الجهادية الأوروبية والحرب في سوريا

_21عمار ديوب ـ العرب: ليست ظاهرة السلفية الجهادية وليدة دين بعينه، أو نتاج مجتمعات كان الإسلام يحكمها، بل هي وليدة شروط حديثة مركبة، تُظهرها تارة، وتَحجبها تارة أخرى. ولكن تصاعدها الكبير، كان حينما أرادت أميركا مواجهة السوفييت في أفغانستان. فكان تنظيم القاعدة، وهذا التنظيم تطوّر عالميا، وصارت له فروع في مختلف البلدان، مع تصاعد العولمة الرأسمالية، ليظهر وكأنّه الوجه الأسود لها وبسببها.

قبل حقبة الثمانينات وقبلها كان الإسلام السياسي هو السائد، وكان يسير نحو شكل من التصالح مع الدولـة الحديثة، وإن لم يستطع حسم العـلاقة بين الشريعة والدولة لجهة استقلالية الدولة عن كل شريعة وقضايا أخرى. مع الجهادية انقطع هذا التفكير، وصارت الخلافة الإسلامية هي الهدف، وغادرت الجهادية عصرنا، متوهمة عصرا طوباويا خاصا بها.

هذا الوهم يتجدد كلما تصاعدت الحرب في بلد ما، وعلى وقعها تظهر وتتطور وتتصاعد كحالها في العراق واليمن والآن في سوريا، عدا مالي والجزائر والشيشان من قبل، وفي كل دولة متأزمـة أو الموشكة على الفشل.

أصل الجهادية الأوروبية، عدم قدرة الرأسمالية الأوروبية على دمج الأقليات الإسلامية في مجتمعاتها ووجود بطالة كبيرة، فشكلت تلك الأقليات أحياء الصفيح خاصتها، وكوّنت بُناها الفكرية والسياسية خاصتها، وبشكل منفصل عن المجتمعات الأوروبية، وتمّ ذلك بسبب أزمة تلك المجتمعات بالتحديد؛ فالمحافظة والتمسك بالأصول وكثرة ظواهر السرقة والإجرام والجهادية وعدم تعلم لغة البلد وخصائصه ساهمت في عدم اندماج هذه الأقليات.

وحينما يتجاوز عدد الأوروبيين القادمين إلى سوريا، من فرنسا الـ400 ومن بريطانيا الـ300 والمجموع أكثر من ألفي شخص، فإن هذا يظهر أن الأزمة الحقيقية في المجتمع الأصلي، وبالتالي الجهادية القادمة من تلك البلدان تتحمل مسؤوليتها تلك البلدان.

الجهادية وجدت “أرض الميعاد” مع تحول الثورة إلى حرب في سوريا وتصاعد تدفقها بفعل “داعش” و”النصرة”، وتحرر مناطق واسعة، والتجنيد الإلكتروني لشباب غاضب وبغير أفق، ويتضاعف الوهم واليوتوبيا بحـرب مقدسـة ضد ظالم أوغـل في قتل المسلمين، وضد نظام متروك من الغرب ومدعوم من روسيا وإيران، يمارس القتل.

وبسبب كل ذلك، وبدعم مالي كبير كانت حروب الجهاد، والرغبة في الذهاب إلى الجنة كتعويض عن الحياة البائسة في أوروبا وفي بلاد الأزمات وخدمة للدين. ما يسهل طريق الوصـول الدول الأوروبية نفسها وتركيا، ومجمـوعـات قاعديـة متمـركـزة في تركيـا ووظيفتهـا إيصـال الشبـاب إلى حتفهـم حيـث الحوريـات.

لعب النظام السوري والعراقي، دورا مركزيا في تصاعد الجهادية في الثورة عبر إخراج قياداتها من السجون في البلدين، وتسهيل كل إمكانية للوصول إلى المناطق المحررة، والآن تعد “داعش” أكبر مشكلة تواجه الثورة. داعش هذه تستقطب أعدادا كبيرة من المهاجرين الجهاديين، وتدفعهم إلى الحرب ضد الثورة مباشرة.

وهنا قوى الثورة هي من تواجه الجهادية الأوروبية، أما الثرثرة الأوروبية والتخوف من الجهاديين الذين سيعودون لاحقاً، ووصم الثورة بالجهادية فهي مجرد تبرئة للذات من جهاديتهم وتحميل الإسلام والعرب سبب نشوئها، وهذا يفيد طبعا في قضايا السياسة الداخلية والصراع الانتخابي.

لن تنحصر الجهادية ما لم تتوقف الحرب. التضييق على الجهاديين ربما يعقّد وصولهم ولكنه لا يمنعه أبدا. انتهاء “داعش” لن يعني توقف تدفق المقاتلين، فهناك جماعات أخرى سورية تستقبلهم، ودخول حزب الله وتوابعه من ميليشيات طائفية شيعية، يشكل عاملا إضافيا لاستقدامهم.

ولكن هذا لا يعني أن الشرق ديني بامتياز، وطوائفه متقاتلة وتظهر أصولية دينها كلما سنحت لها الفرصة بذلك. لا، فأحـد أوجه الصراع يتخـذ الوجه الجهادي السني والشيعي، ولكن هذا لا يعني مطابقة هذا الوجه للطوائف نفسها؛ فالجهادية صراع سياسي وليست صراعا دينيا، وإذ أوضحنا الجهادية “السنية” وكيفية تمظهرها، فإن الجهادية الشيعية لم تأت إلا بسبب النظام والتدخل الإقليمي الإيراني، وبالتالي وبتوقف الحرب لسبب ما، سيتراجع كل ذلك، وسيتقدم المجتمع السياسي والمدني؛ فهذا المجتمع مغيّب حاليا بفعل حدة الصراع وليس لأنه أصبح أصوليا وجهاديا.

لا علاقة للثورة بالجهادية، وهي بمثابة ثورة مضادة ضد الثورة الشعبية. فلقد رفض المجتمع المحلي وفي كافة مناطق سوريا تلك الجهاديات، سواء كانت “داعش” أو “النصرة” أو “أحرار الشام” أو سواها، ليتبين أن الثورة شعبية ومدنية، ولديها رؤية مختلفة كليا عن الأصولية والطائفية.

وهذا بعكس رأي علماني وليبرالي وإسلامي كذلك، ينعى الثورة وينعى سوريا، ويؤكد أن سوريا مصيرها الصراع المستمر والطائفي ولن يتوقف ذلك أبدا.

أزعم أن لا أرض للجهاديـة في سوريـا، بل في العالم بأكملـه، ومـا القاعـدة وفروعهـا وما يشبهها، سوى نتـاج سياسـات امبرياليـة ظالمة لشعوب وأديان بأكملها، وهي ورغم كل الشحن المالي لها بقيت ظواهر هامشية، وسرعـان مـا تتـلاشى بمجـرد رفع الدعم. الجهادية ابنة الأزمات، وبغيابها تغيب، وبعودتها تظهر، وهذه خاصية تتجاوز البلاد التي بها الدين الإسلامي.

الآن يتمركز الجهاديون في سوريا وهي قبلتهم، ولكن كل ذلك يتم بتسهيلات دولية ومحلية. الخلاص من الجهادية الأوروبية أو العربية لا يكون بالتشدد الأمني، بل يكون بسياسات تؤمّن للبشرية حلولا لمشكلاتها لا زجها بالجهادية ودفعها إلى الموت بدافع اختياري وهمي.

إذن الجهادية ليست ابنة دين ما. وليست متواجدة في بيئات دينها الإسلام، بل هي ابنة إخفاق الرأسمالية العالمية والمحلية عن الاستجابة لحاجات الشعوب بحياة اقتصادية أفضل وبحياة سياسية يعبر فيها الأفراد عن احتياجاتهم المتعددة.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً