سوريا والمجال الروسي

غازي دحمانغازي دحمان ـ المستقبل :

تتميز الدول الصاعدة إلى مسرح القوة الدولي، وتلك الباحثة عن وضع جديد في تراتبية المكانة والحضور العالميين، بحساسيتها الشديدة تجاه الجغرافية السياسية، والتفسير المنطقي لمثل هذا الاهتمام يرجع الى سببين. أحدهما ينطوي على بعد سلبي، خوف تلك الدول من إمكانية وقوعها تحت الحصار من قبل الدول المنافسة وبالتالي إضعاف قدراتها التنافسية، ثانيهما يتضمن بعداً إيجابياً يتمثل ببحث تلك الدول عن مجالات حيوية لتصريف فائض قوتها من جهة، ولإمكانية استثمارها كنطاقات عازلة تصد عنها هجوم القوى المعادية، وغالباً ما تكون تلك الأراضي في الجوار القريب، وتحديداً في المناطق التي تسمى بالمفهوم الإستراتيجي« الخواصر الرخوة«، ويحصل هذا الامر في المناطق التي يكون فيها فراغ قوة.

روسيا وسوريا هما مثالان حيان عن هذه الحالة، حيث تتبنى روسيا سياسة قومية متشددة تقوم على مبدأ مد النفوذ الى مناطق الاتحاد السوفياتي السابق، وتلك التي تقطنها أقليات روسية، وتلك التي تنتمي للحضارة السلافية الأرثوذكسية، ويعتقد صناع الروس أن بلادهم تواجه خطرين محتملين من اتجاهين مختلفين، من الغرب ويمثله اوروبا وحضارتها الاستهلاكية وقيمها الديمقراطية وتمثل الجغرافية الاوكرانية حاجز الصد في مواجهة هذا الخطر، ومن الجنوب حيث القوى الإسلامية الراديكالية وتهديدها للاجزاء الجنوبية من روسيا وإمكانية انتقال تأثيرات الربيع العربي إلى المناطق التي بدأت تتبلور فيها الهوية الإسلامية والتي تطالب بالانفصال عن روسيا كالشيشان وداغستان وأنغوشيا.

تشكل سوريا هدفاً جيوإستراتيجياً مغرياً لروسيا، لا يتطلب الحصول عليه أو الحفاظ عنه صرف مجاهيد وموارد كبيرة، بسبب ان سورية كانت في السنوات التالية لاستقلالها جغرافية خارج دائرة الاهتمام الأميركي، بل إنها كانت عبارة عن تسوية بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأميركية، ذلك أن واشنطن بكل الأحوال لم تكن ترى بسوريا أهمية إستراتيجية تستدعي بذل مجهود كبير للحصول عليها، ربما لانطوائها على تيارات سياسية معادية للغرب عموماً، أو لافتقارها الى الموارد الأساسية التي من الممكن أن تثير اهتمام الأميركيين، بل إنها من الناحية الجغرافية محصورة بين حليفين لواشنطن، تركيا وإسرائيل، وبالتالي فإن بالمنطق الإستراتيجي منطقة فاقدة الفعالية.

في الوقت الحالي، وبعد تفكك بنى الدولة السورية وضعف نظام الحكم فيها، تتحول سوريا إلى أرض فراغ من وجهة النظر الروسية، وهي بهذا المعنى تتطلب وجود قوة تملأها خوفاً من حلول قوة ثانية، وتتخوف موسكو من حلول قوة إسلامية معادية لها، أو أن تتحول الى بلد قريب من الغرب مما يزيد من حجم المصاعب الإستراتيجية في وجه روسيا المطوقة من عدة جهات بمشاكل أمنية وسياسية. يتزامن هذا الأمر مع وجود تقدير روسي بانسحاب أميركي من المنطقة، وبالتالي حدوث فراغ إستراتيجي يتطلب إعادة ملئه واستخدام الأرض السورية كمجال مساعد لمد النفوذ الروسي الى مناطق أوسع وأبعد.

ولطالما شكل البحر المتوسط واحدة من الواجهات التي طمحت روسيا تاريخياً الى تأمين نفوذ لها دائم فيها، وكان هذا الطموح يزداد كلما طورت روسيا قوتها وإمكاناتها العسكرية والاقتصادية، حيث يغدو البحر المتوسط أحد أهم شرايين التغذية الروسية ومجالاً لممارسة السلوك التنافسي مع القوى الأخرى، بالرغم من كون روسيا قوة برية أكثر منها بحرية، وبالتالي فهي لا تلجأ في الغالب الى المجال البحري إلا لدواعي الضرورة الاقتصادية والعسكرية، ولم يعرف عنها أنها توسّعت كثيراً في هذا المجال خارج نطاقاتها الإستراتيجية القريبة. وهو ما يفسر اعتبار الوجود الروسي في المتوسط كضرورة تعاطت معها القيادات الروسية على مر التاريخ، وليست تعبيراً عن فائض قوة يراد استعراضه في المياه الدافئة.

في ظل هذه المعطيات، تسعى روسيا المعاصرة إلى تقديم نفسها على مسرح السياسة الدولية كقوة طاقة مهمة ومؤثرة، وهي تستند في ذلك على احتياطيها الكبير من الغاز، كما تسعى إلى تشكيل كارتل غازي كبير بالإضافة الى ما تنتجه داخل الأراضي الروسية، يشمل إيران بوصفها صاحبة ثاني أكبر احتياطي عالمي، وكذلك كميات الغاز المكتشفة حديثاً في شواطئ البحر الابيض المتوسط الجنوبية من قبرص الى سوريا ولبنان وإسرائيل حيث تسعى شركة غاز بروم الروسية إلى احتكار عمليات التنقيب والاستثمار للغاز في هذه المناطق، كما تسعى الى احتكار نقله الى مواقع الاستهلاك في الدول الصناعية وفي أوروبا على وجه التحديد.

يعتبر موضوع الغاز أحد محركات السياسة الروسية في الزمن الحالي، ذلك أنه في ظل تراجع القدرات الروسية التنافسية على كل المستويات، يبرز موضوع الغاز كواحدة من ممكنات إعادة السيطرة والنفوذ الروسي الى المجال الدولي، ولروسيا في هذا المجال خبرة كونتها عبر السنوات الماضية عن مدى تأثير قوة سلاح الغاز في العلاقات مع أوروبا، ولعلّ ما يعزز درجة الثقة بهذا السلاح ويؤكد مدى فعاليته، تحول جزء كبير من الإنتاج الاوروبي، وخاصة في المانيا، إلى الغاز كوقود محرك، وذلك لما يتمتع به من مزايا تفضيلية تناسب الواقع الاوروبي وتجعله منافساً قوياً للنفط.

على ذلك تشكل الجغرافية السورية واحدة من الضرورات اللوجستية للمشروع الروسي في مجال الطاقة، وذلك لما تملكه من إمكانيات ربط بين مواقع الإنتاج ومناطق الاستهلاك، وكمعبر للغاز القادم من آسيا الوسطى الواقعه تحت قوس السيطرة الروسية، مثل كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان، ولربط استثمارات الغاز على المتوسط بالغاز القادم من إيران، وكمعبر إجباري لخطوط النقل المتجهة الى اوروبا، مما يجعل من سورية درة الإستراتيجية الروسية في المنطقة، وما يشجع على اعتماد سورية كذلك، وجود بنية تحتية روسية في سورية تتمثل بميناء طرطوس وباستمثارات عديدة في مجال النفط والغاز.

ذكر أكثر من عضو من أعضاء الوفد المفاوض في جينيف أنهم واجهوا في المفاوضات طرفاً روسياً متشدداً طغى على تشدد النظام، بحيث كان يتدخل في أصغر التفاصيل، وكان يرفض التنازل عن أي مطلب، وكأنه يتنازل عن أشياء داخل موسكو وليس في سوريا، مما يعكس مدى الأهمية التي تعول عليها روسيا في بقاء نظام بشار الأسد في السلطة وعدم ثقتها بأي بدائل أخرى وأي ضمانات، ذلك أن روسيا لا يمكنها ان تتهاون تجاه مشروعها الإستراتيجي والذي تشكّل روسيا جزءاً من مكوناته.

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً