الماضي والحاضر والآتي.. السوريون نحو مستقبل أفضل

ـ بعد تغيير نظام الحكم الفاسد في سوريا ستكون الأولويات التي يجب أن تعمل عليها أي حكومة، سواء كانت انتقالية أم منتخبة، هي الصحة والتعليم والعدل.

ـ قبل اندلاع الثورة السورية بلغ عدد المشافي في سوريا 482 مستشفى بعدد أسرة نحو 30 ألف سرير، منها 117 مستشفى عام بعدد أسرة نحو 22 ألف سرير، وبواقع 11 سرير لكل 10 آلاف مواطن.

اق-بيقميساء آقبيق- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

كنت قد كتبت بعض أفكار من هذا المقال على مواقع التواصل الاجتماعي، لكني توقفت عندما تذكرت أن صفحات هذه المواقع لا تحتمل الشرح والتفصيل وذكر الأرقام، ورأيت أن من الأفضل التوسع في شرحها ضمن مقال أطول..

ويأتي تصنيف النقاط المذكورة هنا تبعا لوضع سوريا الراهن بعد أن دمرت الدولة وابتعدت في شكلها عن الصورة المدنية التي تهتم بالمواطن نتيجة جملة أحداث يعرفها المتابعون..

يحمل هذا المقال رؤية مبدئية تحتاج إلى دراسات وأبحاث متخصصين لتطويرها وتطبيقها، لكن المذكور فيه هو رؤية لدولة تضع قدمها على طريق التطور واللحاق بركب الحضارة والمدنية الحديثة..

أولويات الدولة المقبلة

بعد تغيير نظام الحكم الفاسد في سوريا ستكون الأولويات التي يجب أن تعمل عليها أي حكومة، سواء كانت انتقالية أم منتخبة، هي الصحة والتعليم والعدل. وهذه الوزارات يجب أن تحصل على الحصة الأكبر من ميزانية الدولة في الفترات الأولى مع ضرورة وجود جهاز رقابة ومحاسبة صارم لقطع الطريق على أي فساد محتمل..

كان نظام الأسد يتحكم في وزارة الصحة لكنه لم يعمل يوما لتطوير القطاع الصحي على الأسس الحديثة أو لنشر فكرة التأمين الصحي الحكومي والخاص، بل إننا يمكن أن نقول إن مستوى الخدمات الصحي في الدولة كان متدنيا جدا من حيث التوزيع والرعاية، فقد تجمع أكثر الأطباء والمشافي في المدن الكبرى وبقيت المناطق الريفية والنائية بحاجة إلى رعاية صحية وازدادت الهجرة من الريف إلى المدينة.. ومن المعلوم أن أكثر الدول الأوروبية الغربية يقوم نظامها الصحي على توزيع الأطباء والتخصصات في جميع مناطق الدولة بناء على عدد السكان، آخذة على عاتقها عملية الإحصاء والتعويض المالي المناسب للعاملين في القطاع الصحي إلى آخر نقطة على حدود الدولة، وهو ما يجعل التوزيع السكاني منطقيا ويوزع التنمية الزراعية والصناعية والكثافة البشرية بشكل عادل يرفع سوية الاقتصاد في البلاد ويجعل من أكثرية السكان منتجين قادرين على دفع الضرائب للحصول على خدمات الدولة العامة..

قبل اندلاع الثورة السورية بلغ عدد المشافي في سوريا 482 مستشفى بعدد أسرة نحو 30 ألف سرير، منها 117 مستشفى عام بعدد أسرة نحو 22 ألف سرير، وبواقع 11 سرير لكل 10 آلاف مواطن.. وبلغ عدد الوحدات الصحية المستثمرة حتى عام 2007 ما يقارب 1717 وحدة صحية بواقع أكثر من 11 ألف فرد لكل وحدة صحية، وتركزت معظم الرعاية الصحية (الخاصة) في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وطرطوس واللاذقية، بينما ذهبت ميزانية الدولة الأكبر للمستشفيات العسكرية التي استأثرت بعشرين في المئة من أطباء سوريا (عددهم الإجمالي يقارب 30 ألف طبيب) والتي كان من الممنوع على المدنيين الاستطباب فيها.. ولم تتماشى زيادة عدد المراكز الصحية مع زيادة عدد السكان التي وصلت إلى 18 في المئة بمعدل المواليد، فقد كان لكل ألف من السكان طبيب ونصف فقط!..

وهذا المعدل لم يقترب حتى من عدد المشافي والأسرة والأطباء في دولة مثل الدنمارك التي يزيد عدد سكانها قليلا عن 5 ملايين نسمة..

كما انتشر في مراكز الرعاية الصحية (الحكومية) ممرضون وممرضات (عددهم الإجمالي نحو 30 ألفا) غير مؤهلين وأكثرهم دخلاء أو خلايا تابعة لأجهزة أمن النظام، فكان سوء الحظ وتدهور الحالة الصحية من نصيب أغلب من احتاجوا لإسعاف سريع من فقراء سوريا قليلي الحيلة..

ويتطلب العمل في مهنية التمريض في الدول المتقدمة الدراسة 3 سنوات في معاهد متخصصة أقرب إلى الجامعات، يتبعها تخرج وشهادات بتقدير تؤهل الخريجين للحصول على العمل بحسب كفاءتهم، وهم بهذا يكونون عونا للمريض وللطبيب ويساهمون في إنقاذ حياة آلاف المرضى، ليس بسبب حصولهم على دخل إضافي من الرشى المدفوعة من أهالي المرضى كما يحدث في عهد الأسد، بل لأن هذا واجبهم وما درسوا لأجله وما تم توظيفهم على أساسه..

جميع هذه الخدمات لا تستمر وتنمو إلا برفدها بمراكز بحوث طبية تستفيد من آخر ما توصل إليه العلم وتعمل على تطبيقه عمليا في المراكز الصحية.. كما أن الاستعانة بالخبرات الأجنبية سيكون أمرا محمودا ومفيدا حتى ولو كان مستوى كفاءة الأطباء السوريين جيدا..

لا حاجة للقول والتذكير بأن سوريا ستخرج من هذه المحنة وفيها آلاف المصابين بجروح مزمنة وإعاقات دائمة يحتاجون إلى رعاية عالية واهتماما متواصلا على أمل إعادة تأهيلهم ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع من جديد، ناهيك عن أعداد هائلة ممن تضرروا نفسيا، سواء من الأطفال الذين عاشوا الرعب والقصف وشاهدوا الدماء والموت وابتعدوا عن الحياة الطبيعية من مدارس وملاعب وتهجروا وتشردوا عن حضن البيت والعائلة الدافئ، أو من النساء الذين فقدن أقرب أحبتهم أو تعرضن لاغتصاب وانتهاك، أو من الرجال الذين اعتقلوا وعذبوا وأهينت كرامتهم ورجولتهم، أو من آخرين ألفوا منظر الموت ورائحة الجثث..

الأطفال عماد المستقبل

على الرغم من أن نظام الأسد كان يدعي بأنه يقدم خدمات جليلة للسوريين بتقديم التعليم المجاني للطلاب؛ وهو ما لا يعد إنجازا نظرا لأن كثيرا من الدول المتقدمة تؤمن الدراسة والمواصلات للطلاب من مواطنيها؛ فإن عدد المدارس في جميع مناطق وأنحاء الدولة تراوح بين 22 و25 ألف مدرسة وهو عدد قليل جدا نسبة للزيادة في عدد السكان، كما أن مستوى التعليم في السنوات الأخيرة وفي ظل حكم الأسد تدنى بشكل مخز من حيث نوعية المعلمين وتوزيعهم أو تعيين مدراء ومديرات مدارس كانوا أقرب إلى ضباط مراكز أمنية.. وفي هذه المحنة التي تمر فيها سوريا أعلنت المنظمات الدولية أرقاما مرعبة للأضرار التي تعرضت لها المدارس وقطاع التعليم.. وفقا لمنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة فقد بلغ عدد المدارس المتضررة والمدمرة في سوريا نحو 3 آلاف مدرسة وقتل أكثر من 200 موظف يعملون في قطاع التعليم، كما تم استخدام نحو 1400 مدرسة كمأوى للنازحين والفارين من مناطق النزاع أو الفاقدين لمساكنهم، في حين أشارت منظمة “أنقذوا الأطفال” إلى أن عدد المدارس المدمرة في بداية العام الماضي وصل إلى نحو 4 آلاف مدرسة، وتوقف عدد كبير من الأطفال عن متابعة التعليم عدا عمن بلغوا عمر المدرسة خلال السنوات الماضية ولم يستطيعوا الالتحاق بتعليمهم الأساسي، كما شهدت بعض المناطق الأكثر هدوءا تخلف أطفال كثيرين عن الدراسة واضطرارهم للعمل لإعالة أسرهم.. أما وضع الأطفال في مخيمات اللجوء فقد أشارت منظمة اليونيسيف مثلا إلى أن نحو 78 في المئة من أطفال مخيم الزعتري في الأردن وما بين 50 إلى 95 في المئة في المجتمعات المضيفة خارج المخيم لا يذهبون إلى المدرسة..

سيتعين في هذه الحالة على الجهة التي ستتسلم المسؤولية في سوريا بعد توقف أعمال العنف المباشرة فورا في تخصيص مبالغ ضخمة من الإعانات المالية الممنوحة لقطاع التعليم ورعاية الطفولة، وإذا لم تكن الخطوات المتخذة في هذا المجال سريعة ومخطط لها مسبقا فسيجد الجميع أنفسهم أمام فوضى أمنية في المراحل الزمنية الأولى وأمام جهل مجتمعي عام في المراحل الزمنية اللاحقة، وهو ما سينعكس سلبا على جميع نواحي الحياة.. في دول أجنبية كثيرة يتعلم حتى أبناء الفلاحين الذين ينوون تسلم زراعة وفلاحة أراضي آبائهم في المدارس والجامعات ويستخدمون دراستهم في خدمة ما ينتجون، لكنهم بالأساس يريدون أن يكونوا متعلمين..

وبسبب تدني مستوى التعليم في عهد الأسد وضعفه وتخلف أساليبه، ربما تحتاج وزارة التعليم إلى استعارة خبرات حديثة في بناء نفسية الأطفال بشكل سليم من خلال تعليمهم بطرق أحدث، حتى لو جرى فتح المجال أمام التعليم الخاص، إذ إن أغلبية المواطنين السوريين الذين تضرروا من الحرب لن يكونوا قادرين على تحمل أعباء قطاع التعليم الخاص المالية، ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة في تبني أبنائها..

القضاء وركيزة الدولة الأساسية

ربما يكون هذا القطاع هو الأهم في جميع قطاعات الدولة، ليس لأنه يبني كوزارة الإعمار أو يقدم خدمات كالصحة والمواصلات أو يهتم بالمجتمع كالمرأة والطفل، بل لأنه سيكون الضمان والحماية النهائية لجميع القطاعات المذكورة وغيرها مما سيتم بناء المجتمع عليه..

سيروي السوريون حكايا كثيرة ومخجلة عن واقع القضاء في عهد الأسد، وعن الفساد الذي استشرى فيه حتى ضاعت الحقوق وفقد كثيرون أملاكهم وانهارت كثير من الوزارات والدوائر الحكومية بسبب انتشار الرشوة والفساد المالي فيها وهو ما جعل الفوضى النفسية والمدنية تدب في أوصال المجتمع..

القضاء النزيه الذي يعيد للناس حقوقهم ويمنع التجاوزات ويقف سدا منيعا أمام فوضى التعاملات الإنسانية هو الأصل في أي مجتمع سليم، وفي التجارب العالمية وافق المجلس المركزي للاتحاد الدولي للقضاة عام 1999 بالإجماع على الميثاق العالمي للقضاة كحد أدنى للقواعد العامة، وأوجب بنص المادة 9 منه على تعيين واختيار القاضي وفق معايير موضوعية وشفافة، على أساس المؤهلات المهنية المناسبة، على أن يتم الاختيار من قبل هيئة مستقلة تتضمن تمثيلا قضائيا جوهريا.. وجاء في قرارات المجلس الأوروبي لسنة 1994 بشأن استقلال وكفاءة ودور القضاة بانه يجب أن يُكفل استقلال القضاة وفقاً لأحكام الاتفاقية والمبادئ الدستورية، كإدراج أحكام محددة في الدساتير أو القوانين الأخرى أو دمج أحكام هذه التوصية في القانون الداخلي. ومراعاة للتقاليد القانونية في كل دولة، مقررة بوجوب ضمان السلطتين التنفيذية والتشريعية استقلال القضاة وعدم إتخاذ أي إجراءات تشكل تهديداً لاستقلالهم وأن تكون الهيئة المخولة بإتخاذ القرار بشأن إختيار القضاة الدائمين بمنأى عن الحكومة أو الإدارة لضمان إستقلالها، ويجب أن تكفل القواعد ذلك.

أما عن عضوية الهيئة المستقلة، فقد استقر الميثاق على ضرورة انتخاب القضاة الأعضاء فيها من قبل زملائهم بغية ضمان استقلال هذه الهيئة عن أي سلطة سياسية تابعة للسلطة التنفيذية أو التشريعية أو لضمان احتمال عدم وجود ميول حزبية في تعيين القضاة.. ويوصي الخبراء الدول حديثة العهد بالديمقراطية أن تتبنى هذه المبادئ لتعصم القضاء من آفة الحزبية..

أما فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية ومنها الشرطة فهي تتطلب الاهتمام ببناء مدارس الشرطة بشكل سليم ومنهجي تجعل من أفرادها الأكثر التزاما بالقوانين وكيفية تنفيذها من دون إهانة المواطن أو الخروج عن الأصول.. وهذا علم قائم بذاته يحتاج إلى اهتمام وتركيز عاليين لضبط الانفلات الذي انتشر بشكل مخيف في جميع أنحاء الدولة..

سيتطلب الأمر كثيرا من الأفكار والدراسات والخبرات، وستحتاج الدولة إلى الاهتمام بمرافق أخرى غير هذه المذكورة هنا، لكن الأهم من كل هذا هو ضرورة وجود الوطنيين المخلصين الذين يضعون نصب أعينهم مصلحة الوطن والمصلحة العامة ويعملون عليها ومن أجلها بلا كلل أو ملل، إذ إن الضرر البالغ الذي أحدثه تخريب عشرات الأعوام في هذه الدولة سيحتاج إلى عشرات أخرى من السنوات للبدء في قطف ثمار إصلاح الخلل…


شاهد أيضاً

برهان غليون: عقدة الأسد

  برهان غليون: العربي الجديد ذكرت لي إحدى المشاركات في فيلم وثائقي فرنسي عن اغتصاب …

اترك تعليقاً