العلويون النصيريون السوريون أمام خيار العودة إلى التاريخ أو الخروج منه

_20004_syr3

إبراهيم الجبين: العرب اللندنية

أغرق نظام الأسد الطائفة العلوية بدماء السوريين، ليخلق جدارا عازلا بينهم وبين بقيّة مكونات الشعب السوري ولتستحيل معه إمكانية انفصالهم عن نظامه. واليوم يلحّ نظام الأسد وإيران وحزب الله على الزج بهم في الصراع.

شاع خلال السنوت الماضية، التسرّع في إطلاق الأوصاف العامّة، التي تشكل مجموعا بشريا واسعا في مغامرة أخلاقية كبيرة، فشلها محتوم، فكيف يمكن في عصر الفرد العالمي، توقّع مواقف سياسية ووطنية وتاريخية كبيرة متّفق عليها من قبل مئات الآلاف من الألف، وأحيانا الملايين منهم؟

وقد كان نصيب العلويين في سوريا الكثير من الامتحانات والكثير من التعميم والكثير من التدقيق والنداءات والتوقعات، لدفعهم إلى اتخاذ مواقف مغايرة لموقف بشار الأسد والدائرة الضيقة المحيطة، والتي تسمى نظاما أمنيا وعسكريا ومافيويا يتحدّر قادته من بين أبناء تلك الطائفة. وكان هدف المعارضة السورية وأطياف المجتمع السوري، من طلب التغيير، إنقاذ العلويين من المزيد من التورّط والالتصاق بنظام الأسد ومصيره المتدهور بعد المجازر والقصف والوحشية واستعمال الكيميائي والإصرار على الفتك بالحجر والبشر. بينما يلحّ الأسد وإيران وحزب الله اللبناني على زج العلويين في الصراع وإغراقهم في الدماء.

بين هذا وذاك، لا يعرف إن كان العلويون السوريون يدركون حقّا الاستحقاق التاريخي الذي ينتظرهم سواء هزم الأسد أو استمر لبضع سنين آتية، إنهم العلويون النصيريون.. أكثر الطوائف قلقا وإقلاقا اليوم في الشرق الأوسط.

المؤسس وموقف الشيعة منه تعرض العلويون لأول اضطهاد في تاريخهم على يد الشيعة الذين رفضوا فكر المؤسس محمد بن نصير النميري وكفروه

ظهر في العراق تلميذ من تلاميذ الإمام الحادي عشر الحسن العسكري، أحد أحفاد علي بن أبي طالب الكبار، واسمه “أبوشعيب” محمد بن نصير بن بكر العبدي النميري التميمي البصري. كان هذا التلميذ مقرّبا من الإمام، إلى درجة أنه نطق باسمه وعدّ ذاته نائبا له وعنه.

وقد استند كثيرون، في تعزيز مكانة محمد بن نصير، الذي تنتسب إليه النصيرية (العلوية)، إلى قول للعسكري حين سئل عمّن يمكن أخذ العلم من بعده، فقال: ”خذها ممن يرميه المسلمون بالرفض وترميه المقصرة من الشيعة بالغلو وهو عند المرتفعة محسود فاطلبه فإنك تجد عنده ما تريد من معالم دينك”.

فقال السائل: ”فلم أجد هذه الصفة في غير أبي شعيب محمد بن نصير فتبعته فوجدت عنده كل ما أردته”. فأصبح بن نصير “بابا” للإمام، ولكن جمهور الشيعة رفضه، وعدّه متقوّلا مزورا لكثير من أفكار وعقائد العسكري والأئمة، واختلف بشأنه الشيعة، حتى أنه هجرهم وغادرهم.

ويعتبر الشيعة الإثني عشرية الفكر النصيري العلوي فكرا “منحرفا” عن التشيّع، ولكنهم في إيران اليوم لا يمانعون من استغلاله لبسط نفوذ إيران. وقد كان أول المتحدثين عن محمد بن نصير في التاريخ الشيخ الحسن بن موسى النوبختي في القرن الثالث الهجري.

والنوبختي هذا هو صاحب مؤلف “فرق الشيعة” الضخم والذي يذكر الشيعة بعد اسمه عبارة “قدّس الله سرّه”. ويقول النوبختي: “وقد شذّت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته، فقالت بنبوّة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدّعي أنّه نبي، بعثه الحسن العسكري عليه السلام، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن. ويقول فيه بالربوبية..”. وقال فيه كلاما قاسيا يشبه ما يقول اليوم متحدثو إيران المتطرفون عن السنّة، فكان موقفه أول موقف شيعي رافض للنصيرية يصدر بحق النصيرية.

النصيرية بعد ابن نصير ظهرت فئات من العلويين، كانت تعمل في منطقة وسطى ما بين المعارضة والنظام، وحين فوجئت باحتمال زوال حكم الأسد انضمت إلى جانب النظام ضد الثورة، وانحدرت إلى مستويات مذهبية وطائفية، ولعل أكثر أمثلتها سطوعا الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بـ”أدونيس”

قال الجرجاني: ”النصيرية الذين قالوا إنّ اللّه حلّ في علي”، ولكن كان الشيخ الرئيس عبدالرحمن الخير، من أكثر العلويين النصيريين حرصا على إيضاح وشرح العقيدة، بعد أن قدم من القرداحة إلى دمشق ليصبح “نزيل دمشق” كما كان يوقّع.

ويقول الخيّر : ”أُصول الدين خمسة، وهي: التوحيد والعدل والنبوّة والاِمامة والمعاد. وفي التوحيد: نعتقد بوجود إله واحد خالق للعالم المرئي وغير المرئي، لا شريك له في الملك متصف بصفات الكمال، منزّه عن صفات النقص والمحال: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ الْسَمِيعُ الْبَصِير “.

أما عن العدل فنعتقد بأنّ اللّه تعالى عادل منزّه عن الظلم وعن فعل القبيح والعبث، لا يكلّف البشر غير ما هو في وسعهم وطاقتهم ولا يأمرهم إلاّ بما فيه صلاحهم ولا ينهاهم إلاّ عمّا فيه فسادهم ولو جهل كثير من العباد وجه الصلاح والفساد في أمره ونهيه سبحانه.

وعن النبوّة: نعتقد بأنّ اللّه سبحانه يصطفي من خيرة عباده الصالحين رسلا لإبلاغ رسالاته إلى الناس، ليرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم ويحذّروهم عمّا فيه فسادهم في الدنيا والآخرة. ونعتقد بأنّ الأنبياء كثيرون، ذكر منهم في القرآن الكريم خمسة وعشرون نبيا ورسولا، أوّلهم سيدنا آدم عليه السلام وآخرهم سيدنا محمد بن عبد اللّه صلىالله عليه وآله وسلم وشريعته هي آخر الشرائع الاِلهية وأكملها.

ونعتقد بأنّها صالحة لكلّ زمان ومكان. ونعتقد بعصمة جميع الأنبياء من السهو والنسيان وارتكاب الذنوب عمدا وخطأ قبل البعثة وبعدها، وأنّهم منزّهون عن جميع العيوب والنقائص، وأنّهم أكمل أهل زمانهم وأفضلهم وأجمعهم للصفات الحميدة، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.

أما الاِمامة فنعتقد بأنّ الاِمامة منصب تقتضيه الحكمة الإلهية لمصلحة البشر في موَازرة الأنبياء بنشر الدعوة الإِلهية، وفي القيام بعدهم بالمحافظة على تطبيق أحكامها بين الناس وبصون التشريع من التغيير والتحريف والتفسيرات الخاطئة.

ولذلك نعتقد اقتضاء اللطف الإلهي بأن يكون الاِمام معيّنا بنص إلهي وأن يكون معصوما مثل النبي سواء بسواء ليطمئن المؤمنون إلى الاقتداء به في جميع أعماله وأقواله. ونعتقد بأنّ الاِمام بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو سيدنا الاِمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، ومن بعده إبناه الحسن والحسين، ثمّ تسعة من ذرية الحسين عليه السلام، آخرهم المهدي عجّل اللّه فرجه، وعجل به فرج المؤمنين.

وعن المعاد: نعتقد أنّ اللّه سبحانه يعيد الناس بعد الموت للحساب، فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. كما ونؤمن بكل ما جاء في القرآن الكريم، وبما حدّث به النبي صلى الله عليه وعى آله وسلم من أخبار يوم البعث والنشور والجنّة والنار والعذاب والنعيم والصراط والميزان وغير ذلك ممّا أثبته كتاب اللّه وحديث رسوله الصحيح. وأمّا فروع الدين: فكثيرة أهمّها الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد”.

الخصيبي العقيدة العلوية أقرب إلى التصوف منها إلى المذهب الديني، وقد ساهم تدمير نظام الأسد لقادتها الروحيين في ترك الجمهور العلوي بلا مرجعيات

ينتسب النصيريون العلويون إلى الخصيبي، وهو الحسين بن حمدان الخصيبي أحد أعلام مدرسة الإمامة. عاش في القرن الثالث الهجري. وتتفق المصادر على أنه تلقى علومه أولا في بلدته جنبلاء، وهي أحد معاقل العرفان الإلهي على يد العابد الزاهد أبي محمد عبدالله الفارسي الملقب بـ “الجنّان”.

وقدّم الخصيبي التوحيد الإسلامي بطريقة مختلفة، معتمدا على القرآن والسنة النبوية والرواية عن الأئمة. وقال إن للشريعة “حكمة في روحها تظهر بتدبر الآيات كما فسرها المعصومون ولا يستطيع إدراكها إلا الذين يسهرون ليلهم في تلاوة الذكر وتدبر معانيه، يقومون نهارهم في مراقبة أفعالهم حتى تكون خالصة لله عز وجل وسميت الحكمة بالباطن لأنها باطن الشريعة. واستند إلى قول علي زين العابدين: ”بُني القرآن على أربع، على ألفاظ للعوام وإشارات للخواص ولطائف للأولياء وحقائق للأنبياء”.

الحمدانيون والبويهيون يعتبر الولي الفقيه في إيران العلويين النصيريين خارجين عن الملة، ولكنه لا يمانع في استغلالهم بهدف بسط النفوذ الإيراني

تهالكت الخلافة العباسية، وبدأت دويلات تظهر هنا وهناك، وكان الخصيبي حاضرا ذلك كلّه، متأثرا به، شاهدا عليه. وظهر آل حمدان “قوة عربية” تؤمن بالإمامة. وفي المقابل ظهر البويهيون من الديلم، وكانوا أيضا يؤمنون بالإمامة. وبين الفريقين كان دعاة أبي شعيب (محمد بن نصير) يتحرّكون ناشرين الفكر المختلف.

وكان هدف الخصيبي في هذا المناخ جمع كلمة الإمامية الشيعة وتوحيد ما بينهم من اختلاف، فأنشأ مركزا دعويا في بغداد، ولكن العباسيين اعتقلوه، في خلافة المستكفي العباسي في العام 333 للهجرة. ولما دخل البويهيون بغداد أطلقوا سراح الخصيبي، الذي غادر إلى حلب ليكون في حماية سيف الدولة الحمداني وهناك “افتتح مركزا لتخريج المبلغين والدعاة”.

بعد عهد الخصيبي والدولة الحمدانية انتقل مركز حلب النصيري إلى اللاذقية وصار رئيسه أبو سعد الميمون سرور بن القاسم الطبراني الذي كان قد ولد في مدينة طبريا في العام 969 للميلاد، ورحل من طبريا إلى حلب طلبا للعلم. وهناك تفقه بفقه العلويين من تلاميذ الخصيبي. ثم انتقل إلى اللاذقية والتف حوله من فيها من العلويين.

واستمر في إرشاده ودعوته إلى المذهب العلوي حتى وفاته في اللاذقية في العام 1035، ودفن على الشاطئ في مسجد الشعراني. وصنف كتبا في المذهب العلوي أصبحت مصدرا رئيسا في العقيدة منها “مجموع الأعياد” و”الدلالات والأخبار المبهرات” و”الحاوي في معرفة الفتاوي” (يتضمن أهم التشريعات للطقوس الدينية).

الأمير المكزون السنجاريمع بدء الثورة السورية كانت من أولى المنضمات إلى الثورة السورية الروائية سمر يزبك التي حوربت ووجهت إليها أقسى أنواع الاتهامات والتهديدات حتى اضطرت إلى مغادرة سوريا إلى باريس لتعود إلى سوريا ولكن في المناطق المحررة مشرفة على مراكز تأهيلية للمجتمع والمرأة والطفل

أعظم وأكبر شخصيات النصيريين العلوييين السوريين، أمير وشاعر وفيلسوف ومقاتل، يحمل له العلويون الامتنان الكبير لأنه قام بنجدتهم في صراعهم مع الإسماعيليين في الغرب السوري. وقد جاء إليهم من جبل سنجار الواقع غرب العراق، بعد أن قدم إليه وفد منهم يشكو حالهم ويحدثه عن خلاف وقع بين النصيريين والإسماعيليين والأكراد بسبب الاحتفال بعيد النيروز.

وقد ذكر خير الدين الزركلي الأمير المكزون السنجاري في الأعلام، فقال: ”المكزون الذي توفي في العام 1240، حسن بن يوسف مكزون ابن خضر، ينتهي نسبه إلى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، أمير، يعدّه العلويون في سوريا من كبار رجالهم.

كان مقامه في سنجار، أميرا عليها، واستنجد به علويو اللاذقية ليدفع عنهم العدوان سنة 617 ه، فأقبل بخمسة وعشرين ألف مقاتل، ثم عاد إلى سنجار، ثم زحف سنة 620 ه بخمسين ألفا، وأزال نفوذ الإسماعيليين، وقاتل من ناصرهم من الأكراد، ونظّم أمور العلويين، ثم تصوف وانصرف إلى العبادة، ومات في قرية كفرسوسة، قرب دمشق، وقبره معروف فيها وله ديوان شعر، وفي شعره جودة”.

ثمّ آثر المكزون الخلوة والمجاهدة، فكثرت عبادته وزاد تبتله وعرف الخاص والعام منه كثرة التواضع لله والورع في المسلك والتقوى في العمل والإخلاص في النية ورغبة عما في أيدي الناس. وتشوق إلى إخوانه في سنجار وحنّ إلى ابنه حسام الدين فعزم على الرحيل سالكا الطريق التي أتى منها.

وبعد حملتين سيطر خلالهما على جبال الساحل، قرر العودة إلى سنجار فأتى إلى طرطوس ثم اتجه شرقا فمر على جرجرة ولكنه ذهب إلى تلعفر حيث قضى فصل الربيع بكامله ومر على العاصي ثم سار إلى دمشق.

خلال الحملة الصليبية الأولى على بلاد الشام أواخر القرن الخامس الهجري، حاصر الصليبيون أنطاكيا في شمال بلاد الشام قرابة سبعة أشهر. وفي تلك الفترة يسند المؤرخون التهم إلى النصيريين بالتعاون مع الصليبيين وتسهيل مرورهم من ثغور اللاذقية، الأمر الذي تسبّب في فتاوى ابن تيمية الشهيرة التي يأخذها العلويون النصيريون على علماء السنة من المسلمين.

أما ابن بطوطة، الرحالة الشهير الذي مرّ بالساحل السوري في القرن التاسع الهجري، فروى ما رآه بقوله: “وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية، الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلون ولا يصومون. وكان الملك الظاهر ألزمهم ببناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة، ولا يدخلونه ولا يعمرونه”.

في العصر الحديث ما تزال فرصة العلويين كبيرة للتحول بالفعل إلى طائفة ذات كيان مستقل عن مستبد منهم يجرهم إلى الهاوية أو مضطهد لهم يدفعهم إلى أعالي الجبال

استمر النصيريون العلويون، كغيرهم من الفرق الإسلامية في كر وفر مع المغايرين من بقية المذاهب والطوائف. ولكنهم لاذوا بالجبال التي مكنهم منها المكزون السنجاري، وابتعدوا بالتدريج عن الحياة العامة لبقية المكونات. وحين صعدت الدولة العثمانية، واجه السلطان سليم النصيريين وحاربهم ودفعهم إلى المزيد من التقوقع في جبالهم.

الأمر الذي واصله إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر عندما سيطر على مناطق الساحل، فاستعمل الشدة في أول الأمر، ثم لان لهم وبنى المدارس والمساجد غير أن النصيريين قاموا بثورة كبيرة في العام 1834، وهاجموا مدينة اللاذقية، فجرد لهم إبراهيم باشا حملة كبيرة وعاقبهم بشدة وأحرق عددا من قراهم، فاستسلموا.

ثم قسمت المجتمعات التي انضوت تحت سلطة الدولة العثمانية إلى مكونات “ملّية” وأسس مجلس ملي للنظر في شؤونها، يحضر فيه الممثلون من كل الملل؛ ولم يكن العلويون النصيرية أعضاء في هذا المجلس. وقد أسس لهذا المجلس المرسوم السلطاني الذي عرف باسم ”الخط الهمايوني” الذي وضعه السلطان عبد المجيد الأول في العام 1856.

وكان الغرض منه تنظيم بناء دور العبادة في جميع الولايات التابعة للدولة العثمانية، ويطبق على كل الملل والأديان غير الإسلامية. ولأن النصيرين يعتبرون من المسلمين فلم يكن يشملهم الخط الهمايوني، ولكنهم في الوقت ذاته عانوا من اختلاف وابتعاد عقيدتهم عن بقية المذاهب الإسلامية، فانفصلوا عن الأديان والطوائف في آن واحد.

بنية المجتمع العلوي

يتركّب المجتمع النصيري العلوي من عشائر شاميّة وعراقية من غسّان وبهرا وتنوخ، من الذين اعتنقوا المذهب الشيعي الإمامي في البدايات، ثم تحولوا إلى الفكر النصيري العلوي. وبعض قبائلهم كالمحارزة يرجعون نسبهم إلى الهاشميين. وبعضهم ازداد عددهم بهجرة قبائل طيء وغسّان الذين دفعتهم الحروب الصليبية من جبل سنجار في العراق إلى منطقة الشام، وهم ينقسمون بذلك إلى عشائر كثيرة كالنواصرة والجهنية والرسالنة ومنهم الحيدرية الغيبية وهم العلويون شمال نهر الكبير الشمالي في منطقة بسنادا وما حولها من القرى.

وبين العلويين مثقفون وفنانون وكتاب وأكاديميون يعيشون ضمن النسيج السوري العام. ولا يعتدّ معظم العلويين بمرجعيات دينية معينة، بل إن نظام حافظ الأسد، قام بتفتيت أية مرجعيات قائمة أو ممكنة للعلويين، وتحويل رجال الدين إلى رجال زكاة وحسبة، من المتقاعدين من الخدمة العسكرية، بدلا عن العلماء الذين كانوا ينتشرون في جبال الساحل السوري، كالشيخ أحمد سليمان الأحمد وابنه فيما بعد بدوي الجيل، والشيخ أحمد حيدر المؤلف الكبير، وكذلك الشيخ محمد علي إسبر.

كتب نيكولاوس فان دام، الباحث الهولندي الذي زار سوريا وألّف كتابه “الصراع على السلطة في سوريا”، أنه يعيش حوالي 75 بالمئة من العلويين السوريين بمنطقة اللاذقية، “حيث يشكلون الأغلبية المحلية هناك، ويعمل معظمهم في قطاع الزراعة، ممثلين بذلك الأغلبية الساحقة من سكان ريف اللاذقية.

أما في المدن الساحلية فقد كانوا أقلية مقارنة بالسنيين والمسيحيين. وعليه، فإن التباين الريفي المديني والتباين الطبقي بمنطقة اللاذقية عادة ما يتوافقان مع الاختلافات الطائفية. وقد فرضت المدن فيما مضى هيمنة اقتصادية واجتماعية على سكان الريف الذين كانوا يرغمون على التنازل عن جزء كبير من عائداتهم لملاك الأراضي والتجار”. ويعدّ فان دام أن “المدن الساحلية كاللاذقية من وجهة النظر السياسية والاجتماعية بمثابة قواعد أمامية لدمشق العاصمة بغالبية سكانها من السنيين”.

ويضيف فان دام : “ويمكن تقسيم العلويين عشائريا إلى أربعة اتحادات: الخياطين والحدادين والمتاورة والكلبية، موزعين على منطقة اللاذقية بأكملها والمناطق المحيطة بها. والكثير من القرى والأراضي التابعة لها موزع بين عائلات من عشائر مختلفة. وأحيانا يكون للاتحادات العشائرية أكثر من قائد (رئيس أو زعيم)، حيث تنقسم هذه الاتحادات إلى عشائر، لكل منها “مَقدمَّ”.

وقد قامت سلطات الاحتلال الفرنسية بتقسيم سوريا إلى دول صغيرة، بناء على التنوع المذهبي والطائفي لشعبها. وكما في الجنوب، حيث أسست دولة الدروز، تم تأسيس دولة العلويين في الشمال الغربي من سوريا. وسمّيت دولة جبل العلويين وعاشت ما بين عامي 1920 و1936 على الساحل السوري.

وكان سكانها من العلويين في الجبل ومن السنة في الساحل ومن المسيحيين كذلك وقليل من الإسماعيلية. وفي 29 سبتمبر من العام 1923، تم إعلان تلك الدولة واختيرت عاصمة لها مدينة اللاذقية. وكان عدد سكانها في ذلك الوقت 278 ألف نسمة. وحكمها إقطاعيون من آل الكنج. وفي يوم 5 ديسمبر 1936 تم ضمها نهائيا إلى سوريا، بعد اتفاق وقّع في باريس، رغم اعتراضات وجهها بعض كبار وجهاء العلويين، أجابت عليها فرنسا بأن العلويين ليسوا ناضجين كفاية لتأسيس دولتهم حينها.

سلمان المرشدسيف الإمام علي بن أبي طالب، المعروف بـ”ذو الفقار”، يتخذه العلويون رمزا لهم

عن طائفة العلويين النصيريين انشقت طائفة صغيرة، في أواسط القرن العشرين، أطلقت على نفسها اسم المرشدية نسبة إلى سلمان المرشد. ويبلغ تعدادها اليوم قرابة ثلاثمئة ألف. وقد ظهر سلمان المرشد، في المنطقة الجبليّة ما بين محافظتي اللاذقيّة وحماة ونشر دعوته في مناطق أخرى في محافظات حمص وإدلب ودمشق وطرطوس.

وكان سلمان المرشد قد لفت الأنظار إليه في 1923 عندما بشّر بقرب ظهور المهدي لـ”يملأ الأرض عدلا”. ولم يدع الناس أن يتخذوه ربا كما يشاع، بل كان سلمان قد دعا إلى إلغاء الكثير من العادات التي تمس سيطرة مشايخ العلويين على أتباعهم. وتم إعدام سلمان المرشد في نهاية العام 1946 بتهمة ادعاء الألوهية. وكان قد قاد عشيرته إلى التحرر من سلطة العائلات الإقطاعية العلوية في جبال الساحل وسهل الغاب، وطالب بالحرية والمساواة ودافع عن الفلاحين.

ساهم سلمان المرشد في إنجاح الكتلة الوطنية نظرا إلى ما يتمتَّعُ به من شعبية كبيرة بين صفوف الفلاحين. وعارض هذه الكتلة عندما رأى أنها ابتعدت عن مصلحة الوطن. ثم انتخب سلمان المرشد لمجلس النواب في اللاذقية ابتداء من سنة 1933.

وترشح للانتخابات النيابية في دمشق 1937 واحتفظ بمقعده البرلماني في الدورة التالية في انتخابات 1943. وبعد تنامي نفوذه قامت العائلات الإقطاعية في اللاذقية بإثارة أهل الجوبة ضد جماعة سلمان وسلّحتهم وأمرتهم بإحراق بيته.

ورغم خلافاته مع زعماء الحركة الوطنية تناسى سلمان الخلافات لأسباب وطنية، فعندما تطورت الأحداث بالبلاد، وبدأ القتال بين الثوار والقوات الفرنسية في دمشق وضُربت المدينة بقنابل المدفعية، في 21 مايو عام 1945 قدَّم سلمان للبرلمان تصريحا تلاه النائب فخري البارودي جاء فيه: ”إني أضع نفسي وعشائري وأموالي تحت تصرف الأمة والحكومة وأعلن أنه إذا كان هناك خلاف بيني وبين الحكومة فأنا وطني قبل كل شيء، وعلى استعداد للقيام بكل ما يتطلّبه الوطن وبكل ما توجبه سيادة البلاد واستقلالها”.

واستمر ابنه مجيب من بعده يدعو إلى العقيدة المرشدية، فأمر الرئيس الشيشكلي بقتله، في العام 1952، ليصبح ساجي سلمان المرشد المرجع الأول للمرشدية. وقد توفي في أكتوبر من عام 1998، ولم يوص بالإمامة لأحد من بعده، لذلك لا توجد عند المرشدية مرجعية دينية بعده. وتعرض المرشديون للتنكيل الفظيع بعد ذلك من قبل معظم الحكومات المتتالية، مع ملاحظة أن المرشدية كدعوة دينية انطلقت بعد إعدام سلمان مرشد في أواخر العام 1946 وتعتبر نفسها مستقلة تماما عن العلويين.

العلويون على رأس السلطةقام الأسد باستغلال جميع الطوائف بما فيها طائفته التي ينتمي إليها، وحوّلها إلى جدار صدّ، لحماية تركيبته الأمنية المافيوية

كانت حياة الفلاحين العلويين النصيريين قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة ومن معه من كبار الضبّاط مثل صلاح جديد وعزت جديد وآخرين، مغلقة تماما داخليا، يتحكم بها بعض شيوخ العشائر والإقطاعيين الذين تحالفوا مع السلطات المتعاقبة على سوريا، منذ العثمانيين وحتى الفرنسيين والعهود التالية، فظهر آل الكنج الذي حكموا الساحل السوري كملاك للأراضي، وظهر آل الخيّر كرجال معرفة ودين، وظهر آل خير بيك، وآل مخلوف. بينما كانت أسرة حافظ الأسد من أصول غير متوافق عليها، وكثير من العلويين يعتبرونها من الوافدين من تركيا، وكان للأسرة اسم آخر يعود إلى جد حافظ الأسد، “الوحش” الذي عرف بقوته البدنية وسطوته في الأوساط الفقيرة.

العلويون في زمن الثورة السورية

مع أن كثيرين يعدّون النظام الذي أسس له حافظ الأسد، نظاما طائفيا علويا نصيريا، إلا أنه يبدو أعمق وأبعد، فقد قام باستغلال جميع الطوائف بما فيها طائفته التي ينتمي إليها، وحوّلها إلى جدار صدّ، لحماية تركيبته الأمنية المافيوية، فحرص على تجهيلهم وإفقارهم، ودفعهم إلى الانخراط في الحيش السوري، وتخويفهم المستمر، من خطر الاضطهاد الذي ينتظرهم إذا ما زال هو عن الحكم. واخترع من أجل ذلك الكثير من الأساطير عن اضطهاد العلويين من قبل المجتمع السوري، قام بتفنيدها كثير من المؤرخين ومنهم الكتاب والمثقفون العلويون أنفسهم.

وكان نظام الأسد الأب، يقرّب كثيرين منهم ويورّطهم في دماء السوريين، فيضعهم على رأس المناصب الحساسة المخابراتية والعسكرية، لإقامة جدار فصل نفسي وأخلاقي بينهم وبين المجتمع السوري وبقية المكونات فيه. ولكنهم مثل بقية السوريين انخرطوا في الحياة على قدر ما يستطيعون، فذهب بعضهم باتجاه الوظائف العامة، وآخرون ذهبوا إلى الفنون والآداب.تعرض العلويون النصيريون للرفض من قبل الشيعة والسنة على حد سواء، الأمر الذي ساهم في عزلتهم عبر القرون

وكان منهم كثيرون من قيادات الصفوف الأولى لبعض الأحزاب والحركات المعارضة السورية، فتم التنكيل بهم ووضعوا في السجون سنوات طويلة، وليس أدل على ذلك من حالة الدكتور عبد العزيز الخير، الذي قضى سنين طويلة بتهمة الانضمام إلى رابطة العمل الشيوعي، ليخرج ويواصل عمله المعارض، وليعتقله النظام اليوم وما يزال مصيره مجهولا حتى اللحظة.

ومنهم أيضا الدكتور عارف دليلة، عميد كلية الاقتصاد في دمشق، الباحث والمعارض السوري الذي أعلن صراحة انتقادات واسعة للتحالف ما بين الفساد والحكم في سوريا، فكان نصيبه عشر سنوات من السجن، أكثر من جميع زملائه من بقية الطوائف من الذين رفعوا الشعارات ذاتها وشاركوا في الناشطات ذاتها.

ومع بدء الثورة السورية كانت من أولى المنضمات إلى الثورة السورية الروائية سمر يزبك التي حوربت ووجهت إليها أقسى أنواع الاتهامات والتهديدات حتى اضطرت إلى مغادرة سوريا إلى باريس لتعود إلى سوريا ولكن في المناطق المحرّرة مشرفة على مراكز تأهيلية للمجتمع والمرأة والطفل. وأيضا من الأسماء الفاعلة نذكر المخرج السينمائي السوري الجريء أسامة محمد والشاعرة هالا محمد والمعارض وحيد صقر والمعارض حبيب صالح والناشطة خولة دنيا والناشطة سميرة الخليل، زوجة الكاتب ياسين الحاج صالح، التي تم اختطافها من قبل مجهولين في غوطة دمشق.

بالمقابل ظهرت فئات من العلويين، كانت تعمل في منطقة وسطى ما بين المعارضة والنظام طيلة العقود الماضية، إلا أنها فوجئت وصدمت باحتمال زوال حكم الأسد وزوال الامتيازات التي حصلت عليها من قبل، فانضمت إلى جانب النظام في محاربة الثورة، وانحدرت إلى مستويات مذهبية وطائفية مريعة، لتبرير القتل والمجازر، ولعل أكثر أمثلتها سطوعا الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بـ “أدونيس”.

تعرض العلويون النصيريون للرفض من قبل الشيعة والسنة على حد سواء، الأمر الذي ساهم في عزلتهم عبر القرون، ولم تستطع عقود الاستبداد التي وصل فيها أحد أبنائهم إلى رأس السلطة في سوريا، أن تقدم لهم الطمأنينة اللازمة للعودة إلى المجتمع من جديد، ولكن الثورة السورية بكل أحداثها التراجيدية، ما تزال فرصتهم الكبرى، للتحول بالفعل إلى طائفة ذات كيان مستقل عن مستبد منهم يجرّهم إلى الهاوية أو مضطهد لهم يدفعهم إلى أعالي الجبال، لطالما كانوا بين ناريهما.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً