها , وما زالت على موقفها مع خليفته الأخضر الإبراهيمي .

  تبنى الإبراهيمي مقررات جينيف 1 الصادرة عن اجتماع مجموعة العمل الخاصة بسوريا في 30/6/2012 .وأخذ يعمل لإيجاد توافق روسي-أمريكي يمهد لتوافق إقليمي و عربي لإيجاد تفسير موحد لهذه المقررات التي تلزم النظام والمعارضة بوقف متزامن للعنف وتسهيل مرور الإغاثة الصحية والغذائية للمناطق التي تجري فيها الأحداث وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى و المختطفين و التفاوض بين السلطة والمعارضة لتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة لوضع دستور جديد  للبلاد,و إجراء انتخابات حقيقية برقابة عربية ودولية نيابية ورئاسية .

 حاول النظام من جهته و وكما ورد في خطاب رأس النظام , وفي مذكرة لوزارة الخارجية , في محاولة استباقية لتلافي الالتزام بمضمون مقررات جينيف . وكذلك جاءت قرارات الجامعة العربية الأخيرة التي شغل فيها الائتلاف الوطني مقعد سوريا . والتي حاولت بدورها نعي مهمة الإبراهيمي ,وتحاول الآن مرة أخرى التدخل في تشكيل الوفد السوري المعارض ودعوتها لاعتماد الائتلاف ,بعد تصريح كيري ,كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري ,واستبعاد هيئة التنسيق وغيرها من الوفد المفاوض ! !

  وكادت مساعي الإبراهيمي تصل إلى طريق مسدود لولا إعلان جينيف في 29/1/2013 ,وما تلاه من تفاهم روسي –أمريكي , وبعد استخدام الكيماوي في الغوطتين والتهديد بالعدوان الأمريكي , جملة الأسباب التي دفعت النظام على القبول بالمبادرة الروسية بخصوص السلاح الكيماوي السوري والذي يجري تفكيكه  الآن ,وربما نقله وتدميره في دول أخرى أو في عرض البحر بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي 2118.

وجاءت مبادرة  المالكي , رئيس وزراء العراق , أثناء  التحشيد الأمريكي –الغربي لشن عدوان عسكري , ولم تلق اهتمام دولي أو إقليمي يذكر. واستندت تلك المبادرة على جنيف1 ” كخارطة طريق” , وتألفت من تسع نقاط ” الدعوة لوقف إطلاق النار بشكل فوري وشامل على كل الأراضي السورية من أي جهة كانت , ووقف عمليات تزويد أي طرف بالمال والسلاح . وكذلك انسحاب جميع المقاتلين الأجانب على الأراضي السورية . ثم جددها المالكي تحت مسمى ” مبادرة العراق” ودعا لاعتمادها لحل الأزمة السورية , وحشد الجهد السياسي والدبلوماسي لإنجاحها , في أواسط  أيلول 2013.

ناهيك عن بعض المقترحات والمبادرات الجزئية الإقليمية , التي لم تر الحياة , كما جرى مع الاقتراح المصري الذي أطلقه الرئيس المعزول , محمد مرسي , بتشكيل مجموعة عمل إقليمية بشأن سوريا مؤلفة من مصر , وإيران, وتركيا والسعودية سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها حينها إلى اعتبار إيران جزءا من المشكلة ولا يمكن أن تكون جزءاً من الحل !

فهل ينعكس المناخ الدولي الجديد , بعد التفاهم الروسي الأمريكي , وكذلك بعد الاتفاق الموقع بين إيران والمجتمع الدولي 5+1 ,بشأن برنامجها النووي , وكذلك الاقتراح الإيراني – التركي لإيقاف إطلاق النار  في سوريا مؤخراً ؟ والذي يساهم بدوره في تعزيز فرص استمرار مؤتمر جينيف 2 وإنجاحه.

 

شاهد أيضاً

طفلان وصاروخ فراغي.. ذهبت الأطراف وبقيت الأحلام

في سياسية الأرض المحروقة التي يتبعها على أرض الغوطة الشرقية، لا يميز الأسد بين صغير …

اترك تعليقاً