التجويع والبحث عن وطن بديل

اعتمد النظام على قطع الطرق وإقامة الحواجز والتّضييق على معابر المساعدات الغذائية والانسانية المقدّمة من الجمعيات المحلّية ومن أصحاب الأيادي البيضاء من المواطنين.

ـ نزحت العائلات الفلسطينية والتجأت إلى سورية في سنة 1948 حين كنت طفلاً في السادسة فسكنت إحدى الأسر الفلسطينية النازحة داراً مهجورة مجاورة لبيتنا .

ـ . إنّ وضع الحواجز المسلحة وتكريس الصّعوبات القاهرة في وجه مرور ووصول المساعدات الخارجيـّة من الدول المانحة ,والتي اصبحت تتدفق ــ مؤخراً ــ بكميات هائلة لدرجة جعلتنا نشكك في دوافع هذا  الكَرَم الحاتمي!.

 كنجو

عبد الرزاق كنجو- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

عمل النظام مؤخراً على تطبيق سياسة الحصار والتّجويع في المناطق المحرّرة أو المحاصرة , كنوع من الضّغط على من تبقى فيها من السّكان وإذلالهم , ظنّا منه أنّ ذلك سيساعده في إخلاء هذه المناطق والبلدان من سكانها الأصليين , والتأسيس لمناطق جديدة يستطيع فيها تغيير طبيعة العلاقات والانتماءات السكانية وتفكيك ترابطها المجتمعي المتوارث منذ مئات السنين . لذلك اعتمد على قطع الطرق وإقامة الحواجز والتّضييق على معابر المساعدات الغذائية والانسانية المقدّمة من الجمعيات المحلّية ومن أصحاب الأيادي البيضاء من المواطنين الذين يعزّ عليهم رؤية إخوانهم المحاصرين يجوعون , بعد أن منع عنهم النظام وصول الغذاء وحليب الأطفال والدّواء وحتى رغيف الخبز اليابس ممّا جعلهم يستعينون بلحوم القطط وأوراق الشجر . وكان هدف النظام تهجير السكان وتفريغ مناطق جغرافية محدّدة لغايات طائفيّة وضيعة تأسيسً لتغيير المنطقة ــ ديموغرافيا واجلاء سكانها الأصليين لصالح المشروع القذر المدعوم من حزب الله اللبناني وملالي ايران . إنّ وضع الحواجز المسلحة وتكريس الصّعوبات القاهرة في وجه مرور ووصول المساعدات الخارجيـّة من الدول المانحة ,والتي اصبحت تتدفق ــ مؤخراً ــ بكميات هائله لدرجة جعلتنا نشكك في دوافع هذا ــ الكَرَم الحاتمي ــ والذي قد نفسّره على أنّه وسيلة خفـيّـة ” لتشجيع ” حالة النّزوح الجماعي للسّكان والتأسيس لديمومة هذا الوضع الكارثيّ الذي قد يطول ويمتـدّ لزمن طويل لانعرف نهايته. لقد مـرّ العرب بهذه التجربة في النزوح , بعد الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948 , وظنّ العرب ــ في ذلك الوقت ــ أنّها رحلة مؤقتة إلى المخيـّمات المحليّـة أو إلى الدول المجاورة , وأن جيوش العرب كفيلة بإعادتهم الى موطنهم في أقرب معركة مع جيش الدولة الصهيونية الوليدة . لقد إنقضت وتوالت عليهم عشرات السنين وهم في انتظار الأمل الضائع بين المؤتمرات العديدة والمفاوضات ,بينما يزداد الأمل بالحلول المرجوّة تعـقـيداً وابتعادا . عندما نزحت العائلات الفلسطينية والتجأت إلى سورية سنة 1948 كنت طفلاً لايتجاوز عمري ستّ سنوات , وكانت قد سكنت إحدى الأسر الفلسطينية النازحة في دار مهجورة مجاورة لبيتنا ولم تكن تصلح للعيش الكريم لإفتقارها لمعظم متطلبات السكن , وبطبيعة الحال كنـّا كمجتمع ريفي نزور هذة العائلة حاملين معنا ماتيسر من المساعدة الغذائية البسيطة . كنت ــ كطفل ــ أحسدهم على بعض علب السردين المركونة في زاوية الغرفة لعدم وجود رفوف , وعيني لاتفارق النظر الى عبوة بودرة الحليب التي لم تكن منتشرة في مجتمعنا لأن امهاتنا كنّ لايزلن يرضعن اطفالهن من صدورهن ,ولم أكن لأعرف كيف يحصلون على هذه البودرة في ذلك الوقت , بل لعلّي كنت أتصور أنهم جلبوها معهم من بلادهم بعد أن طردهم منها اليهود . ولكن تبيّن لي فيما بعد , بأنها مساعدات مجانية كانت توزعها عليهم بعض الجمعيّات الخيرية والمنظمات الإنسانية العالمية . إنّ المعلبات الغذائية وبودرة الحليب التي أطلقنا عليها ــ تجاوزا ــ إسم ” الحليب الفلسطيني” بقيت في مخيلتي لسنوات وسنوات حتى بعد سفر تلك العائلة إلى مكان مجهول آخر من سورية وانقطعت أخبارها . كنت أستمع الى قصص نزوحهم من خلال حكايات جدّتهم العجوز الكسـيحة وأراقب الدمعة التي لاتفارق عينيها . كانت على ثقة تامّة بأنهم سيعودون إلى ديارهم قريبا عندما تتحسن الأوضاع وتهدأ النفوس وبعد أن تتجمّع ” الجيوش العربية ” وتحرر فلسطين من اليهود . كانت تلك الحكايات لاتبتعد كثيراً عن الحكايات الخيالية المسـلّـية التي اعتدنا على سماعها من أمهاتنا مساء كل يوم قبل أن ننام . توالت الأيام وكبرنا بالسنّ ,وتخرّجنا من الجامعات, وإستهلكتنا الوظيفة ووصلنا الى سنّ التقاعد , ومرّت السنوات مسرعة وبقي النازح الفلسطيني مبعثر العشيرة والعائلة والأقارب ,ولا يزالون يقيمون في مئآت المدن وفي جميع الدول العربية أو الأجنبية , ولم تبقَ دولة في المعمورة إلاّ واستوطنت فيها أسر فلسطينية , استطاعت الإندماج مع محيطها الجديد إلى درجة تقارب الإنصهار وفقدان الهويّة الوطنية الفلسطينية الموعودة . لقد منحهم ( المجتمع الدولي ) كلّ أنواع المساعدات المعيشية والغذائية , وكذلك “الخيام” التي تحولت فيما بعد إلى ( مخيّمات ) مبنية من الحجر والإسمنت وتم تحويلها تدريجيا الى تجمّعات سـكنـيّـة وحارات ,كانوا يفرحون لإطلاق التسميات الفلسطينية عليها وعلى أزقـتـها الضّيّقـة , ألحقوها بوسائل التعليـم المختلفـة والمقـدّمة مجاناً من ” الأونروا ” كونها من المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة والتي ترفرف فوقها الأعلام الزرقاء , بـيـنـما بقي الفلسطيـنـيّ يـحلـم بمشاهدة علمه وهو يخفـق فوق ارضه . لم نشعر نحن كسوريين بهذه الإنسانية ــ المفرطة ــ إلاّ عندما وصل ” البـلّ ” أو البلاء الى ذقوننا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منذ الأيام الأولى للثورة السورية السلمية قاومها النظام بالسلاح والقتل والاعتقال ممّا أجبر الكثير من السكان على الفرار والنزوح . لقد الحدود الدولية مفتوحة على مصراعيها لتسهيل (( الخروج السريع )) والدخول الى الدّول المجاورة ومن كل الإتجاهات دون رقيب أو حسيب , متجاوزة تلك الحدود التي لم تكن تسمح قبل ذلك بمرور ( أرنب بريّ ) واحد من خلالها .!!! بسرعة قياسيّة تم تخصيص الأمكنة ونصب الخيام وتشكيل لجان الإستقبال , وتوزيع الوجبات ” الساخنة ” كرماً منهم , وتكريماً للوافدين ,لقد أقاموا المسارح الترفيهية للأطفال وجهّزوا المدارس والمستوصفات الميدانية وسط ذهول وإنبهار غير متوقع ,ممّا دفع النّـازح لإستدعاء جيرانه والاتصال بهم وتشجيعهم على الهروب والابتعاد عن مواطن الخطر والقصف الذي يتهددهم ليل نهار من جيش النظام الدموي الأحمق . عاش الفلسطيني نكبته واستمرت طويلاً.. وهو يحلم بالعودة آملاً تصديق المجتمع الدولي للوعود الكاذبة المتكررة والذي ثبت أن الهدف من كلّ هذه الوعود إنّما هو لتمرير الوقت وتكريس التعايش مع الأمـر الواقع الذي فرضه العالم المتواطيء مع الصهيونية العالميّة لإقامة الدولة اليهودية “اسرائيل “. لقد مـرّ على نازحيـنـا السوريين ثلاثة أعوام ولا يزالون يحلمون بالعودة , ويقضون جلّ نهارهم يبحثون عن (السّـلّـة الغـذائـيّـة ) المهـينـة , والتي أصبح الحصول عليها أمراً عسيراً , خاصة عندما أصبحوا يسمعون ويشاهدون المدن المنكوبة الجائعة وأماكن الحصار والبراميل المتفجرة فوق رؤوس ساكنيها . لقد تواطأ المجتمع العالمي بأسره على الشعب الفلسطيني وشعب البوسنة المسلم فيما مضى , وهاهي الواقعة نفسها تتكرر على الأرض السورية . ينشغل العالم ويشغلنا في مؤتمرات ومفاوضات في زمن قد لايشعر بمروره الاّ من نزح أو تهـدّم بيـتـه أو فـقـد أسرته . إنّ مايجعلنا نزداد شـكّوكاً وريبة أكثر فأكثر إقدام بعض الدول ــ مشكورة ــ على السّـماح للسوريين (( باللّجوء السياسي )) إليها وتسهيل العبور ضمن أراضيها وإلى حدود دول أخرى . ومهما يكن من أمر . فيبقى المواطن السوري يتوق للرجوع الى بيته وعمله في وطنه , لأنه لم يخرج سائحاً وإنما / هارباً / من ظـلم ألـمّ به وأجبره على الإبتعاد عن الخطر الذي يتهدّده يومياً بالقصف أو بالموت جوعاً أو ضياعاً داخل السجون . كنّا نعتقد أنّ الحلول المتاحة ستكون قريبة المنال والتطبيق وستلتئم الجراح , لكننا نجد أنّ المشـهد يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ويتجدّد فيه العنف وسفك الدماء , يغذّيه التدخّل العالمي المتعدد الإتجاهات والذي خطّط لأن يجعل من الأرض السورية ساحة لتصفية الصراعات ولتبادل المصالح والنـفـوذ . لن يساوم السوري على كرامته لقاء لقمة عيش مجهولة الهدف . ولن يقبل بالاقامة الأبدّية بأوطـان بديلة حتى ولو كانت في قصور الغرب المشـيّـدة .

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً