بدوي الجبل الذي قال ‘نحن موتى على الدروب تسير’

_19995_badawi400إبراهيم الجبين ـ العرب: في نهايات القرن التاسع عشر، بحث المستشرق الفرنسي الشهير لويس ماسينيون محقق ديوان الحلاج وغيره من خبايا الفكر العربي العتيق، الذي كان طي النسيان، والمكتبات، في المنطقة العربية، ولم يخطر ببال أحدٍ أنه سيزور الساحل السوري ليلتقي في إحدى قراه بأسرة الشاعر السوري بدوي الجبل، آل الأحمد، العلماء والمثقفون والشعراء، حيث والده العلاّمة الشيخ سليمان الأحمد، الذي ولد في العام 1868، كان من مؤسسي المجمع العلمي العربي في دمشق، وأحد قادة التغيير الاجتماعي والديني التنويري في الساحل السوري حيث الطائفة النصيرية (العلوية)، إحدى الطوائف الإسلامية، فكان الوالد ثورياً بما يكفي لمحاولة تغيير مسار الطائفة وإعادتها إلى سياقها التاريخي بعد قرون من الاعتزال، والابتعاد عن البحر الإسلامي المحيط، فانطلق يشرح فكر أحد مؤسسيها الكبار “الحسن المكزون السنجاري” جدّه البيولوجي والروحي.

الله وحده يصنع الشعراء

ولد في اللاذقية في السنوات الأولى من القرن العشرين، في قرية “ديفة” ونشأ في قرية “السلاّطة” قرب “القرداحة” التي سيكون لها شأن مع الشعب السوري في نصف القرن الأخير، يقول محمد سليمان الأحمد :”عشت في قريتي حتى بلغت الحادية عشرة، ما كان أجمل قرى تلك الأيام، ما كان أروع منازلها المشرّعَة الأبواب، دون استئذان يقبل عليها الناس، ومنها يخرجون. كانت رمز الألفة والحرية، طفولتي سعيدة في كل الوجوه، أما جو منزلنا العلمي والأدبي، فإليه يرجع الفضل الأكبر في توجيهي نحو المناخات الشعرية. لكن، الله وحده يصنع الشعراء”، وحرص والده على تلقينه العلوم مبتدئاً بحفظ القرآن الكريم والحديث النبوي، وأصول العربية، والشعر والتاريخ، والرسائل الدينية، ونهج البلاغة، يقول البدوي:” قرأتُ على أبي بعد ذلك اللزوميات لأبي العلاء المعري، ثم قرأت عليه المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي والحماسة لأبي تمام”.

بدأ الدراسة بعدها في مدارس اللاذقية، لكن والده أرسله إلى دمشق، ليبعده عن المناخ الذي خلقه الفرنسيون بعد احتلال الساحل السوري، فتابع في “مكتب عنبر” وهناك كانت لديه صلات مع الثوار السوريين، ومع يوسف العظمة شخصياً في إيصاله لرسائل متبادلة بين أطياف الشعب السوري وقتها.

هوية ابن الجبل البدوية

مناخ دمشق الصحفي في عشرينات القرن العشرين، كان يغلي بالمطبوعات الفكرية والثقافية والإبداعية، وكان المثقفون ينشرون قصائدهم في جريدة “ألف باء” فكتب عن موت المناضل الأيرلندي ماك سويني مضرباً عن الطعام لمدة أربعة وسبعين يوماً احتجاجاً على الاحتلال البريطاني لأيرلندا، فاخترع صاحب الجريدة يوسف العيسى للشاب لقب ” بدوي الجبل”، دون علمه، فتساءل عن الأمر فقال له العيسى:”إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر، وأن يتساءلوا من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت تلبس العباءة، وتعتمر العقال المقصب، وأنت ابن جبل، إذاً فأنت بدوي الجبل”.

في سجون حماة الأقليات

بعد ميسلون وموت يوسف العظمة، واحتلال دمشق، لاحق الفرنسيون بدوي الجبل، فأخفاه البطريرك غريغوريوس حداد، الذي ظل متمسكاً ببيعة الملك فيصل، ولم يخلعها كما طلب الجنرال غورو، ثم فرّ البدوي ، مشياً، إلى مدينة حماة التي حمته وآوته بعيداً عن أنظار القوات المحتلة، والتي سيكون لها تاريخ طويل مع النظام الذي ترأسه ابن طائفة البدوي فيما بعد، حين استباحت قواته المدينة ودمرتها في الثمانينات ثم في الثورة السورية أواسط العام 2011، تم اعتقال البدوي وتعذيبه وجلده بالسياط ثم فرضت عليه الأشغال الشاقة وتكسير الحجارة. بعدها نقل إلى سجن حمص، ثم تم إيداعه في الديوان الحربي في بيروت، قرابة السنة والنصف، ثم في سجن جزيرة أرواد، فوَشَمَ البدوي على ذراعه الكلمات التالية “تذكار السجن الفرنسي”، وحين زار الكولونيل الفرنسي نجير سجن أرواد رأى الفتى السجين الذي كان عمره لم يتجاوز السادسة عشرة، فقال: “إن هذا خطأ، بل فضيحة كيف يُحْكَم على فتى في هذه السن بالسجن ثلاثين عاماً؟” وأُطْلِقَ سراحه في العام 1922.

أصدر ديوانه الأول في العام 1925 تحت عنوان “البواكير” وكان على صفحته الأولى الكلمات التالية: “إلى الشهيد الراقد في ميسلون، إلى تلك الروح الكبيرة التي تمردت على العبودية وعلى الحياة” ويقصد يوسف العظمة. فتمت مصادرة الديوان، وإتلافه، وكانت مقدمة الديوان قد كبتها كبار أعضاء المجمع العلمي بدمشق، ومنهم محمد كرد علي، و عبد القادر المغربي، وخليل مردم بك، ومع تقسيم سوريا إلى دول صغيرة، منها دولة العلويين في الساحل، وقف بدوي الجبل ضد التقسيم، مع أنه كان قد اختير في العام1930 عضواً في المجلس التمثيلي عن منطقته، فشارك زكي الأرسوزي موقفه الداعي لتوحيد سوريا، وكتب قصيدته “حياة أسير القيد بلا معنى:

“نأيتُ عن الفيحاء لا عن ملالة

وحيداً و دمعي يوم فرقتها مثنى

فيا جنّة الفردوس لو لم يعث بها

شياطين إنس روّعوا الإنس و الجنّا

فيا واردي ماء الشام رويتم

فللّه ما أصفى و لله ما أهنى

أرى أنّ هذا الأمر قد جدّ جدّه

فكونوا لنا حصنا نكن لكم حصنا

لقد زعم الواشون أنّي نسيتكم

شروط الهوى : أن لا تعيروهم أذنا

يريدون هذا البعد بيني و بينكم

فلا نعموا بالا و لا صحبوا يمنا”

الهروب إلى العراق

بعد انهيار الاتفاق الذي وقع في باريس في العام 1936، بين الفرنسيين والسوريين، رفعت الحصانة عن نواب البرلمان وبدأت ملاحقتهم، فلجأ بدوي الجبل إلى العراق عبر بادية الشام، ليعمل في التدريس في معهد المعلمين، واستمر في نضاله حتى طالب الفرنسيون الحكومة العراقية بطرده من بغداد، ولكن ثورة رشيد عالي الكيلاني التي انخرط فيها بدوي الجبل تسببت في خروجه من العراق إلى مسقط رأسه في اللاذقية، ليجري اعتقاله مجدداً ويوضع في سجن كسب، ثم تم تحريره من جديد ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ومن ثم عاد إلى موقعه في البرلمان، وحين قصفت فرنسا دمشق في العام 1945 تطوّع كمقاتل مع أكرم الحوراني للدفاع عن رمز الشرعية “البرلمان” وحينها قرّر الفرنسيون اغتياله، ولكن الاستقلال كان قد اقترب، حينها كتب البدوي قصيدته الشهيرة “جلونا الفاتحين” التي أصبحت نشيداً مدوياً غناه المطربون الكبار:

” تمنّى الرّكب وجهكَ و الصباحا

فجنّ اللّيل من فجرين لاحا

وحنّ إلى ظلالكَ عبد شمسٍ

يريح شجونه ظمأى طلاحا

جلونا الفاتحين فلا غدوّاً

نرى للفاتحين و لا رواحا

إذا انفصلت أسنّتنا وصلنا

بأيدينا الأسنّة والصفاحا

إذا خرس الفصيح فقد لقينا

من النيران ألسنة فصاحا

حمى دنيا أميّة أريحيّ

متين الأسر قد فرع الرّماحا

و يا دنيا أميّة لا تراعي

شبابك يغمر الرحب الفساحا”

البدوي ضد الانقلابات

بعد رحيل الفرنسيين، بدأت الانقلابات العسكرية تعصف بسوريا، وكان بدوي الجبل ضد كل تلك الانقلابات، والتزم بالخيار الديمقراطي الذي مثّله البرلمان والانتخابات، وطالب قادة الانقلاب من محافظ اللاذقية حينها “سعيد السيد” باعتقال بدوي الجبل، فما كان منه إلا أن أوصله بسيارته الحكومية إلى الحدود اللبنانية، ليبقى في لبنان حتى أواسط الخمسينات، حين عيّنه الشيشكلي وزيراً في الحكومة السورية، ثم ما لبث المكتب الثاني(المخابرات) أن اتهمه بالتآمر على سوريا مع الحكومة العراقية، فهرب إلى لبنان من جديد، عاد خلالها إلى سوريا أواخر عهده بعد انهيار الوحدة مع مصر، وخرج بعد انقلاب البعث في العام 1963 واستقر في جنيف، وبقي حتى العام 1964 بعيداً عن سوريا، ثم عاد بعد صدور عفو عام.

ولم يكن راضياً عن صعود البعث على ظهر الدبابات، وكتب قصيدته الشهيرة منتقداً حياة السوريين في ظل حكم البعث وهزائمه المتتالية ومنها هزيمة العام 1967:

“رمل سيناء قبرنا المحفورُ

و على القبر منكر و نكيرُ

كبرياء الصحراء مرّغها الذلّ

فغاب الضحى و غار الزّئيرُ

جبن القادة الكبارُ و فرّوا

و بكى للفرار جيش جسورُ

هُزم الحاكمونَ و الشعبُ في

الأصفاد ، فالحُكم وحدَه المكسورُ

نحن أسرى ، و لو شمسنا على

القيد لما نالنا العدوّ المغيرُ

كلما أنّ في الخيام شريدٌ

خجل القصرُ و الفراشُ الوثيرُ

خجل الحاكمونَ شرقاً و غرباً

و رئيسٌ مسيطرٌ و وزيرُ

نحن أسرى و حين ضيمَ حمانا

كاد يقضي من حزنه المأسورُ

كلّ فردٍ من الرّعية عبدٌ

و من البعث كلّ فردٍ أميرُ

و مع الأسر نحن نستشرف الأفلاكَ

و الدائرات كيف تدورُ

نحن موتى و شرّ ما ابتدع الطغيان

موتى على الدّروب تسيرُ

بقيت سبّة الزمان على الطاغي

و يبقى لنا العلى و الضميرُ

ارجعوا للشّعوب يا حاكميها

لن يفيد التهويل و التّغريرُ

صارحوها فقد تبدّلت الدّنيا

وجدّتْ بعد الأمور أمورُ

لا يقود الشعوب ظلمٌ و فقرٌ

و سباب مكرّر مسعورُ”

بعد هذه القصيدة تم الاعتداء على بدوي الجبل، وخطفه ورميه في أحد مشافي دمشق فاقد الوعي، حينها أرسل له الرئيس جمال عبدالناصر يعرض استضافته في القاهرة حرصاً على حياته، ولكنه اعتذر قائلاً: لا يليق أن يقال هجوته ثم لجأت إليه” وكان قد هجاه في قصيدته كافور التي قال فيها:

” أشبعتَ بالخطب الجياعَ

فكلُّ هادرة خوانُ

خطب الرئيس هي الكرامة

و العلى، و هي الضمانُ

هي للجياع الطيبات

و للعراة الطيلسانُ”

بدوي الجبل العربي المسلم

أراد بدوي الجبل أن يبقي تلك الصلة الوطيدة لطائفته ونفسه أولاً كرئيس في بيئته، مع العروبة والإسلام، فلم يكن يفوّت الفرصة للتذكير بهذين البعدين والتغني بهما، فكان يقول:

“أرى بخيال السّحب خطوَ محمدٍ

على مخصب من بيدها و جديبِ

و ناراً على نجد من الرمل أوقدت

لنجدة محروم و غوث حريبِ

و تكبيرة في الفجر سالت مع الصّبا

نعيم فياف و اخضلال سهوب”

خرج بدوي الجبل من قميص طائفته الضيّق، ودخل روع الحياة الثقافية العربية الواسعة، فقال عنه الشاعر اللبناني سعيد عقل: “بدوي الجبل أحد قلائد الشعر في الدنيا” أما نزار قباني شريكه في الاغتراب والمنفى فقد قال عنه: “بدوي الجبل السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي، في حنجرته ألف لبيد وألف شريف رضي وألف أبي تمام”، ووصفه شاعر العراق الرائد عبد الوهاب البياتي بالقول: “من يكتب الشعر بعد بدوي الجبل سنرميه بحجر”، أما عباس محمود العقاد فكتب عن شعره قائلاً: “إن شعر البدوي يطلع من أعماق نفس القائل ليرتد إلى أعماق نفس السامع لا ليروي طريفاً أو يثير انفعالاً بل ليستقر ويُحفظ بعد الإلقاءة الأولى كل هذا في أناقة مترفة”، أما العملاق الجواهري فقد أنصف بدوي الجبل بقوله: “أكبر شاعر عُرِف في هذا العصر بدوي الجبل، وشاعر آخر” ويقصد نفسه بالطبع، بقوله الآخر.

وقد عرف البدوي حاجة سوريا إليه، وحاجة بيئته وطائفته وشعبه لذلك الموقف الصارم من كل استبداد، وعرف أن السوريين سينهلونه يوماً من ذاكرتهم ليذكروا به بقية مكوناتهم، وهو القائل:

“أُطلُّ على الدنيا عزيزاً أضمّني

وما حاجتي للنور والنور كامنٌ”

كانت دمشق تعنيه أكثر من أي شيء في الدنيا، في ترحاله عنها ونفيه مراراً، فقال عنها في ما يصحّ قوله عنها اليوم:

“لا الغُوطَتانِ ولا الشبابُ

أَدْعُو هَوايَ فَلا أُجَابُ

أَيْنَ الشَّآمُ مِنَ البُحَيْرَةِ

والمَآذِنُ والقِبَابُ

وَقُبورُ إخْواني وَمَا أَبْقى

مِنَ السَّيْفِ الضِرابُ

أَشْتاقُ أَحْضُنُهَا وأَلْثِمُهَا

وللدَمْعِ انْسِكابُ

يا شامُ: يا لِدَةَ الخُلودِ

وَضَمَّ مَجْدَكُما انْتِسَابُ

مَنْ لي بِنَزْرٍ مِنْ ثَراكِ

وقد أَلَحَّ بِيَ اغْتِرَابُ”.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً